المديح النبوي في شعر الشيخ عبد المنان الميواتي الدهلوي ( 1924 – 1974م )

العلماء والإعجاز العلمي في القرآن الكريم
يناير 4, 2026
أرض القدس في ضوء كتاب ” أرض الأنبياء ” للكيلاني
يناير 4, 2026
العلماء والإعجاز العلمي في القرآن الكريم
يناير 4, 2026
أرض القدس في ضوء كتاب ” أرض الأنبياء ” للكيلاني
يناير 4, 2026

دراسات وأبحاث :

المديح النبوي في شعر الشيخ عبد المنان الميواتي الدهلوي

( 1924 – 1974م )

د . محمد عارف إلياس الميواتي الندوي *

يعتبر الشيخ الأديب عبد المنان الميواتي الدهلوي بن الشيخ عبد السبحان الميواتي – رحمهما الله تعالى – من أبرز شعراء الهند خاصة باللغة العربية . ولد في دلهي عام 1924م ، حيث كان والده يدرس العلوم الإسلامية في مدرسة زينة العلوم المعروفة بالمدرسة السبحانية . وتلقى        ( الدروس والعلوم ) الابتدائية من والده الداعية الكبير ( الشيخ )            عبد السبحان الميواتي في المدرسة السبحانية ، كما تتلمذ بين يدي عدد من أعلام عصره ، منهم ( الشيخ ) المفتي محمد كفايت الله الدهلوي والشيخ ضياء الحق الديوبندي ، رحمهما الله تعالى ، فدرس عليهم علوم التفسير والحديث النبوي الشريف . ثم التحق بمدرسة دار العلوم العزيزية في مدينة بهيره بمحافظة سرغوده بباكستان ، للحصول على مزيد من التعليم حيث قضى هناك حوالي ستة شهور في المسجد الجامع بمنطقة بهيرا .

نبذة عن الشاعر :

لقد نظم الشيخ عبد المنان الشعر في اللغة العربية والأردية والفارسية ، منذ حداثة سنه بسهولة . واستفاد في نظم الشعر من الشيخ محمد إدريس الكاندهلوي ، رحمه الله ، وقد قرض الشعر في معظم أغراض الشعر بالعربية ، لكن غالب شعره جاء في المدح والوصف . كما يوجد في شعره عدد كبير من الأبيات في مدح الشخصيات الإسلامية في الهند وخارجها ، وله عدد لا بأس به من المراثي في الشخصيات الإسلامية البارزة . ونجد له العديد من القصائد في المديح النبوي أيضاً . ويمتاز شعره بالرصانة والجزالة ، وجمال التعبير ، والحس المرهف ، وقوة العاطفة .

كان الشيخ عبد المنان في الحقيقة شاعراً صوفياً ، قرض الشعر في أغراض ، تداولها شعراء عصره كالمديح النبوي ، والرثاء والترحيب والاستقبال والوصف ، حيث استخدم كثيراً من تراكيبه وأساليبه من الشعر الصوفي . قرض العديد من القصائد في مدح الشخصيات الإسلامية والصوفية . لديه مهارات وقدرات فائقة على النظم باللغة العربية والفارسية والأردية على حد سواء ، ومضامين أشعاره وأغراضها تدور حول أصحاب التزكية وطريقتهم في موضوعات الشعر ، وهو يحتذى في ذلك الصوفيين من العرب في الدعاء والاستغفار والالتزام بالشعر الصوفي ونحوها ، وكان ينشرها – رحمه الله – في الدوريات التى تصدر في ذلك الوقت بالعربية والفارسية ( الأردية ) مستخدماً في قرض الشعر بحور الخليل بن أحمد الفراهيدي مع قافية موحدة وألفاظ مناسبة [1] .

نظم الشيخ عبد المنان الدهلوي عدداً كبيراً من القصائد الطويلة في المديح النبوي حتى صار له ديوان ( غير مطبوع ) يشمل حوالي خمسة آلاف بيت معظمها في المدح ، ولا سيما في المديح النبوي الشريف والشخصيات الإسلامية البارزة والمؤثرة في عصرها .

شعره :

لقد تفنن الشيخ الدهلوي في قرض الشعر باللغة العربية في أغراض متنوعة ومعروفة مثل المديح أو الرثاء لشخصيات إسلامية بارزة . وقد تعددت شخصيات الممدوحين من : شخصيات علمية وقامات فكرية ورجال السياسة والدعوة والإصلاح إضافة إلى الأصدقاء والمعارف والأساتذة والمشايخ ، وذوي الجاه والسلطة في مختلف الأماكن والبلدان ، كما قد استأثر المديحُ النبويُّ من ديوانه بجزء لا بأس به .

وفي هذا المقال ، الذي بين يديك أيها القارئ الكريم ! يهمنا تحليل قصائد الشيخ عبد المنان الدهلوي التي جاءت في المديح النبوي . وإننا لَنجِدُ في شعره الحنين لزيارة أم القرى مسقط رأس سيد الأولين والآخرين ، والشوق العارم لارتياد روضته الشريفة ، والاستئناس بالقرب منها ، والثناء على صاحبها وتعداد صفاته ومحاسنه ومكارمه ، ودعوته إلى الله وإظهار الحب له – عليه السلام – ولأهله وأزواجه وأصحابه الكرام رضوان الله عليهم . وفي بعض القصائد يشيد الشيخ الدهلوي بمولد النبي – صلى الله عليه وسلم – وشمائله ، ويتغنى بمولده ومعجزاته وإسرائه ثم يتوجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم لطلب الشفاعة منه ، كما يبث في تضاعيف قصائده التعبير عن حبه والتقرب له ووصف مواقف وأحداث من سيرته العطرة .

في المديح النبوي :

نقدم فيما يأتي بعض النماذج من أبياته في المديح النبوي الشريف مما سنستشفُّ منه عمق تعلقه بالرسول عليه الصلاة والسلام وحبه لكل ما يمت إليه بصلة . فهو يستهل معظم قصائده بكلمات مثل الحب والصبابة ، ويأتي بأسلوب جميل سهل ممتنع ، ينجذب القارئ إلى شعره في النظرة الأولى من القراءة . ومن المعلوم أن الشاعر من الصوفية ؛ لذلك فإنه يأتي بألفاظ تدل على الحب والغرام والعشق ونحوها ، وهو إنما يعنى بها حب الله ورسوله ، وليس حب النساء مثل الغزل والنسيب ؛ لأن الحب في شعره وسيلة للتعبير عن أحواله ومشاعره ووجدانه . فإن ” المدائح النبوية – كما يقول الدكتور زكي مبارك – من فنون الشعر التي أذاعها التصوف ، فهي لون من التعبير عن العواطف الدينية ، وباب من الأدب الرفيع ، لأنها لا تصدر إلا عن قلوب مفعمة بالصدق والإخلاص ” [2] .

نقدم هنا قصيدةً من قصائده في المديح النبوي التى تستهل بكلمة الحب والهيام بأن الحب عند الشاعر هو خزانة من حزائن رحمة الله تعالى ، وهو سكر شبان ونهضة أطفال وشغل المشايخ ، ومعراج إنسان ومفتاح المعرفة بالله تعالى ، إنما الحب جرعة قهوة وأحلى الأشياء في العالم .

يقول في إحدى قصائده الطوال ، وهي المعنونة بــ ” اللآلـي والدرر في مدح سيد البشر ” ، مستفتحاً إياها بأبيات غزلية تقليداً ومحاكاةً للشعراء السابقين [3] :

صــــــبــــابة مـــشـــتــاق وحــب أحبة خزانة غيب من خزائن رحـمة

ومــعراج إنسان ومـــــرقـــــاة طــارم  ومفتاح عرفان ومكثار نشوة

ونشوة نــــشــــوان وســـكر شبابة  ونهضة أطفال وشغل مشــيخة

وروح حــــــيــــاة المرء عين كمالها  وراحة نفس بالرضا مـــطـمئنة

دلــــيــــل فــــلاح لا فــــلاح بــدونـــه تنال به أقصى مـــراتـــب قـربة

هــيام وشوق والـــــتــــهــــاب وشعلة  نتائجه سل عن قــــتـــيــل مودة

شهيد الهوى يستقبل الموت باسماً  حلاوة قـــرب دائــــم ومـــــعـــيـة

بعد هذه الأبيات التى تدل على الحب وكيفيته وطعمه وعلى أحوال من سلك طريق الحب والهوى يأتي بنا الشاعر إلى معنى الحب الحقيقي ، ألا وهو الحب في الله الذي هو سبب نزول سكينة ورحمة لمن يمن الله سبحانه وتعالى به عليه . يقول عن أهمية هذا الحب الذى يصل به الإنسان إلى أعلى درجات الرفعة والمعرفة بالله [4] :

وما الحب إلا نعمة وعطية  رشاشة رضوان نــــزول ســكينة

يمن به المولى على من يحبه ويـــرفـــــعـــــه أعـــلى مـراتب رفـعة

أنيس أحـــبــــاء طراب ومونس وخــــيــــر جليس في مواقع وحشة

عليك بـــحــــب لا تــــذره فــإنــه ذريعة خـير وابــــتــــغــــاء فـــضــيـلة

ولولا عــــلــــيـــنا فــضـله وزيادة لعشنا كـــمــن يلغي أواصر ألفة

وهِمْنَا بـــواد دون واد غـــــوايــة وسرنا كمن يمشي بمهمه حيرة

ولكنَّ فضــل الله عـــمَّ عباده فــــأنــــقـــذهــم مـن سوءة وشنيعة

وأكرمهم بالحب أعظم دولة فــــــأنـــــقــــذهم مـن سوء وشنيعة

وإلا فـــلا مــعنى الحياة بدونه ولا خير في عيش كـعيش بهيمة

بعد ذكر الحب وأهميته في الحياة الإنسانية يخص الشيخ الأبيات التالية بذكر الأنبياء والمرسلين وخاصةً سيد الأولين والآخرين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، يقول [5] :

وقد خص مـنهم من يعلِّم خلقه علـــومـــاً وأخلاقاً برفق ولينة

وعلمهم عـلما ورأيا وحـــكــمة وآتـــاهـــم الفرقان نورَ بصيرة

هم الأنبياء والمرسلون جميعهم مصابيح نور في غياهب جمة

دعاة إلى الـــتـوحيد رأس دعاية حـماة طريق الحق أثناء دعوة

الشمائل النبوية :

وللشيخ عبد المنان الدهلوي قصيدة أخرى في المديح النبوي ، يتحدث فيها عن أخلاق النبي ، ويعدِّد محاسنه الخَلقية والخُلقية مؤكداً أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان متحلياً بالأخلاق السامية والكمال البشري . فهو – صلى الله عليه وسلم – إذا تكلم سماه وعلاه البهاء والمتانة ، وكان حلو المنطق ، وإذا صَمَتَ ارتسَمَ على مُحَيَّاه المبارك الوقار . فنجد في هذه القصيدة للشيخ الشاعر أجملَ صورة لأخلاق النبي صلى الله عليه وسلم ومحاسنه الخلقية والخَلقية ، يقول [6] :

واها لســـيــرتــه فـــاقـت شمائلُهُ   يا حسن صورته تـــشـتاقها المُقَل

جـــبـــيـــنـه مطلع الأنوار مشرقة   فالشمس آفلة والـــبـــدر مختجل

ووجهه كطلوع الصبح مــنفلقا   فالأرض نائرة والــقاع والــــقُـــلــل

وحسن مبسمه الوضّاء مبتسما   كفَتْقِ زهر وعينٌ زانــها كــحَل

ونظرة شفت الـــمــرضى وغُرّتُه   تروي الــــغــلـــيـــل ولا مـاء ولا بَلَل

وجعده العطِرُ الــمــعطار نفحته   كما النسيم بـــصـبحٍ هبَّ يرتفل

وثغره الرائقُ الــــبــسّامُ مــنفلجاً   ومـــــن ثـــــنــــايــاه نور وصْفه غزل

سواد شعرٍ بياضُ الخدّ يـغبطه   في حُلّة وثــــيــــابٍ دونـــهـــا الـــحُلَل

له جــــــمــــال إذا مــا زاره أحــدٌ   يقول ســــبــحان ربّي هل له بدل !

وصدره مخزن الأسرار منبعهـا   فيه الهدى والغنى والجود والنّحَل

الخاتمة :

يعتبر شعر المديح النبوي شعراً دينيّاً يركز على جوانب سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم ، ويتناول هذا النوع من الشعر موضوع مولد النبي وخلقه وشمائله وهجرته ودعوته ومعجزاته وغزواته وأهل بيته وأصحابه ومسكنه وضريحه وغير ذلك من أمور وشعائر ومعالم ومناقب وأحاديث . والشيخ الشاعر عبد المنان – رحمه الله وغفر له – كان من المولعين بالمديح النبوي كأهل عصره . فقصائده مما ذُكر أعلاه تتناول هذه الموضوعات المختلفة في أسلوب نابع من عقلية صوفية متمكنة باللغة الشعرية . فقد نظم القصائد الطويلة التى يلتزم فيها بالبحور الخليلية المعروفة ، وهكذا فقد خلف الشيخ عبد المنان في باب المديح النبوي وراءه معيناً أدبياً صافياً لا ينضب ، وإنتاجاً شعرياً متميزاً يدل على شخصية شعرية مطبوعة ومتميزة ، قد امتلكت السليقة اللغوية والملكة العربية بحيث دخلت عالمَ الشعر العربي من أوسع أبوابه ، متفوقةً في ذلك على الكثير من الشعراء ، مما ينم عن علو كعبها وعِظَم مرتبتها في شعر المديح النبوي ، وخاصةً في بلاد شبه القارة الهندية .

*  ميوات ، الهند .

[1] معجم البابطين لشعراء العربية في بلاد الهند، ج 2 ، ص 252 – 253 .

[2] زكي مبارك ، المدائح النبوية في الأدب العربي ، مؤسسة هنداوي 2022م ، ص 15 .

[3] ” بينات ” المجلة الشهرية الصادرة من كراتشي ، جمادى الأولى1395هـ ، والقصيدة من بحر الطويل .

[4] ” بينات ” المجلة الشهرية الصادرة من كراتشي ، جمادى الأولى1390هـ .

[5] نفس المصدر .

[6] انظر الأبيات في : ” بينات ” المجلة الشهرية الصادرة من كراتشي ، جمادى الأولى1390هـ ، والقصيدة من بحر البسيط .