الشيخ أبو الحسن علي الندوي : رائد أدب الأطفال الإسلامي

القيم الخلقية في أفكار وكتابات الشيخ القاضي مجاهد الإسلام القاسمي
مارس 24, 2025
القيم الخلقية في أفكار وكتابات الشيخ القاضي مجاهد الإسلام القاسمي
مارس 24, 2025

رجال من التاريخ :

الشيخ أبو الحسن علي الندوي : رائد أدب الأطفال الإسلامي

إعداد وتقديم : الأستاذ أبو بكر الصديق الفيضي الندوي *

يُراد بأدب الأطفال هنا الموادُّ المكتوبة مخصَّصةً للأطفال والناشئين مما يُغذِّي عقولهم ويُنمِّي أذواقهم ويُرقِّق مشاعرهم ويُعبِّئ أوقاتهم الفارغة بما يُسلِّي أذهانهم ويُوسِّع دائرة معارفهم وتجاربهم . ولكن لا نعني هنا جميع تلك المواد ، بل فقط ما يستحق أن يوصف بالأدب الإسلامي للأطفال لتأثره وتأثيره بما يدعو إليه الدين الحنيف من القِيَم الخلقية الفاضلة والمبادئ الروحية السامية والمشاعر الإنسانية العالية واجتنابِه عن النزعات الرذيلة والميول الشهوانية البهيمية .

ونرى لسماحة الشيخ أبي الحسن الندوي خطوات رياديةً ودوراً قيادياً في هذا المجال كما يُشير إليه التجارب والحقائق التاريخية والدلائل الموثوق بها . نهدف من هذا البحث تسليطَ الضوء على مؤلفات الشيخ الندوي الخاصة بهذا الموضوع وعلى أفكاره وآرائه ونظرياته الفريدة في هذا المجال بوجه خاص وتقديرَ جهوده واهتمامه بتربية الجيل الناشئ بكل ما يَضمَن سعادتهم الدينية والأخروية .

مؤلفات الشيخ الندوي في أدب الأطفال :

يقسم الدكتور عبد الباسط بدر مساهمات الشيخ الندوي وعطاءاته في قسمين كبيرين : قسم عملي وقسم إبداعي . أما القسم العملي فهو الجهود التي كان يقوم بها في سبيل إظهار قضية الأدب الإسلامي ونشرها والارتقاء بها إلى مصاف العالمية . وتتضمن هذه الجهود مؤتمرات الأدب الإسلامي التي كان يعقدها أو يوجه لعقدها أو يحضرها ، والندوات والمحاضرات والمقابلات الصحفية التي كان يعرض فيها قضية الأدب الإسلامي ، وجهوده في رابطة الأدب الإسلامي العالمية ورئاسته لها مدة خمسة عشر عاماً .

وأما القسم الإبداعي فيبدو في عطاء الشيخ أبي الحسن الندوي في جوانب عدة من الأدب الإسلامي ، تتجاوز التوقعات التي يحدسها المرء في داعية فقيه . فقد قدم أعمالاً أدبيةً إسلاميةً في الدراسات الأدبية والنقدية وفي أدب الرحلات وفي أدب التراجم والسير وفي قصص الأطفال . وهذه ميادين إبداعية تكشف عن موهبة أدبية غنية متعددة الجوانب [1] .

لقد بارك الله حقاً في حياة الشيخ الندوي رحمه الله ، وعاش حوالي 85 سنةً بالحساب الشمسي . حياة طويلة بالمقارنة إلى كثير من أقرانه ومعاصريه وغيرهم من العلماء والفضلاء . ولكن إذا استعرضنا مآثره واطلعنا على مساهماته وإنتاجاته في مختلف الميادين ، نضطر لأن نقف أمامها متعجبين ومستغربين لكثرة ما أنجز ، وجلالة ما قدَّم . كان الشيخ يمارس أعماله الأدبية من مرحلة الطفولة أو المراهقة بعبارة أدق . يدل على ذلك ما كتبه في الفصل الأول من كتابه روائع إقبال من ذكريات زيارته للشاعر الكبير محمد إقبال في 1930م ، حيث كان الشيخ الندوي لم يتجاوز السادسة عشر من عمره . عرض ترجمته في العربية لبعض قصائد الشاعر إقبال ، فأعجب الشاعر بها وشجعه على مواصلة سيره الإبداعي . ونشرت له مقالته في العربية عن السيد أحمد بن عرفان الشهيد في مجلة المنار الصادرة من مصر سنة 1931م وهو لا يزال في السابعة عشر من العمر . وصدر كتابه مختارات من الأدب العربي في 1940م ، حيث نال هذا الكتاب قبولاً واسعاً لدى الأوساط العلمية في الهند وخارجها .

قصص النبيين :

أحسَّ الشيخ الندوي بضرورة تأليف كتب خاصة بالأطفال في العربية ، انطلاقاً من تجاربه التدريسية في دار العلوم التابعة لندوة العلماء من 1934م ، ونظراً لظروف المناهج الدراسية في كافة أنحاء البلاد آنذاك وتطلعاً إلى توفير وضع أحسن بالنسبة للجيل القادم . وكان الشيخ قد قام بجولة موسعة للمعاهد العلمية في مختلف مناطق الهند ، واستعرض أحوالها واطلع على مستويات التعليم والطلاب فيها . وبدأ في إعداد سلسلة لقصص النبيين واختتمها في خمسة أجزاء ، ابتداءً من قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام وانتهاءً بقصة سيدنا عيسى عليه السلام في الجزء الرابع . وأفرد الجزء الخامس في سيرة سيدنا سيد الثقلين محمد صلى الله عليه وسلم .

القراءة الراشدة :

وشرع بعد ذلك في تأليف سلسلة أخرى باسم القراءة الراشدة ، تجمع بين الدروس الدينية والأخلاقية والمعلومات العامة في أسلوب أدبي رفيع وبعبارات سهلة شيِّقة . جاء ذلك في ثلاثة أجزاء . كان إعداد هاتين السلسلتين قد تم خلال 1944 – 46 الميلادية ، وحظيتا إعجاباً بالغاً وإقبالاً واسعاً من الأوساط العلمية ، حتى أدرجتا في كثير من المدارس والمعاهد والكليات في الهند وباكستان وبنجلاديش ، إضافةً إلى المدارس في البلاد العربية والإسلامية الأخرى ، واستفاد منها جيل بعد جيل .

قصص من التاريخ الإسلامي :

وهناك كتاب آخر للشيخ الندوي مخصص للأطفال باسم قصص من التاريخ الإسلامي للأطفال . أعد فيه الدكتور سعد أبو الرضا بحثاً خاصاً باسم ” ملامح قصة الأطفال الموجهة في مجموعة قصص من التاريخ الإسلامي للأطفال لأبي الحسن الندوي ” . قد نشر في العدد الخاص للأدب الإسلامي ، يسلط الباحث فيه الضوء على جوانب مختلفة من خصائص الكتاب . يبدو أن الكتاب عبارة عن مجموعة من القصص التي تم أخذ بعضها من كتاب القراءة الراشدة للمؤلف وجعلت في كتاب مستقل مع مزيد من قصص أخرى .

نظراته الخاصة في أدب الأطفال :

لقد أعدَّ الشيخ الندوي كتابه قصص النبيين ، موجهاً إلى ابن أخيه محمد بن الدكتور عبد العلي الحسني ، وهو يخاطب ابن أخيه في مقدمة الكتاب ، ويقول : ” ابن أخي العزيز !  أراك حريصاً على القصص والحكايات ، وكذلك كل طفل في سنِّك . تسمع هذه القصص بكل رغبة وتقرؤها بكل رغبة ، ولكني أتأسف لأني لا أرى في يدك إلا حكايات السنانير والكلاب والأسد والذئاب والقردة والدُّباب . وعلينا العهد في ذلك ، فذلك هو الذي تجده مطبوعاً ” .

” وقد بدأتَ تتعلم اللغة العربية لأنها لغة القرآن والرسول والدين . ولك رغبة غريبة في درسها ، ولكني أخجل أنك لا تجد ما يوافق سنَّك ، من القصص العربية ، إلا قصص الحيوانات والأساطير والخرافات . فرأيت أن أكتب لك ولأمثالك أبناء المسلمين قصص الأنبياء والمرسلين     ( عليهم صلاة الله وسلامه ) بأسلوب سهل يوافق سنك وذوقك ، ففعلت ، وهذا هو الكتاب الأول من ” قصص النبيين للأطفال ” أهديه إليك . وقد حاكيت فيه أسلوب الأطفال وطبيعتهم ، فلجأت إلى تكرار الكلمات والجمل وسهولة الألفاظ وبسط القصة ” .

” وأرجو أن يكون هذا الكتاب الصغير أول كتاب يقرؤه الأطفال في اللغة العربية ويدرسونه في مدارسهم . وسأتحفك إن شاء الله بقصص للأنبياء ممتعة شائقة واضحة سهلة خفيفة جميلة ، ثم لا يكون فيها شيئ من الكذب [2] .

هكذا تتضح من كلمات الشيخ الندوي نظراته وأهدافه من هذا التأليف ونرى منهجه في ترتيب مضامينه وألفاظه . وكذلك نستفيد من عباراته في مقدمة القراءة الراشدة ، أنه كان يخطط لمشروع كامل شامل يكون بديلاً لما كان رائجاً في المناهج التعليمية في الهند من تعليم الكتب القديمة في اللغة والشعر مما ليس له أي علاقة بالدين والثقافة ، ولا يحتوي على أي رسالة دينية أو أخلاقية ، بل يشتمل على مجرد لعب بالألفاظ الجوفاء أو يلقي في قلوب الأطفال والناشئين الذين يدرسونها دروس التملق والشطارة والمكر والميل إلى الفحش والرذائل . وكذلك أجواءه وأسلوب أدائه بعيد كل البعد عن نفسيات الأطفال في العصر الحديث . فأراد أن يرتب منهجاً أدبياً شاملاً يوافق عقولهم وأذواقهم ويزوِّد الأجيال القادمة بأدب إسلامي نزيه ، يضمن الوعي الإيماني ويورث فيهم القيم الأخلاقية ويقوي فيهم الشعور الإنساني .

ميزات شخصيتِه وريادتُه في أدب الأطفال الإسلامي :

لا شك أن الشيخ الندوي حظي باحترام بالغ لدى العرب بصفة عامة ولدى العلماء والأدباء منهم بشكل خاص ، إضافةً إلى ما كان له من القبول والنفوذ لدى أهل بلاده الهند ، حكومةً وشعباً ، حتى قال عنه الأستاذ الدكتور يوسف القرضاوي : ” إن الإمام أبا الحسن الندوي – رحمه الله – كان سفير الشعب المسلم بالهند ، بل سفير الشعوب المسلمة في بلاد العجم كلها ، لدى البلاد العربية ، علماءها ودعاتها ومفكريها المسلمين ، ومجامعها العلمية والدعوية الإسلامية ومؤسساتها الثقافية والدينية [3] .

يقول الدكتور عبدالباسط بدر ، عضو رابطة الأدب الإسلامي العالمية في تقديمه لكتاب ” نظرات في الأدب ” للشيخ الندوي الذي تولى نشره مكتبة عبيكان بالرياض – السعودية – يقول بعد ما استعرض مزايا الكتاب وهو يحلِّل شخصية الشيخ الندوي الأدبية والدعوية : ” . . . . وهكذا تتكامل المحاور الثلاثة ( في هذا الكتاب ) لتعرض نظرات رائد من رواد الأدب الإسلامي في قضايا إسلامية في الأدب والنقد هي : مفهوم الأدب وطبيعته وحدوده ، وتوجه الأنظار إلى المناجم الغنية المهملة للعربية وآدابها ، والآفاق العالمية للأدب الإسلامي . ولا شك أن هذه ” النظرات ” تنظير للأعراف والقواعد والمقاييس ، وريادة في دروب الأدب الإسلامي ونقده ” .

ولا شك أيضاً أنه ليس من شأن الريادة أن تكون عملاً تفصيلياً يقف عند كل جزئية ، ولا من شأنها أن تكون دراسةً معمَّقةً لا تترك شيئاً لمن بعدها . أبداً . . . . فالريادة خطوة جريئة في أرض جديدة ، وسطر في صفحات لم تكتب بعد ، ووثبة تفتح الباب المغلق ليدخل منه آخرون ، وهي قبل ذلك كله موهبة لا يحملها إلا من آتاه الله فراسة قوية ، وإدراكاً دقيقاً لطبيعة الأشياء ، وقبساً من نور يضيئ مجاهل الطريق . وقد ملك أبو الحسن ذلك ، ففتح لنا في ” نظراته ” أبواباً – وهذا من توفيق الله له – أملاً في أن ندخل منها ونعبِّد الطريق . . . . .

دوره الريادي :

يكاد يتفق العلماء والأدباء المسلمون في العصر الحديث ، على أن الشيخ أبا الحسن الندوي هو الذي تقدم بمبادرة مفهوم جديد للأدب الإسلامي ، وذلك في مؤتمر المجلس العلمي بدمشق عام 1956م ، حين حضر المؤتمر كعضو للمجلس لأول مرة . أثار ذلك نقاشاً واسعاً في أوساط الأدب ، وصار الناس يتحدثون عنه ويبحثون حول إمكانياته ويفكرون في اتخاذ خطوات عملية في الموضوع ، حتى تم عقد مؤتمر دولي حول الأدب الإسلامي في رحاب ندوة العلماء بلكهنو بدعوة الشيخ ورعايته عام 1981م ، شارك فيه الباحثون والممثلون للمنظمات والجامعات من مختلف الدول العربية والإسلامية . وبعد بحوث ونقاشات حاسمة ، وصلوا إلى اتفاقيات وتوصيات للمضي قدما بهذا المشروع وتم الإعلان بهذا دولياً . فكان تأسيس رابطة الأدب الإسلامي العالمية في 1984م نتيجةً لذلك المؤتمر وتلك المبادرة [4] .

وحيث إن أدب الأطفال الإسلامي قسم من الأدب الإسلامي العام ، نرى فكرة الشيخ الندوي ومبادرته سائدةً في هذا القسم أيضاً بمفهومه الجديد . فيمكن لنا الوصول إلى النقاط التالية التي تدعم اقتراحنا بأن الشيخ أبا الحسن الندوي رحمه الله ، هو رائد أدب الأطفال الإسلامي بلا منازع .

  1. مبادرته بفكرة الأدب الإسلامي بمفهومه الجديد ، بما فيه أدب الأطفال أيضاً .
  2. اتفاق العلماء والأدباء المعاصرين على فكرته الريادية وقيامهم باتخاذ الإجراءات اللازمة لتطبيقها .
  3. موافقتهم على تأسيس رابطة الأدب الإسلامي العالمية لأول مرة ، عملاً باقتراح الشيخ الندوي واختيارهم إياه ليكون رئيساً لها مدى الحياة .
  4. دوره الفعال ومساهمته العملية في تطبيق فكرته عن طريق مؤلفاته العديدة في كلا الأدب الإسلامي وأدب الأطفال الإسلامي على حد سواء .
  5. جولاته الواسعة المتكررة في مختلف أنحاء العالم الإسلامي يحمل هموم الدعوة وتنشيط الأدب لهذا الغرض وغيره ، واهتمام الناس بحضوره وإقبالهم على محاضراته خلال زيارته ، لا شك أنَّ كل ذلك أثَّر تأثيراً كبيراً في التقدم بأدب الأطفال الإسلامي إلى آفاق جديدة .
  6. قيامه بتأليف كتب الأطفال بهدف إدراجها في المنهج الدراسي ، كان له صدى واستجابة أكثر مما يتوقع من أولياء أمور المعاهد والمدارس العلمية داخل الهند وخارجها . ولا تزال هذه الكتب مدرجةً في نظام التعليم في مختلف البلدان دراسةً ومطالعةً ، حتى يومنا هذا . فطبيعي أن يتأثر الأجيال بها فتورث في نفوسهم حب الأدب واللغة والدين والثقافة ، كما كان المؤلف يهدف إليها .
  7. يدل على أن الشيخ الندوي كان موفقاً وناجحاً في هدفه المنشود ، ما حصل لابن أخيه السيد محمد الحسني الذي كان هدفَه القريب في إعداده كتاب ” قصص النبيين ” ، ما حصل من براعة وامتياز في الأدب العربي والثقافة الإسلامية ، حتى فاق الأقران وتألق في أجواء العلم والأدب وصار مؤسس مجلة البعث الإسلامي الصادرة من ندوة العلماء ورئيس التحرير لها مدى الحياة .

كل ذلك وغيرها من النقاط ، إن دلت على شيئ ، فإنها تدل على تفوق الشيخ الندوي وجدارته ، لأن يلقَّب رائداً لأدب الأطفال الإسلامي . وجدير بالذكر هنا ، أن الدكتور كامل الكيلاني ( 1897 – 1959م ) كان يلقب أيضاً برائد أدب الأطفال ، ولكنَّ ذلك كان في حدوده  العامة ، ولم يكن بمفهوم الأدب الإسلامي الجديد . هذا ، ولا ننكر الفضل للدكتور الكيلاني ولأمثال الأستاذ رفاعة الطهطاوي وأحمد شوقي وحامد القصبي وغيرهم ممن جاءوا بعدهم في مختلف أنحاء العالم الإسلامي وأدلوا بدلائهم في هذا المجال ، لا ننكر لأحد فضلهم وسهمهم ولا نزكِّي على الله أحداً ، ولكن الحقّ يقال ، والفضل ينسب لأهله .

* عميد مجمع مالك دينار الإسلامي سابقاً ، ومدير الشؤون التعليمية حالياً ، لأكادمية محمد علي شهاب الإسلامية ، شنكلا ،كاسركود ، كيرلا – الهند .

[1] جهود أبي الحسن في خدمة الأدب الإسلامي ، عدد توثيقي خاص عن الشيخ أبي الحسن الندوي لمجلة الأدب الإسلامي الصادرة من الرياض ، ١٤٢١هـ .

[2] مقدمة قصص النبيين ، الجزء الأول الصادر من مؤسسة الصحافة والنشر – لكنؤ .

[3] مقالته في مجلة الأدب الإسلامي العدد الخاص بالشيخ الندوي .

[4] محمد نور الإسلام : الأدب الإسلامي ( التعريف والنشأة والخصائص ) www.alukah.com