السيرة النبوية نفحة من نفحات الرحمة الإلهية

يعلمون ولا يعملون
أغسطس 31, 2025
رسل الله في خاتم كتبه السماوية ( الحلقة الخامسة )
يناير 4, 2026
يعلمون ولا يعملون
أغسطس 31, 2025
رسل الله في خاتم كتبه السماوية ( الحلقة الخامسة )
يناير 4, 2026

التوجيه الإسلامي :

السيرة النبوية

نفحة من نفحات الرحمة الإلهية

الشيخ السيد محمد الحسني رحمه الله

هذا النبي العظيم الذي دُعي بسيد المرسلين ، وإمام المتقين ، وقائد الغر المحجلين ، وخاتم النبيين وشفيع المذنبين ورحمة للعالمين .. وكلها صفات كريمة تختص بسيرته الجميلة ، ونعوت ومحاسن ، وميزات وخصائص رفع الله بها ذكره ، وأعلى بها شأنه كأنه ” حجر الزاوية ” في هذا البناء النبوي الجميل ، الواسع السامق الذرى ، الذي يبدأ من جدنا سيدنا آدم عليه السلام إلى سيدنا ومولانا محمد صلى الله عليه وسلم ، وقد جاء هذا الوصف الدقيق في أولى صحائف حديث كتبت في أواسط القرن الأول للهجرة ، لا بعد قرنين من الزمن أو ثلاثة قرون كما يوهم به بعض من لا علم عندهم ولا ضمير ، ولا حياء يزينهم ولا عقل ، وكانت من الصحائف الأولى التي بنيت عليها الصحاح فيما بعد ، فقد جاء في صحيفة همام بن منبه تلميذ أبي هريرة رضي الله عنه وهو الحديث الثاني في هذه الوثيقة الهامة …. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل ابتنى بيوتاً ، فأحسنها وأجملها وأكملها إلا موضع لبنة من زاوية من زواياها ، فجعل الناس يطوفون ، ويعجبهم البنيان ، فيقولون : ألا وضعت هاهنا لبنة فتم بناؤه ، فقال محمد صلى الله عليه وسلم : فأنا اللبنة ” [1] .

أما الحديث الأول في هذه المجموعة الهامة هو كالتالي : نحن الآخرون السابقون يوم القيامة ، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا ، وأوتيناه من بعدهم …. إلخ [2] ، وبشر لسان النبوة هذه الأمة فقال : مثل أمتي مثل المطر لا يدرى أوله خير أم آخره [3] ، وجاء وصف هذا المنصب الكبير ، منصب النبوة ومسؤليتها الكبرى في موضع آخر فقال صلى الله عليه وسلم : مثلي كمثل رجل استوقد ناراً ، فلما أضاءت ما حولها جعل الفراش وهذه الدواب التي في النار يقعن فيها ، وجعل يحجزهن ويغلبنه فيتقحمن فيها ، قال : فذالكم مثلي ومثلكم ، أنا آخذ بحجزكم عن النار ! هلم عن النار ، هلم عن النار ، فتغلبوني وتقمحون فيها [4] .

هذا النبي العظيم يمتاز بثلاث خصائص كبرى لا يدانيه فيها أحد ، الخصيصة الأولى : كتاب الله ، والثانية : سنته صلى الله عليه وسلم ، والثالثة : حفظ أمته صلى الله عليه وسلم عن الضلال العام والفساد الشامل ، ووجود طائفة قائمة بالحق لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة .

أما الأولى فهو الكتاب الذي حفظه الله من التحريف والتغيير ، ومن الضياع والنسيان ، ومن اختلاف في المحكمات والبينات ، فقال تعالى : ( إِنَّا نَحنُ نَزَّلنَا الذِّكرَ وَإِنَّا لَه لَحَافِظُونَ ) [ الحجر : 9 ] ، وقال ( إِنَّ عَلَينَا جَمعَه وَقُرأنَه فَإِذَا قَرَأنَاهُ فَاتّبِع قُرأنَه ثُمَّ إِنَّ عَلَينَا بَيَانَه ) [ القيامة : 17 – 19 ] ، ثم تحدى الجن والإنس قائلاً : ( قُل لَئِن اجتَمَعَتِ الإنسُ والجِنُّ عَلَى أَن يَأتُوا بِمِثلِ هَذا القُرآنِ لا يَأتُونَ بِمثلِه ) [ بني إسرائيل : 88 ] ، وقد تحققت المعجزة وظهر الحق كفلق الصبح .. وثبت من آياته وتنبوءاته وعلومه ودقائق أسراره أنه ليس من كلام البشر … ولا من كلام نبي أمي … قد حاول المستشرقون أن يقدموا لقاء النبي بالراهب بُحيرى كدليل على أنه صلى الله عليه وسلم تلقى هذه العلوم من الراهب النصراني … فصارت جهودهم هباءً منثوراً ، ولم يستجب لها العقل في أي لمحة من لمحات التاريخ ، واقرأ أخيراً دعاء النبي صلى الله عليه وسلم حيث يقول : ” اللهم آنس وحشتي في قبري ، اللهم ارحمني بالقرآن العظيم ، واجعله لي إماماً ونوراً وهدىً ورحمةً ، اللهم ذكِّرني منه ما نسيت وعلِّمني منه ما جهلت ، وارزقني تلاوته آناء

[1] صحيفة همام بن منبه ، ص 96 ، طبع كراتشي ، باكستان .

[2] نفس المصدر .

[3] الترمذي : أبواب الأمثال ، باب مثل أمتي مثل المطر .

[4] مسلم : كتاب الفضائل : باب شفقته على أمته ، ومبالغته في تحذيرهم مما يضرهم .