الزمخشري وتأبيد ” لن ” دراسة نقدية تحليلية

من أبعاد التواصل في الآداب العالمية :
فبراير 7, 2023
ابن الفارض في ضوء ديوانه
فبراير 7, 2023
من أبعاد التواصل في الآداب العالمية :
فبراير 7, 2023
ابن الفارض في ضوء ديوانه
فبراير 7, 2023

دراسات وأبحاث :

الزمخشري وتأبيد ” لن ” دراسة نقدية تحليلية

الباحث لقمان أحمد يعقوب *

المقدمة :

الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً ، ولم يكن له شريك في الملك ، ولم يكن له ولي من الذل ، أحمده حمداً كثيراً ، كما ينبغي لجلال وجهه ، وعظيم سلطانه .

وأصلي وأسلم على من أرسله ربه للأنام رحمةً ، وبشيراً ، ونذيراً ، وداعياً إلى الله بإذنه ، وسراجاً منيراً ، وعلى آله أهل الفضل والكرم ، وأصحابه أصحاب التقى ، ومن سلك مسلكهم إلى يوم الدين وبعد :

فإن الزمخشري هو أبو القاسم محمود بن عمر بن محمد بن عمر الخوارزمي الزمخشري النحويّ اللغويّ المفسّر المعتزليّ ، من أهل خوارزم ، وزمخشر إحدى قراها .

ويقال له : جار الله ، لأنه سافر إلى مكة ، ومكث فيها زماناً ، ولازم بيت الله الحرام ، ولهذا لقب بجار الله .

ومن مؤلفاته : الكشاف في تفسير القرآن العزيز ، لم يصنف قبله مثله ، والمفرد والمركب في العربية ، والفائق في تفسير الحديث ، وأساس البلاغة في اللغة ، والمفصل في النحو ، والأنموذج في النحو ، وغيرها من المؤلفات النفيسة .

مع ما ثبت في الإمام الزمخشري من عقيدة الاعتزال ، فلا يمنعنا ذلك الإنصافَ في شخصيته ، وأنه بلا شك علم من أعلام اللغة ، وجبل من جبال النحو والتفسير ، ومؤلفاته شاهدة على ذلك ، بل لا يداني تفسيره أي تفسير من ناحية البلاغة ، لولا ما فيه من هذه العقيدة [1] ، وهذا كثير في علمائنا ، مثل أبي الفتح ابن جني الذي هو جبل شامخ في اللغة ، وفي النحو والصرف ، ولا يمكن التخصص في هذه العلوم دون تتلمُذٍ على   يده ، وكذلك أستاذه أبو علي الفارسي ثبتتْ له عقيدةُ الاعتزال ، ومع ذلك فلا بد من الإنصاف فيهم ، وإظهار ما قدموا لخدمة هذه اللغة الباقية ببقاء القرآن والإسلام .

المطلب الأول : حرف ” لن ” أصلها وعملها :

حرف ( لن ) من الحروف الأصلية الداخلة على الفعل المضارع ، فتنصبه بنفسها ، دون إضمار ( أن ) ، وأخواتها في هذا العمل هي ( أن ، إذن ، كي ) [2] .

عملها : و ( لن ) تفيد نفياً في الاستقبال [3] ، ويطلق عليها نفي       ( سيفعل ، أو سوف يفعل ) [4] ، ومن أمثلة دخول ” لن ” على الفعل المضارع قوله تعالى : ( إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ ٱلأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ ٱلْجِبَالَ طُولاً ) ( الإسراء : 37 ) ، قوله تعالى : ( وَلَنْ تَرْضَىٰ عَنكَ ٱلْيَهُودُ وَلاَ ٱلنَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ) ( البقرة : 120 ) ، وفي الحديث قال عليه السلام : ” إنك لن تنفقَ نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرتَ عليها ، حتى ما تجعل في فم امرأتك ” [5] .

إذا دخلت ” لن ” على الفعل المضارع الصحيح الآخر ، فإنها تنصبه بالفتحة الظاهرة ، نحو : لن يجلسَ ، ولن يأكلَ .

وإذا كان المضارع معتل الآخر ، لا يخلو من أن يكون معتلاً بالألف ، أو الياء أو الواو ، فإذا كان معتلاً بالياء أو الواو فإنه تظهر عليها الفتحة ، نحو : لن يرميَ ، ولن يقضيَ ، ولن يدعوَ ، ولن يخلوَ ، وإذا كان الفعل المضارع معتلاً بالألف فإنه تقدر فيها الفتحة تعذراً ، نحو : لن أخشى ، ولن أسعى ، وكما في قوله : ( وَلَنْ تَرْضَىٰ عَنكَ ٱلْيَهُودُ وَلاَ ٱلنَّصَارَىٰ ) .

وأما إذا كان الفعل المضارع من الأمثلة الخمسة التي هي كل فعل مضارع اتصل بآخره ألف الاثنين أو واو الجماعة ، أو ياء المخاطبة ، وصورتها ؛ ( يفعلان تفعلان ، يفعلون تفعلون ، وتفعلين ) فإنها تنصب بحذف النون ، كما تجزم بذلك ، كما في قوله تعالى : ( فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ ) ( البقرة : 24 ) ، وقوله : ( إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيْئاً ) ( آل عمران : 176 ) .

أصلها :  وقد جرى الخلاف بين سيبويه وشيخه في أصل ” لن ” ، فذهب الخليل إلى أنها مركبة من كلمتين ؛ وأصلها ” لا أن ” فحذفوا الهمزة من ( أن ) تخفيفاً ، فالتقت بعد ذلك النون الساكنة مع ألف ( لا ) الساكنة ، ثم حذفوا ألف ( لا ) ، فصار بعد الحذف والامتزاج ( لن ) لكثرة الاستعمال [6] ، وزعم أن شبيه ذلك في الحذف وفي كثرة الاستعمال ويلمه يريدون وي لأمه ، ويومئذٍ ، وجعلت بمنزلة حرفٍ واحد ، وهلا بمنزلة حرف واحد ، فإنما هي هل ولا [7] ، وذهب ابن مالك إلى أن هذا هو رأي الكسائي في المسألة [8] .

وذهب سيبويه إلى أنها بسيطة ، وليست مركبةً من كلمتين كما زعم ذلك شيخه ، وقال : ” وأما غيره فزعم أنه ليس في لن زيادةً ، وليست من كلمتين ولكنّها بمنزلة شيئ على حرفين ليست فيه زيادة ، وأنها في حروف النصب بمنزلة ” لم ” في حروف الجزم ، في أنه ليس واحد من الحرفين زائداً . ولو كانت على ما يقول الخليل لما قلت : أما زيداً فلن أضرب لأن هذا اسم ، والفعل صلة فكأنه قال : أما زيداً فلا الضرب له ” [9] .

والمعروف أن ما بعد ” أن ” لا يعمل في ما قبلها ، ولو سلمنا لما قاله الخليل لأدى ذلك إلى إعمال ما بعد ” أن ” فيما قبلها ، كما في المثال الذي أتى به سيبويه [10] .

وقد روى ابن يعيش وابن مالك حكايةً عن ابن كيسان عن الفراء أنه رأى أن الأصل في ” لن ” هو ” لا ” ، فقلبت ألفها نوناً ، ونفي بها المستقبل ، كما أن أصل ” لم ” عنده ” لا ” ، فقلبت ألفها ميماً ، ونفي بها عن الماضي [11] .

والذي يترجح في المسألة رأي سيبويه ، وهو اختيار كثير من النحويين [12] ، ومن أدلة ترجيح رأي سيبويه قولك : زيداً لن أضربَ ، ولو كان أصلها ( لا أن ) ثم أجري عليها الحذف والدمج لما جاز تقديم معمول فعلها عليها كما في المثال السابق ، لأنّ ” أنْ ” في ” لا أن ” وما بعدها في تأويل المصدر ، فلا يجوز أن يتقدم عليه ما كان في حيّزه [13] .

المطلب الثاني : ما قيل في الزمخشري من تأبيد ” لن ” :

رأى جمهور النحويين أن ” لن ” تدخل في الفعل المضارع ، وتفيد فيه نفي المستقبل ، أو نفي ( سيفعل أو سوف يفعل ) [14] ، ولهذا لا يجوز الجمع بين السين أو سوف مع لن ، فلا يقال : لن سيفعل ، أو لن سوف يفعل ؛ لاستغناء ما في ” لن ” من معنى الاستقبال عن إعادة سوف والسين من معنى الاستقبال [15] ، كما لا يجوز ( سوف لن يفعل ) ، بل عدّ ذلك الحريري من أوهام الخواص ، ونصه : ” ومن أقبح أوهام جمهرة من كتاب العصر قولهم : سوف لن أفعل ذلك ، وسوف لا أفعل ذلك ، فيفصلون بين سوف والفعل بـ لا ولن وسواهما ، وهذا مالا تجيزه اللغة ، ذلك أن السين وسوف حرفان يختصان بالمضارع ويمحضانه للاستقبال ، ولا يجوز أن يفصل بينهما وبين الفعل فاصل ، فإذا أردت الحال قلت : أنا أسافر ، وإذا أردت الاستقبال قلت : أنا سأسافر ، أو سوف أسافر ، وإذا أردت النفي قلت : لن أسافر غداً ” [16] .

ونسب ابن مالك للزمخشري أنه ذهب إلى أن ” لن ” تفيد نفي  المؤبد [17] ، وأن الفعل الذي يقع بعدها لا يحصل أبداً ، وتبع ابنَ مالك في ذلك كثيرٌ من شراح الألفية ، من أبي حيان [18] ، والمرادي [19] ، وابن هشام [20] ، والأشموني [21] ، وغيرهم [22] ، وهذا نص ابن مالك في شرح التسهيل :           ” وذكر الزمخشري في أنموذجه أن لن لنفي التأبيد ، قال الشيخ رحمه الله : وحامله على ذلك اعتقاده أن الله تعالى لا يرى ، وهو اعتقاد باطل ، لصحة ثبوت الرؤية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . واستدل على عدم اختصاصها بالتأييد بمجيئ استقبال المنفي بها مغيا إلى غاية ينتهي بانتهائها ، كما في قوله تعالى : ” ( قَالُواْ لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّىٰ يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَىٰ ) وهو واضح ” [23] .

وقال في شرح الكافية الشافية : ” ثم أشرت إلى ضعف قول من رأى تأبيد النفي بـ ” لن ” ، وهو الزمخشري في ” أنموذجه ” ، وحامله على ذلك اعتقاده أن الله تعالى لا يرى ، وهو اعتقاد باطل بصحة ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعني ثبوت الرؤية [24] .

ولو افترض أن الزمخشري قال بهذا القول فلا شك أنه غير سليم ، لأنه لو دلت على نفي المؤدب لَما جاز أن يذكر بعدها ما يدل على انتهاء الغاية ، لـِمَـا في ذلك من انتهاء عمل ” لن ” بانتهاء الغاية [25] ، ومن الشواهد التي تنقض هذا الرأي قوله تعالى : ( وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً ) ( البقرة : 95 ) ، وقوله : ( فَلَنْ أُكَلِّمَ ٱلْيَوْمَ إِنسِيّاً ) ( مريم : 26 ) ، ولو كان يقتضي تأبيد النفي كما قيل ، لما ذُكر معه في الآيتين لفظا ( أبد ) ، و ( اليوم ) [26] .

ومن الشواهد أيضاً قوله تعالى : ( لَنْ تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ )  ( آل عمران : 92 ) ، ومفهوم الآية ؛ أنهم إذا أنفقوا ما يحبون من الأموال ، ينتهي هذا النفي ، وينالون البر إن شاء الله [27] .

وظاهر كلام ابن يعيش أن إفادة ” لن ” للتأبيد محمول على القرينة ، وقال في قوله تعالى : ( لَن تَرانِي ) أن ذلك لا ينفي رؤية الله الآخرة [28] .

المطلب الثالث : نقد ما قيل في الزمخشري من تأبيد ” لن ” وتحليله :

سبق في المطلب السابق أن ابن مالك وكثيراً من شراح الألفية نسبوا إلى جار الله الزمخشري القولَ بإفادة ” لن ” نفي التأبيد ، وقد سبق أن ذكر الباحث أنه لو اُفتُرضتْ صحة ما نسبوه للزمخشري فلا شك أنه غير مسلم له ، لكن هنا أراد الباحث نقد ما نسب إليه في هذه المسألة ، وتفاصيل ذلك فيما يأتي :

السؤالات الواردة :

هل قال الزمخشري بتأبيد النفي بـ ” لن ” ؟

وهل يمكن أن تفيد ” لن ” نفي التأبيد ، ونفي التأكيد قط ؟

ولو افترضت صحة ما نسب إليه ، هل هو وحده قال بهذا القول ؟

أحاول قدر المستطاع الإجابة على هذه السؤالات .

الجواب الأول : سأترك الزمخشري يجيب على هذا السؤال ، الذي هو : هل قال الزمخشري بتأبيد النفي بـ ” لن ” ؟ يقول في تفسير الكشاف : ” فإن قلت : ما معنى لَنْ ؟ قلت : تأكيد النفي الذي تعطيه ” لا ” وذلك أن ” لا ” تنفى المستقبل . تقول : لا أفعل غداً ، فإذا أكدت نفيها قلت : لن أفعل غداً . والمعنى : أنّ فعله ينافي حالي ، كقوله لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ فقوله لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ نفى للرؤية فيما يستقبل . ولن تراني تأكيد وبيان ، لأنّ المنفي مناف لصفاته ” [29] .

وقال في موضع آخر في تفسير سورة الكافرون : ” لا أَعْبُدُ أريدت به العبادة فيما يستقبل ، لأن ” لا ” لا تدخل إلا على مضارع في معنى الاستقبال ، كما أن ” ما ” لا تدخل إلا على مضارع في معنى الحال ، ألا ترى أن ” لن ” تأكيد فيما تنفيه ” لا ” ” [30] .

يتضح في نصه الأول أن إقرار الزمخشري بمذهب الاعتزال ليس في ” لن ” فحسب ، حتى في ” لا ” ، وذلك من قوله : ” لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ ” فقال : للرؤية فيما يستقبل ” ، ولم يقل بتأبيد ” لن ” هنا ، لا في تفسير البقرة ، ولا في تفسير الكافرين ، ودلّ ذلك على نفي ما نسب إليه من تأبيد ” لن ” .

وقال في المفصل : ” ولم لتأكيد ما تعطيه لا من نفي المستقبل تقول : لا أبرح اليوم مكاني فإذا أكدت وشددت قلت لن أبرح اليوم مكاني قال الله تعالى : ( لاۤ أَبْرَحُ حَتَّىٰ أَبْلُغَ مَجْمَعَ ٱلْبَحْرَيْنِ ) ، وقال تعالى :     ( فَلَنْ أَبْرَحَ ٱلأَرْضَ حَتَّىٰ يَأْذَنَ لِيۤ أَبِيۤ ) [31] .

وهذا المفصل هنا نفي ما نسب إليه أيضاً في إفادة ” لن ” نفي التأبيد ، ولم يقل أحد من العلماء بتصحيف هذه الكلمة في هذين الكتابين من التأبيد إلى التأكيد ، وبهذا نعترض على ما نسب إليه .

الآن بقي كتاب واحد له أُورد فيه هذا الرأي ، وهو وجه الإشكال ، لكن تحليل ذلك ونقده فيما يأتي :

سبق أن أشرت إلى أن ابن مالك أول من أثبت هذا الرأي للزمخشري ، وأنه قاله في كتابه ( الأنموذج في النحو ) ، لكن بعد العودة إلى نسخة كتابه ، خاصةً بتحقيق سامي بن محمد المنصور ، يتضح خطأ ما نسب إليه ، وإنما أثبتوه له تصحيفاً ، قال ابن مالك :        ” وذكر الزمخشري في أنموذجه أن لن لنفي التأبيد ” [32] ، هذا تصحيف ، والثابت في الأنموذج هو قوله : ” ” ولن ” نظيرة ” لا ” في نفي المستقبل ، ولكن على التأبيد ” [33] .

وقد تفطن بعض النحويين إلى هذا ، ولم يوافق ابن مالك على هذه النسبة ، ومن هؤلاء العلماء ناظر الجيش ، حيث قال : ” ونقل المصنف عن الزمخشري أنه ذكر في أنموذجه أنها لتأبيد النفي ، وإنما ذكر المصنف الأنموذج ؛ لأن الزمخشري قال في الكشاف عند الكلام على قوله تعالى : ( فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا ) : ” إن ” لا ” و ” لن ” في نفي المستقبل أختان ، إلا أن في ” لن ” توكيداً وتشديداً ” . ولم يتعرض لذكر التأبيد ، فكأن الزمخشري له في المسألة قولان ” [34] .

ومما يدل على عدم صحة ما نسب إليه ، أن ابن يعيش لم يتعرض لهذا في شرح المفصل للزمخشري ، وإنما رأى دلالة ” لن ” على نفي المؤبد تكون بالقرينة [35] ، ولم ينقل عن الزمخشري بأنه قال بذلك ، ولو ثبت في الأنموذج – ولم يكن تصحيفاً من تأبيد إلى تأكيد – كم نسب إليه ، لنقله عنه ابن يعيش وشراح كتبه .

وسئل مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية عن المسألة ، فأجاب : ” الفتوى ( 360 )  : ماذا تفيد ” لن ” ؟ سؤال من سليمان :

السلام عليكم ورحمة الله تعالى و بركاته ، أشكركم جزيل الشكر على الفوائد الرائعة التي يقدمها أعضاء المجمع . و لي سؤال يستوقفني كثيراً حول ” لن ” ، فلقد ذكر جملة من النحويين أن ” لن ” عند الزمخشري تفيد التأييد ، لكن أين ورد قول للزمخشري يفيد هذا الأمر . بارك الله فيكم ، وجزاكم الله عنا خيراً . ( الفتوى 360 ) : من رأي الزمخشري أن ” لن ” لتأكيد نفي المستقبل ، على حين ” لا ” لنفيه دون تأكيد قال في المفصل : ” تقول : لا أبرح اليوم مكاني ؛ فإذا أكدت وشددت قلت : لن أبرح اليوم مكاني ” .

وقال في الكشاف : ” إن قلت : فما معنى ” لن ” ؟ قلت : تأكيد النفي الذي تعطيه ” لا ” ؛ وذلك أن ” لا ” تنفي المستقبل ، تقول : لا أفعل غداً ، فإذا أكدت نفيها قلت : لن أفعل غداً ” .

وقد ورد في بعض نُسَخ كتاب ” الأنموذج في النحو ” للزمخشري :  ” تأبيد النفي ” . بدلاً من ” تأكيد النفي ” . ويبدو أنه تصحيف ؛ لأن التأبيد هو المناسب لمذهبه في الرؤية ، والنحويون يخالفونه في ذلك ، فيذكرون أن ( لا ) عامة في النفي ، و ( لن ) لنفي المستقبل خاصةً ، وليست لتأكيده ولا تأبيده ، والأدلة على صواب مذهب النحويين وافرة . ومع ذلك لا يمتنع فهم التأبيد متى أعان عليه سياق الكلام . والذي يُرجّح دلالةَ التأبيد أن ابنَ يعيش ، شارح المفصل ، نص على فهم المُصطلَح  ، قائلاً : ” اعلم أن ” لن ” معناها النفي ، وهي موضوعة لنفي المستقبل ، وهي أبلغ في نفيه من ” لا ” ، لأن ” لا ” تنفي ” يفعل ” إذا أريد به المستقبل ، و ” لن ” تنفي فعلاً مستقبلاً قد دخل عليه السين وسوف ، وتقع جواباً لقول القائل : سيقوم زيد ، وسوف يقوم زيد . والسين وسوف تفيدان التنفيس في الزمان ، ” فلذلك يقع نفيه على التأبيد وطول المدة ” .

والله أعلم .

اللجنة المعنية بالفتوى : أ . د . مـحمـد جـمال صقر  ( عضو المجمع ) .

د . عبد الله الأنصاري ( عضو المجمع )

أ . د . عبد الرحمن بودرع . ( نائب رئيس المجمع )

وقولهم بوقوع تصحيف ( التأبيد ) إلى ( التأكيد ) في كتاب أنموذج ليس بسديد ، لورود ما يخالف ذلك في كتبه الأخرى ، وينبغي أن يحمل المشبه على الواضح ، لأن الواضح في كتاب المفصل ، وتفسير الكشاف ، أن ” لن ” تفيد تأكيد النفي ، وأما ما في ( الأنموذج ) فاختلف فيه العلماء ، منهم من قال حصل فيه التصحيف من ( التأبيد ) إلى ( التأكيد ) ، ومنهم من قال : حصل التصحيف من ( التأكيد ) إلى  ( التأبيد ) ، وإذا كان الأمر كذلك فلا بد من البحث عن كلامه الآخر ، وبعد الرجوع إلى جميع مؤلفات الزمخشري ، وجدنا فيها تأكيد النفي ، وهذا يدل على صحة من قال بتصحيف ( التأكيد ) إلى ( التأبيد ) ، ولهذا لم يثبت ناظر الجيش هذا الكلام للزمخشري ، لما ظهر له خلاف ما نسب إليه ابن مالك ، وغيره .

وبهذا قد أجبت عن السؤال الأول الذي هو : هل قال الزمخشري بتأبيد نفي ” لن ” ؟ والجواب : لا .

السؤال الثاني : هل يمكن أن تفيد ” لن ” نفي التأبيد ، ونفي التأكيد قط ؟

لا أعتقد أن أحداً قال بمنع إفادة ” لن ” نفي التأبيد على الإطلاق ، خاصةً إذا دلت على ذلك القرينة ، أو الدلالة الخارجية ، وإنما الإشكال القول بإفادتها التأبيد في كل وقت ، وفي كل استعمال ، ولا أعتقد أن أحداً قال بهذا أيضاً غير ما نسب لفرقة المعتزلة ، وبهذا قال ابن يعيش ، وغيره ، وهذا قوله : ” اعلم أن ” لن ” معناها النفي ، وهي موضوعة لنفي المستقبل ، وهي أبلغ في نفيه من ” لا ” ؛ لأن ” لا ” تنفي ” يفعل ” إذا أريد به المستقبل ، و ” لن ” تنفي فعلاً مستقبلاً قد دخل عليه السين وسوف ، وتقع جواباً لقول القائل : ” سيقوم زيد ” ، و ” سوف يقوم زيد ” . والسين وسوف تفيدان التنفيس في الزمان ، فلذلك يقع نفيه على التأبيد وطول المدة ، نحو قوله تعالى : ( وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ) إلى قوله : ” فذكر الأبد بعد ” لَن ” تأكيداً لِما تُعطيه ” لَنْ ” من النفى الأبَدي . ومنه قوله تعالى :   ( لَنْ تَرَانِي ) ، ولم يلزم منه عدم الرؤية في الآخرة ؛ لأن المراد أنّك لن تراني في الدنيا ، لأن السؤال وقع في الدنيا ، والنفيُ على حسب الإثبات ” [36] . وهذا اختيار السيوطي ، وأن إفادة التأبيد في دلالة خارجية ، وليست في   ” لن ” فقط [37] .

هذا جواب في دلالة ” لن ” لتأبيد النفي ، وأن ذلك يكون بالقرينة ، أو الدلالة الخارجية ، وهل تفيد تأكيد النفي ؟ الجواب : نعم ، وبهذا قال كثير من النحويين ، قال الصبان في حاشيته على شرح الأشموني :          ” وافقه على التأكيد كثيرون ” [38] ، وهذا اختيار السيوطي ، ونسبه لابن الخباز ، ووصف من خالف في هذا بالمكابرة ، ونصه : ” وَوَافَقَهُ على إِفَادَة التَّأْكِيد جمَاعَة مِنْهُم ابْن الخباز ، بل قَالَ بَعضهم إِن مَنعه مُكَابَرَة فَلِذَا اخترته دون التَّأْبِيد ” [39] ، وهو اختيار صاحب حماة في ( الكناش ) [40] وابن الأثير في البديع [41] ، والحازمي في شرح ألفية ابن مالك [42] .

وبهذا يتضح أن دلالة ” لن ” لتأبيد دلالة خارجية ، وليست في ” لن ” وحدها ، وأنه ليس الزمخشري وحده من قال بإفادة تأكيد ” لن ” .

الخاتمة ، وأهم ما توصلت إليه في المسألة :

الحمد لله رب العالمين ، القهار المنان ، الذي يمنّ على عباده الصالحين برؤيته يوم القيام ، حيث قال : ( لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ )      ( يونس : 26 ) ، قال ابن كثير : ” وزيادة على ذلك أيضاً ، ويشمل ما يعطيهم الله في الجنان من القصور والحور والرضا عنهم ، وما أخفاه لهم من قرة أعين وأفضل من ذلك وأعلاه النظر إلى وجهه الكريم فإنه زيادة أعظم من جميع ما أعطوه لا يستحقونها بعملهم ، بل بفضله ورحمته ، وقد روي تفسير الزيادة بالنظر إلى وجهه الكريم عن أبي بكر الصديق وحذيفة بن اليمان وعبد الله بن عباس وسعيد بن المسيب وعبد الرحمن بن أبي ليلى وعبد الرحمن بن سابط ومجاهد وعكرمة وعامر بن سعد وعطاء والضحاك والحسن وقتادة والسدي ومحمد بن إسحاق وغيرهم من السلف والخلف ” [43] ، اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك ، وعظيم سلطانك .

والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على من بعثه ربه بشيراً ونذيراً ، القائل في شأن أهل الجنة : ” والذي نفسي بيده ، ما أعطاهم شيئاً هو أحبَّ إليهم ولا أقرَّ لأعينهم من النظر إلى وجه الله تبارك وتعالى ” ( أخرجه الدارمي في الرد على الجهمية ، ص 10 ) ، وعلى آله الطاهرين الطيبين ، وأصحابه الغر الميامين ، وسلم تسليماً كثيراً ، أما بعد :

فإن هذه جولة علمية بحثية تحل مشكلة ما نسب لعالم من علماء النحو والصرف واللغة ، ألا وهو جار الله الزمخشري ، وقد حاولت أن أدرس هذا البحث دراسةً نقديةً تحليليةً ، وقد توصلت إلى أهم النتائج ، وهي كما يأتي :

  • الإقرار بأن الزمخشري لم يقل بتأبيد ” لن ” ، وما في كتبه خلاف لما نسب إليه .
  • أن الإقرار بمذهبه الاعتزالي ليس في تأبيد ” لن ” ، بل ذكر ذلك حتى في ” لا ” ، كما سبق بيان ذلك في قوله تعالى : ( لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَارُ ) .
  • أن ” لن ” قد تفيد تأبيد النفي ، لكن مع الدلالة الخارجية ، أو السياقية ، أو القرينة .
  • أن ابن مالك أول من نسب هذا القول للزمخشري ، وتبعه في ذلك جلّ شراح الألفية .
  • أن دلالة ” لن ” للنفي ، آكد من دلالة ” لا ” للنفي .
  • أن المسألة الـمُشْبِهة تُحمَل على المسألة الواضحة ، حيث إن ما في الأنموذج للزمخشري مشبه ، ولا بد أن يحمل على الواضح في الكشاف ، والمفصل ، وغيرهما من كتبه .
  • أن دلالة ” لن ” على تأكيد النفي ليس الزمخشري وحده من قال بها ، بل قالها كثير من النحويين ، المتقدمين والمحققين المعاصرين .
  • الإقرار بمذهب المعتزلة ، وبأن الله سبحانه وتعالى لا يرى يوم القيامة باطل ، وقد أثبت القرآن الكريم والسنة النبوية ذلك في مواضع عديدة ، خاصةً في السنة كما تقدم .
  • أن ما حمل العلماء على هذا القول فيه هو ما ثبت في عقيدة الاعتزال بأن الله لا يرى يوم القيامة ، وأن الزمخشري ثبتت فيه هذه العقيدة .
  • أن في كتابه ( الأنموذج في النحو ) تصحيفاً ، حيث صحّف لفظ التأكيد إلى التأبيد .

وفي الختام ، إنما هذا العمل محاولة بسيطة لإزالة الشبهة عما نسب للزمخشري في عمل ” لن ” ، وهو بريئ منه ، وهذا لا يعني الإقرار بمذهب المعتزلة ، بل لدفع ولإزالة ما نسب إليه مما لم يقل به ، وما أريد إلا الإصلاح ما استطعت ، وما توفيقي إلا بالله ، عليه توكلت ، وإليه أنيب ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

وصل اللهم وسلم على خير خلقه ، نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله ، وصحبه ، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم القيامة ، وسلم تسليماً .


* نزيل المدينة المنورة ، المملكة العربية السعودية .

[1] ينبغي لمن قرأ تفسير الكشاف للزمخشري أن ينتبه له ، لما في ذلك من بث عقيدة الاعتزال ، من نفي رؤية الله ، وخلق بالقرآن ، وغير ذلك ، ولذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية الحراني :     ” وأما الزمخشري فتفسيره محشوّ بالبدعة وعلى طريقة المعتزلة من إنكار الصفات ،  والرؤية ، والقول بخلق القرآن … ” إلى آخر ما ذكر . ينظر : مجموع الفتاوى ، 13/386 .

[2] ينظر : شرح كتاب سيبويه ، 3/189 ، وعلل النحو ، ص 190 ، وأسرار العربية ، ص   50 ، والمقدمة الجزولية في النحو ، ص 34 – 35 ، وشرح المفصل ، 4/224 ، وقال سيبويه : ” اعلم أن هذه الأفعال لها حروف تعمل فيها فتنصبها لا تعمل في الأسماء ، كما أن حروف الأسماء التي تنصبها لا تعمل في الأفعال ، وهي : أن ، وذلك قولك : أريد أن تفعل . وكي ، وذلك جئتك لكي تفعل . ولن ” ، الكتاب ، 3/5 .

[3] ينظر : شرح المفصل ، 5/37 ، وشرح التسهيل ، 4/14 ، وشرح ابن الناظم ، ص 474 ، وارتشاف الضرب ، 4/1643 ، وهمع الهوامع ، 2/365 .

[4] ينظر : المقتضب ، 2/6 ، والمقدمة الجزولية ، ص 39 ، وتمهيد القواعد ، 7/3522 .

[5] أخرج هذا الحديث البخاري في صحيحه ، من حديث سعد بن أبي وقاص ، رقم الحديث 56 ، ينظر : صحيح البخاري ، 1/20 .

[6] ينظر : سر الصناعة 1/314 ، وأسرار العربية ، ص 233 ، ونتائج الفكر في النحو ،    ص 100 .

[7] ينظر : الكتاب ، 3/5 ، والتعليقة على كتاب سيبويه ، 2/126 .

[8] ينظر : شرح التسهيل ، 4/15 ، والجنى الداني في حروف المعاني ، ص 271 .

[9] الكتاب ، 3/5 .

[10] ينظر : أسرار العربية ، ص 233 .

[11] ينظر : شرح الفصل ، 5/38 ، وشرح التسهيل ، 4/15 .

[12] ينظر : اللمحة في شرح الملحة ، 1/70 ،  وشرح المقدمة المحسبة ، 1/231 .

[13] ينظر : شرح المفصل ، 4/225 .

[14] ينظر : المقتضب ، 2/6 ، والمقدمة الجزولية ، ص 39 ، وتمهيد القواعد ، 7/3522 .

[15] ينظر : التعليقة على كتاب سيبويه ، 2/127 ، وسر الصناعة ، 1/273 .

[16] درة الغواص في أوهام الخواص ، ص 266 .

[17] ينظر : شرح التسهيل ، 4/14 ، وشرح الكافية الشافية ، 3/1531 .

[18] ينظر : ارتشاف الضرب ، 4/1644 .

[19] ينظر : توضيح المقاصد والمسالك ، 3/1229 ، والجنى الداني ، ص 270 .

[20] ينظر : مغني اللبيب ، ص 374 .

[21] ينظر : شرح الأشموني ، 3/ 178 .

[22] ينظر : حاشية الصبان ، 3/407 .

[23] شرح التسهيل ، 4/14 .

[24] شرح الكافية الشافية ، 3/1531 .

[25] ينظر : اعتراضات الباقولي الأصبهاني على النحويين ، ص 154 .

[26] ينظر : شرح اللمع ، للباقولي ، ص 297 .

[27] ينظر : اعتراضات الباقولي الأصبهاني على النحويين ، ص 154 .

[28] ينظر : شرح المفصل ، 5/37 .

[29] تفسير الكشاف ، 2/153 .

[30] تفسير الكشاف ، 4/808 .

[31] المفصل في صنعة الإعراب ، ص 407 .

[32] شرح التسهيل ، 4/14 .

[33] الأنموذج في النحو ، ص 32 .

[34] تمهيد القواعد ، 8/4132 .

[35] ينظر : شرح المفصل ، 5/37 .

[36] شرح المفصل ، 5/37 – 38 .

[37] ينظر : همع الهوامع ، 2/366 .

[38] حاشية الصبان على شرح الأشموني ، 3/407 .

[39] همع الهوامع ، 2/366 .

[40] ينظر : الكناش في فني النحو والصرف ، 2/148 .

[41] ينظر : البديع في علم العربية ، 1/592 .

[42] ينظر : شرح ألفية ابن مالك ، الدرس 109/10 .

[43] تفسير ابن كثير ، 4/229 .