من علماء الإسلام الموسوعيين أحمد بن قاسم البوني
يوليو 9, 2025الأديب فخر الدين قباوة وجهوده العلميّة
أغسطس 31, 2025رجال من التاريخ :
الأستاذ حبيب الحق الندوي أحد الأعلام الندويين
الأستاذ طلحة نعمت الندوي *
كان الأستاذ الفاضل حبيب الحق الندوي من كبار الأفاضل والمحققين المصنفين الذين قاموا بخدمات جليلة ، للدفاع عن حوزة الدين وخلفوا تراثاً علمياً قيماً .
كان من السلالة الهاشمية الفاطمية ، والأسرة العلمية القديمة من بلدة باره – بسكون الراء الهندية الشديدة والهاء المنفسة – التابعة لمدينة بتنة الشهيرة ، وكان والده الأستاذ منصور الحق من الأفاضل ، كما كانت أسرته أسرةً علميةً ، وكان جده من أمه كذلك من كبار المستفيدين من الشيخ محمد المونكيري مؤسس ندوة العلماء .
وُلد الأستاذ في هذه البلدة ونشأ في كنفه أبويه ورجال أسرته ثم التحق بالمدرسة الإسلامية الشمسية ببتنة بمقربة من وطنه ، وهناك بقي يتعلم عدة سنوات ، ومن بين من استفاد في مدينة بتنة من الأساتذة الشيخ عبد الرشيد الفوقاني النيموي ابن المحدث الشهير ظهير أحسن النيموي ، وقد أجازه بالحديث المسلسل بالأولية التي حصلت له إجازته من والده ، كما ذكر الأستاذ في كتابه ” فكر وفن ” ، وحصل على مبادئ اللغة العربية والعلوم الإسلامية ، ثم سرعان ما التحق بجامعة ندوة العلماء الشهيرة في لكناؤ ، وأصبح في ما بعد يعرف بالنسبة إليها ، عاش الأستاذ في هذه الجامعة يستفيد من علمائها ويتنفس في جوها العلمي ويستنشق منه ، حتى قضى سنوات وأكمل المرحلة العالمية سنة 1949م ، ثم عاد إلى وطنه واشتغل باكتساب الدراسة العصرية والإنجليزية فدخل في جامعة بتنة وبعد دراسة سنتين حصل على شهادة البكالوريس في سنة 1954م ثم حصل على شهادة الماجستير منها سنة 1956م ، ثم انتقل إلى باكستان ، والتحق بجامعة السند بكراتشي ، وحصل منها على شهادة الماجستير في اللغة الإنجليزية سنة 1962م ، ثمّ عين بها أستاذاً محاضراً في قسم اللغة العربية وقضى هناك عدة سنوات ثم توجه إلى الولايات المتحدة حيث التحق بجامعة هارفارد الشهيرة ثم عاد منها ، وخلال إقامته بجامعة كراتشي كان قد بدأ يكتب بحوثاً علميةً حتى أنشأ لها مجمعاً باسم ” أكيدميا ” ، واسمه الكامل ” مؤسسة العلوم الإسلامية والدراسات في آسيا والشرق الأوسط ” ، وحاول تقديم البحوث للناس وإخبارهم بسير الأحداث في العالم الإسلامي وإيقاظ وعيهم وتعبئة شعورهم ، ثم توجه الأستاذ إلى جامعة هافارد ، والتحق بها وحصل على شهادة الماجستير والدكتوراة منها ، مع نشاطه الديني والعلمي هناك ، كما رأس هناك عدة سنوات لمجمع إسلامي ، ومثّل المسلمين في عدة مراكز علمية وجمعيات الأمم والدول ، كما بدأ يكتب هناك مقالات يعرّف أهلها بحقيقة الدين الإسلامي بالإنجليزية ، ثم عاد الأستاذ بعد ست سنوات قضاها هناك ، كما يخبرنا بنفسه [1] إلى جامعة كراتشي ، ويخبرنا كذلك أنه كان قد أنشأ ذلك المجمع العلمي في كراتشي سنة 1964م ، اشتغل الأستاذ هناك أستاذاً ومحاضراً في قسم اللغة العربية إلى نحو 1977م ، وفي نفس السنة دعاه الأستاذ الدكتور السيد سلمان الندوي صديقه الذي كان أستاذاً في جامعة دربن بإفريقيا الجنوبية بقسم الدراسات الإسلامية ، لينشئ هناك قسماً للغات الشرقية العربية والفارسية والأردية ، وبما أنّ الأستاذ الندوي كان خبيراً بهذه اللغات مع قدرته على اللغة الإنجليزية ، فلم يكن أحد أحق بها منه ، فاستجابةً لطلب صديقه غادر جامعة كراتشي إلى جامعة دربن ، وبدأ عمله هناك كمحاضر ، مع نشاطه العلمي وتحمسه في كتابة البحوث العلمية القيمة ، ولم يزل على هذا نشيطاً في أعماله حتى توفي في 9 شوال سنة 1914 الموافق 6 فبراير 1998م وبها دفن .
خدماته :
عاش الأستاذ أستاذاً ومحاضراً في كل من جامعة كراتشي وجامعة السند بمدينة كراتشي وجامعة هارفارد الأمريكية وجامعة دربن بمدينة دربن بجنوب إفريقيا ، ولكنّ جهوده الحقيقية إنما تنحصر في إيقاظ الوعي والشعور في المسلمين تجاه مخططات أعداء الإسلام وقضايا المسلمين في العالم ، وقد زادته جولاته ورحلاته الواسعة في الشرق والغرب وإقامته بالثاني مدة خبرة بهذه الأوضاع ومعرفة بهذه القضايا مع زيادة اليقين بدينه وخلود الرسالة التي جاء بها النبي عليه السلام ، فصرح في كثير من المؤتمرات بأنّ الإسلام هو الحلّ الوحيد ، كما بيّن مؤامرات اليهود والنصارى وكشف عن دسائسهم ، وبرهن بأنّ قول الله تعالى : ( وَلَنْ تَرْضَىٰ عَنكَ ٱلْيَهُودُ وَلاَ ٱلنَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ) حقيقة صادقة يصدقها التاريخ الإسلامي عبر سيره الطويل ، فلا حاجة الآن إلى الاغترار بمكائدهم ، ومعظم مؤلفاته يدور حول هذا الموضوع ، وأهمها وأضخمها قضية فلسطين والمؤامرات الدولية في اللغة الأردية ، وكانت القضية شغله الشاغل ، حتى عُرف بها ، فلما بعثت حكومة باكستان إلى ليبيا وفداً ليشارك هناك في مؤتمر حول القضية اختارته رئيساً له ، كما ذكره هو في الكتاب الآنف الذكر .
ومع ذلك قام بإلقاء المحاضرات في الشريعة الإسلامية في بعض الجامعات من جنوب إفريقيا ، كما شارك في بعض المؤتمرات حول الأحوال الشخصية الإسلامية في بلاد جنوب إفريقيا ، فعرض القانون الإسلامي والأحوال الشخصية للمسلمين بأحسن ما يمكن ، وأقنع الحكومة بالاعتراف به للمسلمين ، وذلك في سنة 1987م ، وشارك كذلك في الندوات الدولية والمؤتمرات العالمية العلمية حول عدة موضوعات علمية وقام بإلقاء بحوث قيمة فيها ، ومثل للإسلام والمسلمين خير تمثيل ، كما كان قد أنشأ خلال إقامته في جامعة هافارد مجلةً إسلاميةً بالإنجليزية ، باسمHarvard Islamic Gazette و Islamic Perspective خلال إقامته في جامعة كراتشي ، ثم لما انتقل سنة 1975م إلى جامعة دربن بجنوب إفريقيا ، قام بنشاطاته هناك ، وأصدر كذلك مجلة بالإنجليزية للمذاكرة حول أوضاع الشرق الأوسط والعالم الإسلامي ، كان اسمها Arabic Studies .
كما قام في الأردية كذلك بإدارة جريدة ” ساتهي ” الأردية الصادرة من كراتشي والجريدة الأسبوعية ” رهنما ” ، وكذلك كان في الهيئة الاستشارية والإدارية لكثير من المجلات العربية والأردية ، وكذا كان يكتب في مجلة الاجتهاد الإنجليزية ، كما أنه عقد كثيراً من المؤتمرات المهمة حول السيرة النبوية والتعليم في جنوب إفريقيا ، وزار البلدان العديدة من الشرق والغرب وشارك في المؤتمرات أو ناقش العلماء هناك حول القضايا الإسلامية ، منها معظم الدول الأوربية من المملكة المتحدة وفرنسا وكندا وأستراليا وأسبانيا وكذا بلدان الشرق الأوسط العربية ، وفي مدينة دربن أنشأ كذلك مؤسسة للدراسة في اللغة العربية والأردية والعلوم الإسلامية .
أما مؤلفات الأستاذ فكما أسلفنا معظمها يدور حول قضايا المسلمين والغرب ، وقد كتب معظمه بالإنجليزية أو الأردية ، وأهم مؤلفاته كما يأتي :
في الأردية له مجموعات مباحث ، منها فكر وفن ، وإسلام كا نظريه أدب ( الأدب في منظور الإسلام ) ، الإسلام والمستشرقون ، هذا بحث طويل علمي له ، فلسطين أور بين الأقوامي سياست ( فلسطين والسياسة الدولية ) ، باكستان مين فروغ عربي ( تطور اللغة العربية في باكستان ) ، وله مجموع مقالات في الشعر والأدب والاجتماع والتاريخ الإسلامي في الأردية باسم ” قرآن كريم كا جمالياتي تصور اور شعري وأدبي نقطه نظر ” ( رؤية الجمال في القرآن الكريم ووجهات أدبية وشعرية مختلفة ) ، وقد شرح الأستاذ في هذا المجموع في عدة مقالات له نشرت في مجلات علمية راقية عن الوجهات المختلفة التي مرّ بها الأدب العربي المعاصر ، وكيف تأثر الأدباء العرب بآراء الغرب ، رغم أنهم كانوا في غنى عنها لثروتهم الأدبية القوية ، وكم كانت الحاجة ماسّةً إلى تقديم الفكرة الإسلامية إلى الغرب ، واستعرض الآراء والوجهات المختلفة لكبار أدباء الغرب في الأدب والجمال والفن ، مما يقدمه لنا كخبير بالتراث الأدبي الغربي والإسلامي معاً ونظراته الواسعة على كلا الأدبين كما نشاهد في شخصيته بهذه المقالات أحد رواد الأدب الإسلامي الذي يعتز بتراثه ويفتخر بأمجاده مثل رجال جامعته جامعة ندوة العلماء التي هي خير ممثلة للأدب الإسلامي البناء في كلتا اللغتين العربية والأردية عبر سيرها الطويل ، وآراء أفاضلها مما لا يخفى على أحد ولا يختلف فيه اثنان ، وذلك يكاد يلمس من أول تاريخها في كتابات أدبائها من أمثال العلامة شبلي النعماني وتلامذته العلامة السيد سليمان الندوي والأستاذ عبدالسلام الندوي والأستاذ معين الدين أحمد الندوي والأستاذ مسعود عالم الندوي والشيخ أبو الحسن علي الحسني الندوي والشيخ عبد السلام القدوائي الندوي ومن جاء بعدهم .
وله كذلك ترجمة من العربية إلى الأردية لكتاب الأستاذ طه إبراهيم في النقد الأدبي باسم أدبي تنقيد كا ارتقاء أي تطور النقد العربي .
وله في العربية ابن الرومي ومعاصروه :
أما في الإنجليزية فقد كتب كثيراً بل معظم كتاباته في تلك اللغة التي كان يجيدها ويتقنها أكثر من غيره من كثير من أفاضل العلوم الإسلامية ، فأشهر كتبه في الإنجليزية كما يأتي :
Bosnia Bleeds While the Muslim World Sleeps
Muslim Russia
Arabic Aesthetics and Poetics
The Holy Prophet of Islam and the Orientalists
Islamic Legal Philosophy and the Quranic Origins of Islamic Law
The Dynamics of Islam
Islamic Resurgent Movements in the Indo-Pak Subcontinent
Fourteen Centuries of Islam
Medical Philosophy in Islam
Problems of Safeguarding Muslim Personal Law No Muslim Minority Countries .
وقد ذكر بنفسه بعض كتبه التي لم تزل في مرحلة الإعداد ، ولا نعلم مصيرها .
A Century of Nadwa
The Genius of Hazrat Maulana Abul Hasan Ali Nadwi
The Dynamics of Islamic Education
Urdu Aesthetics and Poetics
Aesthetics of Allama Iqbal
Islamic Philosophy
Persian Aesthetic and Poetics
Scientific and Technological Advanced of the Muslims in the 21 Century
Ijtihad as the Principle of Islamic Dynamism
Islamic Personal Law in South Africa
The Transformation of Islamisation of Muslim Education
Islamic Prohibition of Narcotics and Gambling
Hermeneutics of the Quran
كما ذكر في بعض كتبه الأخرى الكتب الآتية التي كانت تحت الطبع [2] .
Stolen Legacies [3] .
ذكر فيه ما استفادته أوربا من المسلمين .
كما ذكر من كتبه غير المطبوعة تطور النقد الأدبي في الإنجليزية ، أي مقارنة بين النقد العربي والنقد الغربي ، في ثلاثة مجلدات ، تاريخ الأدب العربي المعاصر ، آثار النقد الأدبي العربي على النقد الأردي ، الفلسفة الجديدة للآداب واللغات ، إسهام اللغة العربية والفارسية والأردية في تطور الثقافة العالمية .
مكانته العلمية :
كان الأستاذ الندوي يملك نظرات واسعةً حول العلوم الإسلامية وتاريخ العالم الإسلامي والفكر الإسلامي والأوضاع الراهنة ، وكان الأدب العربي وعلم الألسنة موضوعه الذي كان قد تخصص فيه ، وذلك ما دفعه إلى الكتابة عن الأدب الإسلامي والمقارنة بين الأدب الإسلامي والأدب الغربي ، وخلف في ذلك تراثاً قيماً في اللغة الإردية .
كان الأستاذ يتقن ثلاث لغات : العربية والفارسية والإنجليزية ، ونفث يراعه في تلك اللغات الثلاث ، كما كان يعرف اللغة الفارسية واللغة الفرنسية ، ولعله كان يعرف اللغة الألمانية كذلك وكان قد تعلم اللغة العبرانية [4] ، ولكنه اختار للتعبير عن آرائه والكتابة اللغتين الأردية لغته الأم والإنجليزية اللغة العالمية ، أما اللغة العربية فلعله كتب فيها مقالاً أو مقالين فحسب ، ولكن مقالاته تدل على أنه كان صاحب نظرة في الأدب العربي والشعر العربي وإعجاز القرآن الكريم كذلك مع نظراته على علوم الغرب ومقارنته لعلوم المسلمين بها .
أخلاقه وورعه :
ومع كلّ ذلك كان الشيخ عالماً ربانياً ذا أخلاق كريمة ومروءة ولين ، وكان يحضر في نهاية عمره أستاذه الشيخ أبي الحسن علي الحسني الندوي وينال منه التربية الروحية ويستفيد منه في التزكية والإحسان .
وقد كتبت مجلة البعث الإسلامي على وفاته :
” نعت الأنباء الواردة من جنوب إفريقيا في الأسبوع الأول من شهر شوال 1318هـ أحد أبناء ندوة العلماء النجباء وهو الدكتور السيد حبيب الحق الندوي أستاذ القسم العربي والعلوم الشرقية بجامعة دربن في إفريقيا الجنوبية ، وقد كان النعي مفاجئاً بعد نوبة قلبية وباعثاً على الدهشة والاستغراب ، ذاك أن السيد حبيب الحق كان دائم الاتصال برجال ندوة العلماء ونشاطاتهم ، فكان يشارك الندوات ويشاطر في أعمال وبرامج رابطة الأدب الإسلامي العالمية ، وكان يعيش معهم ويهتمّ بكلّ ما يرد ويصدر إليه باسم ندوة العلماء وأبنائها النجباء ، وبينما كان التبادل العلمي والفكري والثقافي مستمراً بيننا وبينه ، إذ فوجئنا بهذا النبأ الأليم فإنا لله وإنا إليه راجعون .
لقد كان للفقيد باع طويل في العلوم الإسلامية والمعارف الأدبية والثقافات العصرية ، يشغل جميع أوقاته في الأعمال العلمية والأدبية والبحث عن الجديد الأجد في عالم العلم والثقافة ، ويستفيد من كلّ ما كان يصدر من الأقلام الرفيعة في هذا المجال ، ويضيف بذلك إلى خدماته العلمية والأدبية جوانب ذات أهمية من مستوى عال جداً ، فإذا قمنا باستعراض سريع لبعض أعماله العلمية والثقافية وجدناه حائزاً على درجة ممتازة فيها ، فقد كان عضواً كبيراً في كثير من الجمعيات والمجامع العلمية العالمية ، ومتجولاً في أنحاء العالم المختلفة وجامعاته لإنجاز الأعمال الأكاديمية والتحقيقية ، وله مؤلفات قيمة باللغة العربية والإنجليزية والأردية ، منها ابن الرومي ونقاده ، وفلسفة القانون الإسلامي ، وفلسفة الطب في الإسلام ، الفكر والفن ، نظرية الإسلام نحو الأدب ، الإسلام والمستشرقون وما إلى ذلك من كتب علمية عديدة ، كما كان بارعاً في مجال الترجمة والتعريب .
أمّا المناصب التي شغلها فهي على ما يأتي :
رئيس القسم العربي بجامعة كراتشي ( باكستان )
رئيس الجمعية الإسلامية في جامعة هارفارد وأستاذاً للغات الشرقية فيها
كانت وفاته خسارةً كبيرةً للأوساط العلمية والدينية والثقافية في الهند وخارجها على السواء ، ووقع بذلك فراغ علمي كبير لا يسدّ بسهولة ” [5] .
* استهانوان ، بهار – الهند .
[1] فلسطين ، ص 18 .
[2] في بداية من كتابه فلسطين في الأردية .
[3] ذكر هذه الكتب في مجموع مقالات له بالأردية .
[4] أخبرتني بمعرفته لهذه اللغات ابنته الفاضلة السيدة لبنى أحد الأساتذة في جامعة من إفريقيا الجنوبية .
[5] البعث الإسلامي ، مارس 1998م .