الأديب فخر الدين قباوة وجهوده العلميّة

الأستاذ حبيب الحق الندوي أحد الأعلام الندويين
أغسطس 31, 2025
يناير 4, 2026
الأستاذ حبيب الحق الندوي أحد الأعلام الندويين
أغسطس 31, 2025
يناير 4, 2026

رجال من التاريخ :

الأديب فخر الدين قباوة وجهوده العلميّة

الأخ عبد الوهاب الشكوري *

فخر الدين قباوة بن نجيب ، وجدّه عمر ، ولد عام 1352هـ – 1933م في مدينة حلب من سوريا ، كان أبوه وجده من عامّة الناس ، صاحبي مقهى شعبي في شارع السيد من مدينة حلب [1] .

كانت عند والده مكتبة صغيرة جمع فيها بعض المؤلفات الإسلامية والأدبية منها حاشية ابن عابدين ، وتفسير البيضاوي ورياض الصالحين وجواهر الأدب وتفسير المنامات ، يستفيد من هذه الكتب لبيان بعض الأحكام للإخوة الأقارب ، كما كان يفسّر بعض الآيات والأحاديث والأحلام للأحباب والمعارف ، إلى أن اضطرّ ببيع بعض الكتب لعلاج مرضه الصعب الذي أدّى إلى وفاته – رحمه الله – [2] .

وأما والدته فقد كانت من المسلمات المؤمنات ، وكانت عاميةً ، وتعاني بعض الأمراض المختلفة ، ولكن كانت صابرةً شاكرةً متمسكةً بالأدعية والأذكار .

والبيئة التي قضى فخر الدين طفولته فيها كانت بيئةً ممزوجةً من المسلمين والنصارى . وكان النصارى متأثرين بحياة المسلمين وعاداتهم وأخلاقهم وآدابهم فيقلدونهم في المأكل والمشرب والملبس .

بدأ تعليمه الابتدائي من المسجد حيث تعلم تلاوة القرآن الكريم مع التجويد ، وحفظ من القرآن ما شاء الله أن يحفظ عند أستاذه الشيخ حسين رحمه الله . ثم تلقّى مبادئ الدراسة الابتدائية من القراءة والكتابة والحساب والنحو والصرف .

وبعد ملازمة تلك المساجد الكريمة حضر الاختبارات للمعلومات الأساسية في القراءة والكتابة والنحو والحساب في مدرسة المعارف الابتدائية بحلب ، وقد نجح في هذه الاختبارات ، واستطاع أن يلتحق بالصف الثاني في تلك المدرسة وواصل دراسته وقد حصل فيها على شهادة الابتدائية عام 1944الميلادي [3] .

ثم التحق بكليّة الآداب من جامعة دمشق على نفقة وزارة التربية ، ونال فيها الإجازة في علوم اللغة العربية وآدابها سنة 1958م ومارس التعليم في المدارس الثانوية . ومع هذا فقد تابع الدراسات التربوية والأدبية ، فنال الدبلوم الخاص ( التخصص ) في الإدارة والتفتيش التربوي من كلية التربية بجامعة دمشق ، وشهادة المرحلة التمهيدية للدراسة العليا              ( التخصص ) من كلية الآداب بجامعة القاهرة معاً سنة 1960م ، وأعدّ لنيل درجة الماجستير ( الباحث ) أطروحة ( التفتيش التربوي في البلاد العربية حتى عام 1968م ) بجامعة دمشق ، ولكنه أوفد على نفقة وزارة التربية السورية إلى جامعة القاهرة لنيل درجة الدكتوراة ( العالمية ) فالتحق بها ولم يتابع نيل الماجستير ( الباحث ) من دمشق ، فحصل في الأدب القديم على درجة الماجستير ( الباحث ) سنة1964م ، والدكتوراة   ( العالمية ) سنة 1966م [4] .

أساتذته في الأدب العربي :

تلقى اللغة العربية وآدابها من أشهر أدباء العربية في عصره في سوريا ومصر ، الذين لعبوا دوراً هامّاً في ميدان الأدب والدعوة والفكر والتجديد ، وكانوا من المتخصصين في فنّهم كما كان لهم باع طويل في التأليف والتصنيف وتربية الرجال ، وكانوا مشهورين في الأوساط العلمية والأدبية ، منهم : سعيد الأفغاني ، وشوقي ضيف ، ومحمد المبارك ، وصبحي الصالح ، وعبدالوهاب التونجي ، وعمر فروخ ، وحسين النصّار ، فتعمّق في علوم العربيّة في النحو والبلاغة وكلّ ما يتّصل بالبحث والتحصيل ، ممّا انعكس على تأليفه ، فكانت له عشرات الكتب والمؤلفات التراثية المحققة .

تدريس اللغة العربية :

لمّا أكمل الدكتور فخر الدين قباوة دراساته بدأ حياةً علميّةً جديدةً ، حياةً كلّها حافلة بالجدّ والاجتهاد والعمل والنشاط ، وكان فضيلته يحبّ التدريس حتى يعمّ النفع ، لذلك لم يلتفت إلى مناصب أخرى وبذل في هذا السبيل كلّ نفيس وغال وهكذا تلألأت مواهبه وقدراته .

وقد علّم تلاميذه القراءة والكتابة والنّباهة والنجابة كما كان يهتمّ بتعليم أمور دينهم وتأديبهم وتهذيب أخلاقهم ، وكان يتحفهم بالنصائح والتوجيهات الصائبة في سبيل العلم . وكان الطلاب يشعرون في درسه بذوقه الأصيل للأدب والشعر وأخلاقه الحسنة السّامية ، وهو لم يكن مدرّساً تقليديّاً ، ولا متبعاً مناهج التدريس اتباعاً أعمى بل كان يبتكر في طرق التدريس . ولم يكن يقتصر على إيصال المعارف إلى أذهان التلاميذ ، بل يضعُ لهم الخطط للدّراسة بحيث يمكنهم أن يستغنوا عنه .

والأستاذ فخر الدين قباوة قام بالتدريس في عدد من الجامعات والكليّات داخل سوريا كما درّس وحاضر في بعض الجامعات خارج سوريا في البلدان المختلفة .

وقد شارك في عدد من المؤتمرات العلميّة والأدبيّة بدعوة من الجامعات والمعاهد والمؤسسات التعليمية والبحثية داخل سوريا وخارجها مثل المملكة العربيّة السعودية ، والإمارات المتحدة العربي ، والكويت ، وتركيا وإيران ولبنان وبلاد الصين ، وألقى محاضرات علميةً ، أدبيّةً ، حافلةً بالمعلومات العلمية النّادرة التي أصبحت محطّ إعجاب الحاضرين . وقد ناقش فيها جوانب مختلفةً في علوم اللغة العربية وآدابها ، وتحدّث عن أهميّة هذه اللغة المباركة وطرق تنميتها ونشرها في العالم . كما قدّم آراء قيّمةً حول الأدب والإعراب والصرف والنحو والبحوث العلمية العربية وتكلّم عن العروبة ومشكلة الفصاحة ، وبيّن بعض الطُّرق لصيانة اللّغة العربية الخالصة كما قدّم بعض النكت الضروريّة اللازمة لعولمة اللغة العربية .

جهوده العلمية :

لا شك أن الأستاذ الدكتور فخر الدين قباوة أحد نبغاء هذا العصر وصاحب قلم سيّال بأسلوب سلس سهل ، وهو أحد اللغويين الماهرين الذين لعبوا دوراً هامّاً في حقل الأدب العربي ، إنه قد أغنى المكتبة الإسلاميّة بكتبه القيّمة ، وقد اعترف العلماء والأدباء بأدبه وعلمه ونبوغه وذكائه ، وذكروا ذلك باستحسان ما وجدوه وتذوّقوه في كتبه ومؤلّفاته ، وكان لا يحبّ الصيت والشهرة ، بل يعمل خالصاً لوجه الله ، ويحاول أن يبذل أكثر أوقاته في المطالعة والكتابة والتحقيق . وقد يجد القارئ خيراً كثيراً في تأليفاته وإنجازاته العلميّة التي تصل المائة في موضوعات مختلفة من الأدب والصرف والنحو واللغة والبلاغة والحديث والتفسير والشعر .

(1) جذور التحليل النحوي في المدرسة القرآنية :

تحدّث الدكتور قباوة في هذا الكتاب عن تاريخ البحث النحوي ، وأَثْبَتَ بأن نظرية المستشرقين الذين يزعمون أن تاريخ البحث النحوي بدأ من القرن الثاني الهجري أيام خليل ومعاصريه ليس بصحيح ، بل جاء بمستدلات قويّة بأن بداية البحث النحوي والتحليل النحوي هي من القرن الأول الهجري من عصر النبي صلى الله عليه سلم . يقول الأستاذ قباوة :

” إنها جذور نبتت في أقدم ما عُرف من المدارس القرآنية بين الصحابة والتابعين ، رضي الله عنهم وأرضاهم في جنان النعيم .

في المدرسة الأولى ، نشأ في حرمها البحث النحوي ، ثم ترعرع وشبّ عوده ، واستوى شطْؤه ، وأنتج ثماراً يانعةً بالتطبيقات التحليليّة . وقد كان هذا القِدَم مقصوداً به معرفة الجهود الأبكار من ذلك ، وبيان التطورات التي رافقتها مع الأيام خلال القرن الأوّل من الهجرة ” [5] .

(2) المفصّل في تفسير القرآن الكريم المشهور بتفسير الجلالين :

لا شكّ أن هذا التفسير تلقّى قبولاً حسناً في الأوساط العلميّة ، وقد أُدرج في المناهج الدراسيّة في أكثر الجامعات الأسلامية وقام العلماء والأدباء بتحقيق هذا التفسير المهم ، وقد حظي بعناية كبيرة من الحواشي والتقريرات ، كما أعدّ الباحثون مباحث كثيرة حوله في الجامعات .

يقول الدكتور عبدالرحمن بن معاضة الشهري : ” وممّن أفرد بعناية خاصّة من المحقّقين المعاصرين الأستاذ الدكتور فخر الدين قباوة الباحث السوري المعروف بعنايته بكتب اللغة والنحو . وقد قضى سنوات كثيرةً ، وهو يشتغل بخدمة تفسير الجلالين ، فأخرجه على مرحلتين :

المرحلة الأولى سمّاها ( تفسير الجلالين الميسّر ) ، وهو تحقيق لتفسير الجلالين لم يتوسّع فيه المحقق كتوسّعه في الّذي بعده ، وسمّى عمله ( تحقيقاً وتعليقاً ) فقط . طبع هذا التحقيق في مكتبة لبنان ناشرون في مجلّد بلغت صفحاته 633 صفحة من القطع الكبير .

المرحلة الثانية سمّاها ( المفصّل في تفسير القرآن الكريم المشهور بتفسير الجلالين ) وهو تحقيق لتفسير الجلالين أيضاً توسّع فيه المحقّق كثيراً ، وسمّى عمله ( تحقيقاً ) وكتب ( وتعقّب الإسرائيليّات والأخبار الموضوعة وأوهام التفسير والنحو وأتم أسباب النزول والإعراب والصرف ومعاني الأدوات ) . كذلك طبع هذا التحقيق في مكتبة لبنان ناشرون أيضاً في مجلّد ضخم جدّاً بلغت صفحاته 2272 صفحة من القطع الكبير . وقد تعرض في دراسته للكتاب إلى نقد كل النشرات السابقة للكتاب نقداً علميّاً ، وعرض كل الحواشي والتقريرات التي كتبت حول تفسير الجلالين ” [6] .

(3) التفسير الوافي للنّاشئة :

أنجز هذا التفسير بأسلوب علميّ دقيق سلس عَذْب ، يوجد فيه التفسير الدقيق الكامل للمفردات والتراكيب بحسب سياقاتها في الآيات الكريمة . ثمّ جاء بتفسير العام للآيات أيضاً .

(4) الإعراب المنهجي للقرآن الكريم :

قيّد الأستاذ قباوة في هذا التصنيف التطبيق النحوي الكامل بأسلوب دقيق موحد واصطلاح محدّد . مع التزام قراءة حفص ، والوجه الواحد الأيسر لما يكون من الإجراءات النحويّة كلها .

شعره :

كما أن الأستاذ قباوة كان كاتباً نحريراً كذلك كان شاعراً ممتازاً يقرض الشعر في مناسبات مختلفة بأسلوب فنّي جميل . ولكن ضاعت آثاره مع الأيام ، ولم يبق منها إلا شجرات يسيرة . كان قرض شعراً حول المرأة المهاجرة الفلسطينيّة تحت عنوان ( لاجئة من فلسطين ) .

وللأستاذ قباوة آراء قيّمة حول المفهوم الإسلامي للأدب ، والعولمة اللغة العربيّة أي : ( جعل اللغة العربيّة عالمية ) ، وحول أهميّة تعليم الشعر الجاهليّة ، وقضيّة التعريب ، وإحياء الاستشهاد بالحديث النبوي في دراسة اللغة والنحو ، وله نظرات ووقفات عميقة حول البحث العلمي ، وكان شديد الاهتمام بعلامات الترقيم وحول الفصاحة والبلاغة ، وله نقد بناء لطه حسين ، ما يحتاج لدراسة عميقة حول جهوده وأعماله العلميّة .

وقد اهتمّ بعض الباحثين بتحقيق كتبه وآرائه ونظرياته وتحقيقاته واعتنوا عنايةً جليلةً بتعريف آثاره وخدماته منهم الأستاذ أنوار سلمان مصطاف الّذي ألّف كتاباً تحت عنوان : ( فخر الدين قباوة : جهوده اللغويّة والنحويّة ) .

* باحث في قسم اللغة العربية بجامعة لكناؤ .

[1] سيرة الدكتور فخر الدين قباوة ، دار المخطوطات العربية ، إستنبول ، ط 2021م ،ص 3 .

[2] فخر الدين قباوة ، الهجرة بالدين والجهاد بالعلم ، مخطوط ، ص 5 .

[3] فخر الدين قباوة ، المرجع السابق ، ص 9 .

[4] ترجمة ذاتية بقلم الدكتور فخر الدين قباوة ، على موقع رابطة العلماء السوريين . Islamsyria.com تاريخ النشر : الأحد 24 ربيع الأول 1440هـ ، 2018م ديسمبر ، تاريخ الزيارة : 2023/8/3 ، ساعة الزيارة : 20:45 . وسيرة الدكتور فخر الدين قباوة ، دار المخطوطات ، إستنبول ، 2021م ، ص 5 .

[5] فخر الدين قباوة ، جذور التحليل النحوي في المدرسة القرآنية القدامى ، ط 1 ، دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة ، القاهرة ، 2020م ، ص 9 .

[6] مقتبس من مقال نشر في موقع الألوكة ، www.alukah.net ، تمت الكتابة بواسطة الدكتور عبد الرحيم بن معاضة الشهري بتاريخ 2010/10/30 . تارخ الزيارة : 2024/8/5 ، ساعة الزيارة : 10:21 صباحاً .