الأستاذ حبيب الحق الندوي أحد الأعلام الندويين
أغسطس 31, 2025رجال من التاريخ :
الأديب فخر الدين قباوة وجهوده العلميّة
الأخ عبد الوهاب الشكوري *
فخر الدين قباوة بن نجيب ، وجدّه عمر ، ولد عام 1352هـ – 1933م في مدينة حلب من سوريا ، كان أبوه وجده من عامّة الناس ، صاحبي مقهى شعبي في شارع السيد من مدينة حلب [1] .
كانت عند والده مكتبة صغيرة جمع فيها بعض المؤلفات الإسلامية والأدبية منها حاشية ابن عابدين ، وتفسير البيضاوي ورياض الصالحين وجواهر الأدب وتفسير المنامات ، يستفيد من هذه الكتب لبيان بعض الأحكام للإخوة الأقارب ، كما كان يفسّر بعض الآيات والأحاديث والأحلام للأحباب والمعارف ، إلى أن اضطرّ ببيع بعض الكتب لعلاج مرضه الصعب الذي أدّى إلى وفاته – رحمه الله – [2] .
وأما والدته فقد كانت من المسلمات المؤمنات ، وكانت عاميةً ، وتعاني بعض الأمراض المختلفة ، ولكن كانت صابرةً شاكرةً متمسكةً بالأدعية والأذكار .
والبيئة التي قضى فخر الدين طفولته فيها كانت بيئةً ممزوجةً من المسلمين والنصارى . وكان النصارى متأثرين بحياة المسلمين وعاداتهم وأخلاقهم وآدابهم فيقلدونهم في المأكل والمشرب والملبس .
بدأ تعليمه الابتدائي من المسجد حيث تعلم تلاوة القرآن الكريم مع التجويد ، وحفظ من القرآن ما شاء الله أن يحفظ عند أستاذه الشيخ حسين رحمه الله . ثم تلقّى مبادئ الدراسة الابتدائية من القراءة والكتابة والحساب والنحو والصرف .
وبعد ملازمة تلك المساجد الكريمة حضر الاختبارات للمعلومات الأساسية في القراءة والكتابة والنحو والحساب في مدرسة المعارف الابتدائية بحلب ، وقد نجح في هذه الاختبارات ، واستطاع أن يلتحق بالصف الثاني في تلك المدرسة وواصل دراسته وقد حصل فيها على شهادة الابتدائية عام 1944الميلادي [3] .
ثم التحق بكليّة الآداب من جامعة دمشق على نفقة وزارة التربية ، ونال فيها الإجازة في علوم اللغة العربية وآدابها سنة 1958م ومارس التعليم في المدارس الثانوية . ومع هذا فقد تابع الدراسات التربوية والأدبية ، فنال الدبلوم الخاص ( التخصص ) في الإدارة والتفتيش التربوي من كلية التربية بجامعة دمشق ، وشهادة المرحلة التمهيدية للدراسة العليا ( التخصص ) من كلية الآداب بجامعة القاهرة معاً سنة 1960م ، وأعدّ لنيل درجة الماجستير ( الباحث ) أطروحة ( التفتيش التربوي في البلاد العربية حتى عام 1968م ) بجامعة دمشق ، ولكنه أوفد على نفقة وزارة التربية السورية إلى جامعة القاهرة لنيل درجة الدكتوراة ( العالمية ) فالتحق بها ولم يتابع نيل الماجستير ( الباحث ) من دمشق ، فحصل في الأدب القديم على درجة الماجستير ( الباحث ) سنة1964م ، والدكتوراة ( العالمية ) سنة 1966م [4] .
أساتذته في الأدب العربي :
تلقى اللغة العربية وآدابها من أشهر أدباء العربية في عصره في سوريا ومصر ، الذين لعبوا دوراً هامّاً في ميدان الأدب والدعوة والفكر والتجديد ، وكانوا من المتخصصين في فنّهم كما كان لهم باع طويل في التأليف والتصنيف وتربية الرجال ، وكانوا مشهورين في الأوساط العلمية والأدبية ، منهم : سعيد الأفغاني ، وشوقي ضيف ، ومحمد المبارك ، وصبحي الصالح ، وعبدالوهاب التونجي ، وعمر فروخ ، وحسين النصّار ، فتعمّق في علوم العربيّة في النحو والبلاغة وكلّ ما يتّصل بالبحث والتحصيل ، ممّا انعكس على تأليفه ، فكانت له عشرات الكتب والمؤلفات التراثية المحققة .
تدريس اللغة العربية :
لمّا أكمل الدكتور فخر الدين قباوة دراساته بدأ حياةً علميّةً جديدةً ، حياةً كلّها حافلة بالجدّ والاجتهاد والعمل والنشاط ، وكان فضيلته يحبّ التدريس حتى يعمّ النفع ، لذلك لم يلتفت إلى مناصب أخرى وبذل في هذا السبيل كلّ نفيس وغال وهكذا تلألأت مواهبه وقدراته .
وقد علّم تلاميذه القراءة والكتابة والنّباهة والنجابة كما كان يهتمّ بتعليم أمور دينهم وتأديبهم وتهذيب أخلاقهم ، وكان يتحفهم بالنصائح والتوجيهات الصائبة في سبيل العلم . وكان الطلاب يشعرون في درسه بذوقه الأصيل للأدب والشعر وأخلاقه الحسنة السّامية ، وهو لم يكن مدرّساً تقليديّاً ، ولا متبعاً مناهج التدريس اتباعاً أعمى بل كان يبتكر في طرق التدريس . ولم يكن يقتصر على إيصال المعارف إلى أذهان التلاميذ ، بل يضعُ لهم الخطط للدّراسة بحيث يمكنهم أن يستغنوا عنه .
والأستاذ فخر الدين قباوة قام بالتدريس في عدد من الجامعات والكليّات داخل سوريا كما درّس وحاضر في بعض الجامعات خارج سوريا في البلدان المختلفة .
وقد شارك في عدد من المؤتمرات العلميّة والأدبيّة بدعوة من الجامعات والمعاهد والمؤسسات التعليمية والبحثية داخل سوريا وخارجها مثل المملكة العربيّة السعودية ، والإمارات المتحدة العربي ، والكويت ، وتركيا وإيران ولبنان وبلاد الصين ، وألقى محاضرات علميةً ، أدبيّةً ، حافلةً بالمعلومات العلمية النّادرة التي أصبحت محطّ إعجاب الحاضرين . وقد ناقش فيها جوانب مختلفةً في علوم اللغة العربية وآدابها ، وتحدّث عن أهميّة هذه اللغة المباركة وطرق تنميتها ونشرها في العالم . كما قدّم آراء قيّمةً حول الأدب والإعراب والصرف والنحو والبحوث العلمية العربية وتكلّم عن العروبة ومشكلة الفصاحة ، وبيّن بعض الطُّرق لصيانة اللّغة العربية الخالصة كما قدّم بعض النكت الضروريّة اللازمة لعولمة اللغة العربية .
جهوده العلمية :
لا شك أن الأستاذ الدكتور فخر الدين قباوة أحد نبغاء هذا العصر وصاحب قلم سيّال بأسلوب سلس سهل ، وهو أحد اللغويين الماهرين الذين لعبوا دوراً هامّاً في حقل الأدب العربي ، إنه قد أغنى المكتبة الإسلاميّة بكتبه القيّمة ، وقد اعترف العلماء والأدباء بأدبه وعلمه ونبوغه وذكائه ، وذكروا ذلك باستحسان ما وجدوه وتذوّقوه في كتبه ومؤلّفاته ، وكان لا يحبّ الصيت والشهرة ، بل يعمل خالصاً لوجه الله ، ويحاول أن يبذل أكثر أوقاته في المطالعة والكتابة والتحقيق . وقد يجد القارئ خيراً كثيراً في تأليفاته وإنجازاته العلميّة التي تصل المائة في موضوعات مختلفة من الأدب والصرف والنحو واللغة والبلاغة والحديث والتفسير والشعر .
(1) جذور التحليل النحوي في المدرسة القرآنية :
تحدّث الدكتور قباوة في هذا الكتاب عن تاريخ البحث النحوي ، وأَثْبَتَ بأن نظرية المستشرقين الذين يزعمون أن تاريخ البحث النحوي بدأ من القرن الثاني الهجري أيام خليل ومعاصريه ليس بصحيح ، بل جاء بمستدلات قويّة بأن بداية البحث النحوي والتحليل النحوي هي من القرن الأول الهجري من عصر النبي صلى الله عليه سلم . يقول الأستاذ قباوة :
” إنها جذور نبتت في أقدم ما عُرف من المدارس القرآنية بين الصحابة والتابعين ، رضي الله عنهم وأرضاهم في جنان النعيم .
في المدرسة الأولى ، نشأ في حرمها البحث النحوي ، ثم ترعرع وشبّ عوده ، واستوى شطْؤه ، وأنتج ثماراً يانعةً بالتطبيقات التحليليّة . وقد كان هذا القِدَم مقصوداً به معرفة الجهود الأبكار من ذلك ، وبيان التطورات التي رافقتها مع الأيام خلال القرن الأوّل من الهجرة ” [5] .
(2) المفصّل في تفسير القرآن الكريم المشهور بتفسير الجلالين :
لا شكّ أن هذا التفسير تلقّى قبولاً حسناً في الأوساط العلميّة ، وقد أُدرج في المناهج الدراسيّة في أكثر الجامعات الأسلامية وقام العلماء والأدباء بتحقيق هذا التفسير المهم ، وقد حظي بعناية كبيرة من الحواشي والتقريرات ، كما أعدّ الباحثون مباحث كثيرة حوله في الجامعات .
يقول الدكتور عبدالرحمن بن معاضة الشهري : ” وممّن أفرد بعناية خاصّة من المحقّقين المعاصرين الأستاذ الدكتور فخر الدين قباوة الباحث السوري المعروف بعنايته بكتب اللغة والنحو . وقد قضى سنوات كثيرةً ، وهو يشتغل بخدمة تفسير الجلالين ، فأخرجه على مرحلتين :
المرحلة الأولى سمّاها ( تفسير الجلالين الميسّر ) ، وهو تحقيق لتفسير الجلالين لم يتوسّع فيه المحقق كتوسّعه في الّذي بعده ، وسمّى عمله ( تحقيقاً وتعليقاً ) فقط . طبع هذا التحقيق في مكتبة لبنان ناشرون في مجلّد بلغت صفحاته 633 صفحة من القطع الكبير .
المرحلة الثانية سمّاها ( المفصّل في تفسير القرآن الكريم المشهور بتفسير الجلالين ) وهو تحقيق لتفسير الجلالين أيضاً توسّع فيه المحقّق كثيراً ، وسمّى عمله ( تحقيقاً ) وكتب ( وتعقّب الإسرائيليّات والأخبار الموضوعة وأوهام التفسير والنحو وأتم أسباب النزول والإعراب والصرف ومعاني الأدوات ) . كذلك طبع هذا التحقيق في مكتبة لبنان ناشرون أيضاً في مجلّد ضخم جدّاً بلغت صفحاته 2272 صفحة من القطع الكبير . وقد تعرض في دراسته للكتاب إلى نقد كل النشرات السابقة للكتاب نقداً علميّاً ، وعرض كل الحواشي والتقريرات التي كتبت حول تفسير الجلالين ” [6] .
(3) التفسير الوافي للنّاشئة :
أنجز هذا التفسير بأسلوب علميّ دقيق سلس عَذْب ، يوجد فيه التفسير الدقيق الكامل للمفردات والتراكيب بحسب سياقاتها في الآيات الكريمة . ثمّ جاء بتفسير العام للآيات أيضاً .
(4) الإعراب المنهجي للقرآن الكريم :
قيّد الأستاذ قباوة في هذا التصنيف التطبيق النحوي الكامل بأسلوب دقيق موحد واصطلاح محدّد . مع التزام قراءة حفص ، والوجه الواحد الأيسر لما يكون من الإجراءات النحويّة كلها .
شعره :
كما أن الأستاذ قباوة كان كاتباً نحريراً كذلك كان شاعراً ممتازاً يقرض الشعر في مناسبات مختلفة بأسلوب فنّي جميل . ولكن ضاعت آثاره مع الأيام ، ولم يبق منها إلا شجرات يسيرة . كان قرض شعراً حول المرأة المهاجرة الفلسطينيّة تحت عنوان ( لاجئة من فلسطين ) .
وللأستاذ قباوة آراء قيّمة حول المفهوم الإسلامي للأدب ، والعولمة اللغة العربيّة أي : ( جعل اللغة العربيّة عالمية ) ، وحول أهميّة تعليم الشعر الجاهليّة ، وقضيّة التعريب ، وإحياء الاستشهاد بالحديث النبوي في دراسة اللغة والنحو ، وله نظرات ووقفات عميقة حول البحث العلمي ، وكان شديد الاهتمام بعلامات الترقيم وحول الفصاحة والبلاغة ، وله نقد بناء لطه حسين ، ما يحتاج لدراسة عميقة حول جهوده وأعماله العلميّة .
وقد اهتمّ بعض الباحثين بتحقيق كتبه وآرائه ونظرياته وتحقيقاته واعتنوا عنايةً جليلةً بتعريف آثاره وخدماته منهم الأستاذ أنوار سلمان مصطاف الّذي ألّف كتاباً تحت عنوان : ( فخر الدين قباوة : جهوده اللغويّة والنحويّة ) .
* باحث في قسم اللغة العربية بجامعة لكناؤ .
[1] سيرة الدكتور فخر الدين قباوة ، دار المخطوطات العربية ، إستنبول ، ط 2021م ،ص 3 .
[2] فخر الدين قباوة ، الهجرة بالدين والجهاد بالعلم ، مخطوط ، ص 5 .
[3] فخر الدين قباوة ، المرجع السابق ، ص 9 .
[4] ترجمة ذاتية بقلم الدكتور فخر الدين قباوة ، على موقع رابطة العلماء السوريين . Islamsyria.com تاريخ النشر : الأحد 24 ربيع الأول 1440هـ ، 2018م ديسمبر ، تاريخ الزيارة : 2023/8/3 ، ساعة الزيارة : 20:45 . وسيرة الدكتور فخر الدين قباوة ، دار المخطوطات ، إستنبول ، 2021م ، ص 5 .
[5] فخر الدين قباوة ، جذور التحليل النحوي في المدرسة القرآنية القدامى ، ط 1 ، دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة ، القاهرة ، 2020م ، ص 9 .
[6] مقتبس من مقال نشر في موقع الألوكة ، www.alukah.net ، تمت الكتابة بواسطة الدكتور عبد الرحيم بن معاضة الشهري بتاريخ 2010/10/30 . تارخ الزيارة : 2024/8/5 ، ساعة الزيارة : 10:21 صباحاً .