إعلاميون لا يُنسون أبد الدهر

الجوائز أوسمة فخار لا وصمة شنار
أغسطس 31, 2025
الجوائز أوسمة فخار لا وصمة شنار
أغسطس 31, 2025

صور وأوضاع :

إعلاميون لا يُنسون أبد الدهر

محمد فرمان الندوي

تغطية الأحداث ونشر الأخبار الصحيحة من وظائف الإعلام الإسلامي ، فهو آلة صماء ، يمكن استعمالها في زرع الخير وبث الشر ، فالإعلام الهادف يُعتبر وسيلة بناء لا معول هدم ، ويُستخدم في صالح الإنسانية ، أما الإعلام الماجور المرتزق فإنه يُستعمل في تشويه الحقائق ، وبيع الضمائر ، وترويج بضائع النفاق ، وخدمة المصالح الحقيرة ، ويستغله أصحاب أغراص ساقطة ، وأفكار هزيلة ، وقد احتكر الإعلام المؤسسات اليهودية ، فإنها تصرفها كيفما تشاء ، وتجعل الحبة قبةً ، أو تصغر الوقائع الكبرى ، وتشوِّه الحقائق ، وتنشر الخلاعة والاستهتار والدعارة والمجون ، فيعجب الناس بصورها الجذابة ، ولافتاتها الخلابة ، ويسحرون بعناوينها المزخرفة ، وإعلاناتها المسترعية للانتباه ، هذا الإعلام سواء كان مطبوعاً أو إلكترونياً أو رقمياً له آثار سلبية على المجتمع الإنساني .

وقد ظهر كلا النوعين من الإعلام في طوفان الأقصى منذ اندلاع حرب الإبادة ، إن الإعلام الغربي الماجور أراد أن يسدل الستار على الحقائق الثابتة والظواهر المعترف بها ، لكن الله تعالى قيض الصحفيين والإعلاميين الغيارى الذين أدوا واجباتهم بأمانة وصدق نحو الشعب الفلسطيني الذي يرزح تحت نير الاحتلال الإسرائيلي ، ويئن بآلام الجروح المتتابعة ، ومسلسلات القهر والظلم والاستبداد الشنيع ، وكان نصيب قناة الجزيرة أوفر وأكثر ، فانكشف أمام مرأى الناس ومسمعهم قتل إسرائيل الممنهج ، والتجويع المدقع والتهجير القسري والإبادة الجماعية ، وإخلاء أرض غزة من سكان الأصلاء الآهلين بها منذ زمن لا بأس به ، ولو لا هذا الإعلام الهادف البناء ما أمكن الاطلاع على الأوضاع والظروف المستمرة في غزة ، وبالتالي الاحتجاجات والاعتصامات التي جرت ولا تجري في العالم كله مساندةً وحمايةً لفلسطين .

التقارير الآتية من غزة تكشف هذا الواقع المرير أن الصحفيين والإعلاميين الذين استشهدوا جراء الاستهدافات الإسرائيلية يبلغ عددهم إلى 11/ أغسطس 2025م حوالي 238 صحفياً ، إن هذا العدد الهائل لم يكن لديه أي مسئولية سوى تغطية الأحداث في غزة من شمالها إلى جنوبها ، وقد لعب هذا الإعلام دوراً قيادياً في سبيل تحرير الأرض المقدسة ، ومن بينهم : الصحافي أنس الشريف ، أنس الشريف صحفي فلسطيني شاب ، لم يجاوز العقد الثالث من عمره ، وُلد في مخيم جباليا شمال قطاع غزة ، ونال شهادة البكالوريس في الإعلام ، وتخصص في الإذاعة وقراءة الأنباء ، بدأ عمله الصحفي منذ عام 2014م ، لكنه التحق بقناة الجزيرة قبل سنتين ، وقد قام بإعداد تقارير موسعة عن المجازر والإبادة الجماعية ، حتى لقي تحديات سافرةً وتهديدات خطيرةً ، وأخيراً استشهد في 10/ أغسطس 2025م في قصف إسرائيلي ، وقد وصفته إسرائيل إرهابياً داعماً لحماس ، واستشهد معه الصحافي محمد قريقع ، وإبراهيم ظاهر ومحمد رياض نوفل وغيرهم ، فهؤلاء الشهداء لم يفارقوا الدنيا ، بل لا تزال ذكرياتهم تحيي الضمائر الميتة ، والقلوب الخامدة .

وقد كتب الصحافي أنس الشريف وصيةً ، وهي رسالته الأخيرة في حياته ، وقد أوصى بنشرها بعد وفاته ، فها نحن ننشرها على صفحة مجلة البعث الإسلامي تلبيةً لندائه ، وبياناً لغاية كل مؤمن يتمنى أن ينال بها رضا الله تعالى :

” هذه وصيتي ، ورسالتي الأخيرة ، إن وصلتكم كلماتي هذه ، فاعلموا أن إسرائيل قد نجحت في قتلي وإسكات صوتي ، بداية السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

يعلم الله أنني بذلت كل ما أملك من جهد وقوة ، لأكون سنداً وصوتاً لأبناء شعبي ، منذ فتحت عيني على الحياة في أزقة وحارات مخيم جباليا للاجئين ، وكان أملي أن يمد الله في عمري ، حتى أعود مع أهلي وأحبتي إلى بلدتنا الأصلية عسقلان المحتلة ( المجدل ) ، ولكن مشيئة الله كانت أسبق .

عِشت الألم بكل تفاصيله ، وذُقت الوجع والفقد مراراً ، ورغم ذلك لم أتوان يوماً عن نقل الحقيقة ، كما هي ، بلا تزوير أو تحريف ، عسى أن يكون الله شاهداً على من سكتوا ومن قبلوا بقتلنا ، ومن حاصروا أنفاسنا ، ولم تحرك أشلاء أطفالنا ونسائنا في قلوبهم ساكناً ، ولم يوقفوا المذبحة التي يتعرض لها شعبنا منذ أكثر من عام ونصف .

أوصيكم بفلسطين درة تاج المسلمين ، ونبض قلب كل حر في هذا العالم ، أوصيكم بأهلها وبأطفالها المظلومين الصغار ، الذين لم يمهلهم العمر ليحلموا ويعيشوا في أمان وسلام ، فقد سحقت أجسادهم الطاهرة بآلاف الأطنان من القنابل ، والصواريخ الإسرائيلية ، فتمزقت ، وتبعثرت أشلاؤهم على الجدران .

أوصيكم ألا تسكتكم القيود ، ولا تقعدكم الحدود ، وكونوا جسوراً نحو تحرير البلاد والعباد ، حتى تشرق شمس الكرامة والحرية على بلادنا السليبة ، وأوصيكم بأهلي خيراً ، إن مت فإني أموت ثابتاً على المبدأ ، وأشهد الله أني راض بقضائه ، مؤمن بلقائه ، ومتيقن أن ما عند الله خير وأبقى ، اللهم تقبلني في الشهداء ، واغفر لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر ، ولا تنسوا غزة ، ولا تنسوني في صلاح دعواتكم بالمغفرة والقبول . أنس جمال الشريف ” .

وُري جثمان أنس الشريف بعد شهادته في القبر ، لكنه لم يمت ، ولن يموت ، فإنه ترك وراءه عزة وإباء ، ونفخ في النفوس روح الهمة والطموح ، وقدم مثالاً رائعاً للصحفيين والإعلاميين الذين يبيعون كل شيئ بدل حطام الدنيا ، ويؤثرون العاجلة على الآجلة ، فطوبى لهذا الصحفي المجاهد ، وبشرى له بالفردوس .

إن اغتيال الصحفيين والإعلاميين جريمة نكراء ، وعملية شنعاء في القوانين الدولية ، وقد صدرت لصيانتهم قرارات وتوصيات توفر لهم الأمان والسلامة في كل دولة ، لكن يا لقساوة الاحتلال فإنه لا يرعى قانوناً ولا دستوراً ، ولا يحمل مثلاً إنسانيةً ولا قيماً نبيلةً ، فإنه لا يعرف إلا لسان القوة ، ولا يفهم إلا لغة الدمار ، فجاء طوفان الأقصى ، وعلَّم الاحتلال دوس الإنسانية ، ولا يزال يعلمه قسراً وجبراً هذه الدروس ، حتى يثوب إليه عقله ولبه ، ويأخذ الأمر بجدية وإتقان ، ويتنازل عن حلمه الخادع من النيل إلى الفرات ، لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً .