الإمام الأكبر محمد الخضر حسين شيخ الأزهر للدكتور غريب جمعة
يناير 4, 2026إصدارات حديثة :
أعلام من العرب والعجم
تأليف : الشيخ السيد محمد الرابع الحسني الندوي
تعريب : محمد فرمان الندوي
بقلم : الأستاذ الدكتور حسن الأمراني الحسني *
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيد المرسلين ، محمد ، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ، أما بعد : فقد قال الله تعالى : ( مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً ) [1] .
الشيخ محمد الرابع الحسني الندوي ، عالم رباني ، وأديب ناقد ، نبغ في الأوردية والعربية ، وأغنى هاتين اللغتين بمؤلفاته . وكان له سبق في التميز ببعض الموضوعات . فقد خدم الأدب الإسلامي منذ وقت مبكر ، وكتابه ” الأدب الإسلامي وصلته بالحياة ” ناطق بذلك التميز . وتوالت كتبه بالأوردية والعربية إلى آخر عمره رحمه الله تعالى . وقد كان من آخر كتبه التي وصلتني منه كتاب في السيرة النبوية عنوانه : ” سراجاً منيراً : سيرة خاتم النبيين ” ، وهو كتاب صدر عن دار المقتبس بلبنان ، عام 1440هـ – 2019م . ويأتي اليوم هذا الكتاب : ” أعلام من العرب والعجم ” الذي نقله إلى العربية الدكتور محمد فرمان الندوي ، لتكتمل به مكتبة الشيخ محمد الرابع الحسني الندوي ، وعسى أن تنقل إلى العربية سائر كتبه .
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنه : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ : إِذَا مَاتَ ابنُ آدم انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلا مِنْ ثَلاثٍ : صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ ، أو عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ . رَوَاهُ مُسْلِمٌ .
وهذا الكتاب هو من العلم الذي ينتفع به ، فما أحراه أن ينقل إلى العربية ، وإلى لغات إسلامية أخرى ، لينتفع به المسلمون . يتناول الكتاب أعلاماً من العرب والعجم . ومن هؤلاء الأعلام من عاشرهم المؤلف رحمه الله ، ومنهم من عاصرهم . وقليل منهم من عاش قبل زمانه ، ورأى أن من الحكمة أن يعرض لهم ويعرف بهم .
وهذا الكتاب ليس بحثاً أكاديمياً ، بل هو أمشاج يجمع بينها الوفاء لمن ترجم لهم .
والكتاب ينقسم إلى قسمين :
القسم الأول : أعلام من العرب
وتناول فيه أربعة عشر من الأعلام العرب ، كان من بينهم فؤاد سيزكين ، وهذا من باب التوسع .
القسم الثاني : أعلام من العجم
وتناول فيه أربعة وعشرين علماً من أعلام العجم .
وهؤلاء الأعلام منهم من عاشرهم المؤلف ، ومنهم من عاصرهم ، ومنهم من هو قديم لم يره ، ومنهم من هو متأخر ، مثل الشيخ محمد طلحة الكاندهلوي المتوفى ( 1440هـ – 2019م ) . فأما أعلام العجم فجميعهم من شبه القارة الهندية ، ومن الهند وباكستان بالتحديد . وأما أعلام العرب ، فهم من بلاد كثيرة ، إلا أن أكثرهم من بلاد المشرق .
وقد ارتبطت المقالات في معظمها بمناسبات دلّ عليها السياق ، وكان بعضها على صورة تأبين ، إذ التأبين ذكر محاسن المبين ، وتبيين فضائله ، على عكس الندب الذي يعنى بالتفجع والبكاء على الميت ، وعلى عكس العزاء الذي هو معني باستنباط الحكمة من حياة الميت .
وقد كان الحديث عن هؤلاء الأعلام مناسبةً ليطلع على القارئ على عدد من الأحداث الجسام ، مثل تأسيس ندوة العلماء ، وتأسيس جامعة عليكره ، وجامعة ديوبند ، ورابطة الأدب الإسلامي العالمية ، التي أسست على يد سماحة الشيخ أبي الحسن الندوي ، وكان للشيخ محمد الرابع الندوي دور في ذلك التأسيس ، بل لم يكن أحد أقرب في ذلك منه إلى الشيخ أبي الحسن الندوي ، حتى كان يرافقه في كل زياراته المتعلقة بالرابطة ، مغرباً ومشرقاً . إلى أن آلت إليه رئاسة الرابطة ، فقام بأعبائها خير قيام ، وإن كانت مدة رئاسته لم تطل ، حيث وافته المنية بعد فترة قليلة من توليه رئاستها . ومع ذلك ظلّ حاضراً في أنشطتها داخل الهند وخارجها ، على ما كان أصابه من وهن في العظم ، وضعف في الجسم . وفي المؤتمر الذي عقده مكتب الرابطة بالمغرب ، حول ” الرسول صلى الله عليه وسلم ” ، بل يكتفي بإرسال كلمته ، بل لقد ألقاها عن بعد ، عبر ” الزووم ” ، مما أعطى مشاركته في المؤتمر نجاحاً للمؤتمر .
وهكذا ، فإن القراء يتطلعون إلى كل خط يراعه في غير العربية ، إلى أن ينقل إلى لغة الضاد .
ولقد قيض الله تعالى لكتابه ” أعلام من العرب والعجم ” الدكتور محمد فرمان الندوي ليقوم بتعريبه عن اقتدار .
للترجمة أهمية بالغة في التواصل بين الشعوب والحضارات ، وفي حضارتنا العربية والإسلامية كان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو أول من سن الترجمة ورعاها . ففي سنن أبي داود ، في كتاب العلم ، قال زيد ابن ثابت رضي الله عنه : ” أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أتعلّم له كلمات من كتاب يهود ، وقال : والله إني لا آمن يهود على كتابي ، قال : فما مرّ إلا نصف شهر حتى حذقته ، فكنت أكتب له إذا كتب ، وأقرأ له إذا كُتبَ له ” .
وقد عني الخلفاء الراشدون من بعده بالترجمة عنايةً كبيرةً . ثم شاعت بعد ذلك على عهد الأمويين ثم العباسيين .
ولولا الترجمة لما تواصلت الحضارات ، ولما تقدمت العلوم .
والترجمة علم له قواعده التي يعرفها أهل العلم ، ولا يكفي فيه معرفة اللغتين ، المنقول منها والمنقول إليها ، بل لا بدّ من فقه أسرار اللغتين .
وقد بذل الأستاذ محمد فرمان الندوي ما وسعه من جهد لتعريب الكتاب . وقد اقتضى ذلك منه الاطلاع على تراجم الأعلام الذين اختارهم المؤلف ، ولاسيما الأعلام العرب ، ففعل على قدر ما يجلّي ذلك صورة المترجم لهم . وكان في بعض الأحيان يضيف هوامش تسلط الضوء على المترجم به ، لتقريب صورته أو صورة المقال من القارئ .
ومهما يكن ، فقد أسدى الدكتور محمد فرمان الندوي للقارئ العربي خدمةً جليلةً بجعله يطلع على كتاب من كتب الشيخ محمد الرابع الحسني الندوي رحمه الله ، وعسى أن يهيئ الله تعالى تيسير تعريب سائر كتبه .
وهو سبحانه من وراء القصد وهو يهدي السبيل .
الملفوظات للداعية الكبير محمد إلياس الكاندهلوي
جمع وترتيب : الشيخ محمد منظور النعماني
تعريب : مجيب الرحمن عتيق الندوي
تعريف بقلم الأستاذ عبد الرشيد الندوي *
الحمدُ للهِ ربِّ العالمين ، والصلاةُ والسلامُ على سيدِنا محمدٍ خاتمِ النبيين ، وعلى آله وصحبِه أجمعين ، ومَن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يومِ الدِّين .
أمّا بعدُ !
فمِن سُنَنِ اللهِ الجاريةِ في هذه الأُمّةِ أن يبعثَ في كلِّ طورٍ من أطوارِها رجالاً يوقظون القلوبَ إذا فترت ، ويُجدِّدون معاني الإيمانِ إذا بهتت ، ويشعلون مجامر النفوس والأرواح إذا خمدت ، ويصلون العلمَ بالعمل ، والفقهَ في الدِّين بالبصيرةِ في دعوة الناس إلى الله والتحقق بالعمل بأركان الإسلام والإيمان والإحسان .
ومِن أولئك الأعلامِ الإمامُ الداعيةُ الشيخ محمد إلياس الكاندهلوي رحمه الله ، الذي نذر عمرَه لإحياءِ الإيمانِ في القلوب ، وردِّ الناسِ إلى حقيقةِ العبوديّة لله رب العالمين ، وتكوينِ جماعةٍ مؤمنةٍ تحملُ همَّ الدعوة إلى هذا الدِّين العظيم ، وتسعى في دعوة الناسِ بالحكمة والموعظة الحسنة بروح بالرحمة والشفقةً .
وقد كانت كلماتُه – رحمه الله – التي كان يُلقيها ويعظ بها في المجالسِ ، أو يخصُّ بها تلامذتَه وأصحابه ، تفيضُ صدقاً وحرارةً ، وتنبضُ يقيناً وإخلاصاً ؛ لقد كانت كلماتٌ تخرجُ من قلبٍ امتلأ همّاً للأُمّة ، فتقعُ في القلوبِ موقعَ البلسم اللطيف المؤثر ، فتزكي النفوس وتنور العقولِ ، لذلك قام العلامةُ المحدِّثُ الفقيه الأصولي منظور النعماني رحمه الله بجمع ملفوظاته ( كلماته ) ، في كتابٍ عُرف في الأوساطِ الدعوية والعلميّةِ باسم ” ملفوظات الشيخ محمد إلياس ” ، فكان هذا الجمعُ توثيقاً لمدرسةٍ دعوية تربويّةٍ معروفة في شبه القارة الهندية باسم ( جماعة الدعوة والتبليغ ) ، ورسماً لمعالمِ منهجٍ دعوي فريد في التربية وإصلاح الأفراد .
ثم تهيّأ لهذا الكنز الدعوي النفيس أن ينتقلَ إلى اللِّسانِ العربي ، لغةِ القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة ، فقام بترجمتِه ترجمةً علميّةً رصينةً الأستاذُ مجيبُ الرحمنِ عتيقُ الندوي ، ( عميد الشئون التعليمية بدارالعلوم للإمام الرباني في مهاراشتر ، الهند ) فحفظ روحَ النصّ ، ونقل حرارةَ العبارة ، وأدّى المعنى أداءً أميناً متيناً .
واعتنى بإخراجِ هذه الطبعةِ وضبطِها والإشرافِ عليها الدكتورُ عادلُ حسنٍ أمينُ اليماني الندوي ، فخرج الكتابُ في حلّةٍ وضيئة قشيبة ، محكمةِ الترتيب ، واضحةِ الفهرسة ، مهيّأةٍ للإفادةِ العلميّة .
وزاد هذا العملَ العلمي مكانةً وتوثيقاً علمياً ودعوياً تلك المقدمات القيمة والتقاريظ المتنوعة لكوكبة من كبارِ العلماءِ والدعاة ، تلاقت كلماتُهم على تباعدِ أقطارِهم وتنوّعِ تخصّصاتِهم في الثناءِ على الإمام الداعية المجدد محمد إلياس الكاندهلوي ومكانتة الإيمانيّة ، والتنويهِ بقيمة هذه الكلمات الدعوية والتربوية ، فكتب العلامة الفقيهُ المحدِّثُ شيخ الإسلام محمد تقي العثماني حفظه الله مقدمةً قيمةً عن عمق الأساسِ العلميِّ في دعوةِ الشيخِ إلياس وارتباطها بأصولِ أهلِ السُّنّةِ والجماعة من المذاهب الأربعة ، وكتب العلامةُ الفقيهُ الدكتور خالد سيف الله الرحماني – الأمين العام للمجمع الفقهي الإسلامي بالهند – مشيداً بالأثرِ الإصلاحيِّ العميقِ لهذه المدرسةِ في واقعِ المسلمين في الهند وخارجِها .
كما جاء ” تقديمُ نُخبةٍ من الأحباب ” شاهداً على عالميّةِ الرسالةِ التي يحملُها الكتاب ، فأسهم فيه جماعةٌ ممن جمعوا بين العلم والدعوة : كالشيخ الرباني المقرئ عبد الرشيد علي صوفي ، والشيخ الداعية علي الغفري مسؤول الجماعة في غزة العزة ، والشيخ الداعية يونس بن محمد التليلي من فرنسا ، وغيرهم من المشايخ الدعاة الأفاضل . وجاءت كلماتُهم متآلفةَ المقاصد ، متّحدةَ الوجهة ، تُبرز قيمةَ الكتابِ الدعوية وتؤكد حاجة قدماء جماعة التبليع لقراءته وضرورة توسيع الفكر والفقه الدعوي .
وخُصَّ الكتابُ بمقدّمةٍ علميّةٍ تحليليّةٍ للدكتورِ محمد أكرم الندوي ولفضيلة الشيخ نعمان الدين الندوي ، اللذين تناولا فيها ” الملفوظات ” بقراءة منهجيّة واعية ، تُظهر أهميّتَه في دراسةِ الحركاتِ الدعويّةِ المعاصرة ، وقيمتَه بوصفِه وثيقةً ناطقةً بمرحلةٍ مفصليّةٍ من تاريخِ الدعوة في شبهِ القارّةِ الهنديّة . وكذلك كتب فضيلة الشيخُ الداعية خليل الرحمن سجاد النعماني – المشرف على ترجمة الكتاب – مقدمة رائعة تنبضُ بالحب والوفاءِ الدعوي والعلمي ، وتُبرز العلاقة الحيّةَ القوية بين هذه الملفوظات وبين صاحبها والجو الإيماني والعلمي والتربويِّ .
إن كتاب ” الملفوظات ” ليس كتابَ مواعظٍ فحسب ، وليس عرضاً تاريخيّاً لمرحلةٍ دعويّة ، بل هو بيانٌ حيٌّ لمنهجٍ متكاملٍ في إصلاحِ الفردِ والمجتمع ، وفيه ترسيخٌ لحقيقةِ الإيمانِ ومكانته ، وأنّه أصلُ كلِّ صلاح ، وتنبيهٌ إلى أنّ ضعفَ الأعمال سببه ضعفِ اليقين ، وأن الذكر يُورِث الخشية ، والقيام بالدعوة تخرج الناس من ضيقِ الأنانيّةِ والعصبية القبلية والوطنية إلى سعةِ الاهتمامِ بأمرِ الأُمّة الإسلامية .
وتلمسُ في ثنايا هذه الكلماتِ شفقةً صادقةً على عامّةِ المسلمين ، وإحساساً مرهفاً بتقصيرِ معظم رجالات الأُمّةِ في حقِّ دينِها ، مع رجاءٍ إيماني لا يخبو في إمكانِ الإصلاحِ إذا صدق العبدُ مع الله تعالى ، وأحيا الإيمانَ في نفسِه أوّلاً ثم فيمَن حولَه ؛ فصاحب الملفوظات لديه روحٌ إيمانية تُذكِّر بنفحاتِ السلفِ في التزكية ، لكنها نازلةٌ على واقعٍ اجتماعي معيَّن بروحٍ عمليّةٍ واضحة ، ومنهجٍ تربوي مُحكَم .
فقد جمع الشيخُ محمدُ إلياس الكاندهلوي في شخصيّتِه بين التضلُّعِ من التفقه في علومِ الحديثِ والفقهِ ، مع انتسابه إلى مدرسةِ كبار علماء الهند التي تنتمي في أصلِها وروحِها إلى الإمام الكبير المحدث الفقيه شيخ الإسلام أحمد بن عبد الرحيم المعروف بولي الله الدهلوي رحمه الله ، وبين ذوقٍ تربويٍّ عميقٍ تشكَّل على أيدي مشايخِه العلماء الصلحاء من أهلِ السُّنّة ؛ فكان مشروعُه الدعويُّ إحياءً للمعاني الأولى للإسلام في زمنٍ غلبت عليه الغفلةُ والضعف ، بلا انقطاعٍ عن العلمِ وأهلِه ، ولا خروجٍ عن جماعةِ المسلمين .
وأمّا الشيخ العلامةُ منظورُ النعماني ، فقد جمع بين التحقيقِ العلميِّ والغيرةِ على السُّنّة ، والاهتمامِ بقضايا الأُمّةِ الفكريّة ؛ فجاء جمعُه لهذه الملفوظات تعبيراً عن فهمٍ عميق نافذٍ لشخصيّةِ الشيخِ محمد إلياس ، وإدراكٍ دقيقٍ لقيمةِ هذه الكلماتِ في رسمِ معالمِ المنهجِ الدعوي .
وتتجلّى أهميّةُ الترجمةِ العربيّةِ في إخراجِ هذا الكنز الدعوي من إطارِه الهندي المحلّي إلى رحابِ الأُمّةِ الإسلامية الواسعة ؛ فيتعرّف القارئُ العربيُّ على تجربةٍ دعويّةٍ متميزة نشأت في شبهِ القارّةِ الهنديّة ، وكان لها أثرٌ عالميٌّ ظاهر ، ويتمكّن العلماء وطلاب علوم الشريعة من معرفتها ودراستِها من خلال نصوصِها ، لا عبر الانطباعاتِ في وسائل التواصل الاجتماعي ، والإنصاف يقتضي أن يتعرفوا على الشيخ محمد إلياس من ملفوظاته الثابته عنه لا من كلام المشككين والمبدعين الغلاة .
إن القراءة المنصفة لهذا الكتابِ تضعُه في موضعِه اللائق : فهي كلماتُ تربيةٍ وتوجيه ، مواعظ إيمانية تُحيي القلبَ وتستنفر الهمّة ، وتدلُّ على طريقِ الإصلاحِ بالإيمانِ والعمل . ومن قرأه بهذه الروح أدرك قدرَه ، وانتفع به في تزكيةِ نفسِه ، وفهم جانباً مهمّاً من تاريخِ الدعوةِ في العصرِ الحديث .
وخلاصةُ القول : إن صدور ” الملفوظات ” بلسانٍ عربيٍّ مبين ، مع هذه العنايةِ العلميّة الراقية والرائعة ، وهذه المقدّماتِ العلمية الرصينة ، إضافةٌ علمية ودعوية متميزة إلى المكتبةِ الإسلاميّةِ المعاصرة ، تُعرِّف الأجيالَ بروحٍ جماعة دعويّةٍ صادقة ، وبنموذجٍ من نماذجِ الإصلاحِ القائمِ على الإيمانِ والعمل ، يتميز بالصدقِ مع الله تعالى . والشفقةِ على الخلق .
نسألُ اللهَ تعالى أن يجزي مؤلِّفَ الأصلِ وجامعَه ومترجمه والمعتنيَ به ، وكلَّ مَن أسهم في إخراجِه ، خيرَ الجزاء ، وأن يجعل هذا العملَ خالصاً لوجهِه الكريم ، نافعاً لعبادِه ، مُعيناً على إحياءِ معاني الإيمانِ والدعوةِ في القلوب .
وصلّى اللهُ وسلّم وبارك على سيدِنا محمدٍ ، وعلى آله وصحبِه أجمعين .
أمراض المجتمع وعلاجها للشيخ السيد بلال عبد الحي الحسني الندوي
مدير التحرير
صدر حديثاً كتاب أمراض المجتمع وعلاجها للشيخ السيد بلال عبد الحي الحسني الندوي رئيس ندوة العلماء العام من المجمع الإسلامي العلمي بندوة العلماء ، لكناؤ ( الهند ) ، والكتاب يغطي مائةً وستاً وخمسين صفحةً ، ويتحدث عن أمراض المجتمع المنتشرة في العالم ، وصدر الكتاب باللغة الأردية عام 2017م من مجمع الإمام أحمد بن عرفان الشهيد برائي بريلي ، وذاع صيته واستفاضت شهرته نظراً إلى صغر حجمه ، وغلاء معنويته ، فكانت الحاجة إلى أن ينقل إلى العربية ، وقد وفق الله تعالى الأخ سعد مبين الحق الندوي لنقله إلى العربية ، فأنجز هذا العمل مع دراسته في قسم التدريب العلمي بدار العلوم لندوة العلماء ، والجدير بالذكر أن الكتاب بكامله قد نشر في صحيفة الرائد الصادرة من مؤسسة الصحافة والنشر بندوة العلماء ، لكناؤ ، في حلقات متتالية .
ينقسم الكتاب في ثلاثه أبواب : الباب الأول يتحدث عن أمراض القلوب ، وهي الكبر والحسد والحقد والضغينة وسوء الظن والتجسس والأثرة والرياء والسمعة ، والباب الثاني يتناول أمراض اللسان من أهمية اللسان والكذب والغيبة والبهتان والنميمة والسخرية والفحش في القول ، أما الباب الثالث فهو يضم أمراض المال من محبة الدنيا والحرص والطمع والخيانة والتطفيف وآفة الرشوة وتقسيم الميراث بغير ما شرعه الله والربا ، ويتحدث مؤلف الكتاب عن أهميته قائلاً : ” فإن هذا الكتاب الذي بين أيديكم قد أعد للتنبيه على هذه الأمراض وتشخيصها ، وما أحسن لو نهض بهذا العمل عبد من عباد الله تعالى ، سليم من هذه الآفات ، ليكون لكلامه وقع وتأثير ، غير أن العبد الضعيف قام بهذا العمل رجاء أن يجعله الله سبباً لإصلاح نفسه أولاً ، ولإصلاح الآخر ثانياً ، وأن يكون نافعاً للكاتب قبل القارئ ، لعل الله سبحانه يتقبل هذا الجهد ، ويجعله وسيلةً لإصلاح الفرد والمجتمع ” .
كان الكتاب متحلياً بالمراجع والمصادر ، لكن المترجم أضاف إلى الطبعة العربية بعض الحواشي والتعليقات مستمدةً من ستة وأربعين مرجعاً ، وأدرج تفاصيلها في قائمة المراجع ، وقد أدى في ذلك أمانة النقل والإحالة بحيث أرجع الأمور إلى نصابها ، فهو يستحق من القراء الثناء والتقدير على هذا العمل .
لا شك أن هذا الكتاب حاجة الساعة ونداء الوقت ، لأن العصر الراهن يشهد كثيراً من الناس عامتهم وخاصتهم قد أصيبوا بهذه الأمراض القلبية واللسانية والمالية ، ولا يشعرون بذلك نظراً إلى انغماسهم في الماديات ، وتورطهم في أوحال الرياء والسمعة ، فإن هذا الكتاب جاء في أوانه وفي مكانه ، بحيث يضع النقاط على الحروف ، فلا يكتفي المؤلف ببيان الأمراض ، بل يقدم لها حلولاً ناجعةً ، وردوداً شافيةً ، فكل من تحلى بهذه الصفات الحميدة وابتعد عن الصفات الرذيلة صار مغبوطاً لدى الجميع ، وحائزاً مكانةً سامقة الذرى .
ونحن إذ نكتب تعريفاً موجزاً بالكتاب ندعو الله تعالى أن يبارك في عمر المؤلف وأعماله العلمية والإصلاحية حتى يتحف القراء بأمثال هذه النوادر العلمية ، كما ندعو لمترجم الكتاب بمزيد من التوفيق والسداد .
وصلى الله تعالى على خير خلقه محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .
* رئيس رابطة الأدب الإسلامي العالمية .
[1] القرآن الكريم ، سورة الأعراف ، الآية : 23 .
* أستاذ الحديث بدار العلوم لندوة العلماء .

