أضواء على حياة العلامة محمد فريد وجدي دائرة معارف القرن الرابع عشر الهجري – والعشرين الميلادي

ترجمة الإمام النسائي ومصادرها ¨
مايو 24, 2026
رجال من التاريخ : صلتي بالأديب الضليع والشاعر المفلق
أغسطس 26, 2026
ترجمة الإمام النسائي ومصادرها ¨
مايو 24, 2026
رجال من التاريخ : صلتي بالأديب الضليع والشاعر المفلق
أغسطس 26, 2026

رجال من التاريخ :

أضواء على حياة العلامة محمد فريد وجدي

دائرة معارف القرن الرابع عشر الهجري – والعشرين الميلادي

( الحلقة الثانية )

دكتور/ غريب جمعة *

عرفنا في الحلقة السابقة ما قاله الأستاذ محمود عباس العقاد ، تعليقاً على توقف جريدة الدستور التي أنشأها الأستاذ محمد فريد وجدي ، بسبب عجزه عن النهوض بتكاليفها وكثرة الديون التي تراكمت عليه ، ورفضه التام للعرض السخي الذي تقدم به حزب ” تركيا الفتاة ” العلماني لسداد ما عليه من ديون وضمان استمرار جريدته في الصدور بشرط أن يحذف الشعار الذي وضعه لها ، وهو : ” لسان حال الجامعة الإسلامية ” .

ولكن الأستاذ وجدي – رحمه الله – وضع هذا العرض وما شابهه من عروض تحت أقدام مبادئه وقيمه حتى ولو كان مثقلاً بالديون وجريدته مهددة بالتوقف عن الصدور .

دائرة معارف القرن الرابع عشر الهجري – العشرين الميلادي :

لابد من الوقوف وقفة طويلة بعض الشيئ أمام ذلك العمل العلمي الضخم الذي قام به رجل واحد بدون معونة أحد إلا معونة الله تبارك وتعالى ، وقد شاء سبحانه أن يكون توقف جريدة ” الدستور ” بالنسبة للأستاذ وجدي ، نهاية مرحلة وبداية مرحلة جديدة في حياته ، وقد أوفى على الأربعين من العمر مرحلة يتمثل فيها الصبر الدءوب ، المقرون بقوة العزيمة وصلابة الإرادة وشدة التصميم وعظم التحدي لما أصابه من إخفاق في ميدان الصحافة السياسية اليومية .

لقد عاد الفارس إلى ميدانه الحقيقي الأصيل الذي يصول فيه ويجول بين كر وفر وإقبال وإدبار .

عاد ليواصل جهاده الشاق في البحث والدراسة ؛ عاد ليخرج للناس ثمرات هذا الجهاد شهية في صورة زاد طيب كريم يقدمه للقراء ليسّهل عليهم الصعب وييسّر العسير ، ويقرب البعيد ، ويلين العصي ، ويظهر الخفي . فها هو ذا بعد جهاد شاق وعمل مضنٍ تسع سنين دأباً يُخرج للناس ما أطلق عليه :

” دائرة معارف القرن الرابع عشر الهجري والقرن العشرين الميلادي ” في عشرة مجلدات ضخمة يتجاوز عدد صفحاتها ثمانية آلاف صفحة !! وما كاد يبدأ فيها حتى أعلن عنها في جريدتي ” اللواء ” و ” المؤيد ” بأنها         ” مقتبسة من سبع دوائر معارف إفرنكية ومن مجموعة ثمينة من كتب عربية وفرنسية ، وهي تصدر على هيئة أجزاء شهرية وتبلغ صفحات الجزء ثمانين صفحة ، وقيمة الاشتراك فيها ستون قرشاً مصرياً !! عن كل مجلد ، ويقبل الثمن مقسطاً .

وكان ذلك الإعلان في شهر أغسطس سنة 1910م .

وقد طبعها أول طبعة في مطبعته التي اشتراها لهذا الغرض النبيل وسماها باسمها .

وهنا يتوقف القلم ، ولابد أن يتوقف . . ليسأل الإنسان نفسه : أي رجلٍ كان ذلك الرجل ؟

وأي إيمان بالإسلام والعلم واللغة والوطن يعمّر قلبه ؟

رجل يراجع سبع دوائر معارف أجنبية كبرى ويستوعب ما فيها من مواد مختلفة ثم يترجم هذه المواد ، ويعيد صياغتها صياغةً عربيةً إسلاميةً ، وهذا مما تتميز به دائرته عن غيرها ، هذا بالإضافة إلى الكتب العربية والإسلامية الأخرى ، سواء كانت من كتب التراث أو من الكتب المعاصرة . . . كل ذلك الكم الهائل من المعارف يمتصه الرجل ثم يخرجه رحيقاً حلواً سائغاً لطلاب المعرفة ومحبي الثقافة والباحثين عن العلم مع تفاوت أعمارهم واختلاف مشاربهم وتنوع أفكارهم وتعدد ثقافاتهم ، وكل يجد فيها ما يبتغيه بإذن الله .

دائرة المعارف في أعين معاصريه :

لكي تقدر أخي القارئ عظمة الجهد المبذول والعمل الموصول في تأليف هذه الدائرة ولكي تعرف القيمة العلمية والثقافية لها وكيف قدَّمت خدمة جليلة إلى اللغة العربية والدين والأدب والثقافة – لكي تعرف ذلك كله لابد أن نذكر أقوال بعض معاصري الأستاذ وجدي ، في هذه الدائرة وهم من أعلام الثقافة والصحافة والفكر الذين يشار إليهم بالبنان :

(1) يقول الدكتور محمد حسين هيكل – وزير المعارف ( الأسبق ) : ” إن فريد وجدي لم يكتف فيها ( أي في دائرة المعارف ) بوضع قواعد البحث ونظامه والإشراف على أبحاث سواه ، بل تفرد فلم يستعن بأحد ولم يشرك في مجهوده مجهود غيره ، وهو الذي بحث ونقّب ورتّب ونظّر ، وبحسبك هذا لتعرف مشقة العمل وعظم المجهود . ولو أن هذه الآلاف من الصفحات كانت كلها في فن أو علم واحد لكان ما تقتضيه من مجهود أقل مما تقتضي هذه العلوم النقلية والعقلية بجميع أصولها وفروعها ، ذلك أن اتحاد اتجاه الذهن وإمعانه في الغوص على نوع واحد من المعاني يلذه ويشحذه ويزيده دقة في التصوير وفي التفريق بين الألوان البادية التشابه لذي النظر السطحي ، ولغير المتعمق .

فأما هذا الانتقال من علم إلى علم ، ومن فن إلى فن فعسير كل العسر ، يُحدث في الذهن وقوفاً كلما شاء أن يتحول إلى اتجاه جديد ، وليس هذا الشأن قاصراً على التفكير وحده ، بل إنك لتشعر به ولو كان عملك قاصراً على مجرد النقل والترجمة ” . اهـ .

(2) يقول الأستاذ داود بركات – رئيس تحرير الأهرام ( الأسبق ) :      ” رجل عمل وحده منفرداً وعمل جاداً وعمل ساهراً ، عمل لا ليتلألأ على صدره نيشان ، ولا تدفع له رتبة ، ولا ليقام له حفل تكريم ” إلى أن يقول :    ” إن المنافق والدسّاس والرجل المداجي إنما يُقدَّم على صاحب ” دائرة المعارف ” في كل شيئ ، يقدم عليه بالمال ينصب عليه انصباباً ، وبالمقام يرفع ويعلو ، وبالتقديم الذي لا يكاد ينتهي عند حد .

أما هو وقد كلَّ دماغه ونحل جسمه وفرغ جيبه وقصر عمره ينقل العلم إلى أمته فإنه في عزلة وإنه لمجهول ” .

ثم يدعو إلى إنصافه وتسجيل عمله ؛ فإن لم يفعلوا فإن الأهرام يسجل على صدره جلال هذا العمل الذي أتمه ونفع وفائدته الكبرى ” . ثم يقول :

” إنا ليعزونا الأسى والأسف إذا نحن ذكرنا طوائف من العلماء والأدباء الذين كنا نراهم يجتمعون آلافاً من أجل قصيدة تروقهم أو منظومة تتملك عليهم مشاعرهم وقلوبهم ، أما إذا وجدوا عملاً كهذا العمل الجليل الذي قام به وجدي ، فإنهم لا يولونه اهتماماً ولا يعبأون به بل لا يكادون يعرفونه ” إلى أن قال : ” لقد عمل لأمته ولنفسه عملاً لا شك أنه كبير وجليل ” . [ افتتاحية الأهرام يوم 13 أبريل سنة 1925م ] .

(3) يقول الشاعر الكبير خليل مطران : ” بارك الله في الرجل وفي همته الغلابة على الصعوبات فقد فعل بمفرده ما لا تستقل بفعله الجماعات ” إلى أن يقول : ” إن أعظم الأعمال في الشرق إنما تقوم برجل ” .

(4) يقول الصحفي العجوز توفيق حبيب : ” إذا فاخرت سوريا ولبنان بالبستاني وعمله ؛ فإن مصر تفاخر بهمة فريد وجدي ، فقد كان إلى جانب بطرس البستاني أولاده ونسيبه سليمان وغيرهم من فحول العلماء وكبار الأدباء .

أما وجدي فقد عمل بمفرده في وضع دائرة معارف القرن العشرين وعانى الأمرين في الإنفاق على الطبعة الأولى ، وتصريف أجزائها ، ثم أعاد طبعها ، فأدركت وزارة المعارف تقصيرها في مساعدته ، وقررت شراء بضع مئات منها وضعتها في مكتبات المدارس .

إن دائرة معارف وجدي تمتاز على دائرة البستاني بتوخيها شرح بعض المسائل الدينية ، فكلمة ” الله ” مثلاً مبسوطة في نحو عشرين صفحة ، وكلمة ” بَيْع ” مشروحة شرحاً فقهياً إسلامياً مسهباً ، وكلمة       ” مكتبة ” دوَّن الكاتب فيها خلاصةً طيبةً عن المكتبات العامة في مصر ” .

(5) يقول الكاتب الكبير الأستاذ أنور الجندي : ” إنه استطاع بحق أن يعطي الأمة العربية دائرة معارف على قاعدة وقيمة مزج فيها بين علوم العرب والمسلمين وعلوم الفكر الغربي والمدنية الغربية على نحو يسير في أسلوب سمح سهل ، يبسط المعقدات من الأمور والعلوم ، ويذكر في كل خطوة أنه يحدث أبناء اللغة العربية والعالم الإسلامي ؛ فهو ذاكر أبداً فضل العرب على الحضارة ، وهو مقدم أبداً للعرب فكر الغرب وحضارته في تسامح وإخلاص واحترام لقارئه ، وإيمان بالعلم والدين معاً ، وتتجلى عظمة هذا الباحث في مراجعة أبواب : أدب – تاريخ – فلك – لغة – إسلام – إله – روح – دين . . . إلخ .

فإذا ذكرنا أنه لم يكن مؤيداً من جهة رسمية ، أو أنه كان لا ينتظر على عمله جزاءً مادياً أو أدبياً عجبت لقوة خلق هذا الرجل ، وصلابته في العمل لوجه الله والوطن والعلم خالصاً ” .

ثم يواصل الأستاذ الجندي قوله : ” ولا يمنع ذلك التقدير للعمل الضخم من أن تُحصى عليه بعض الهنات والأخطاء ، أو تفوت الباحث بعض المواد أو يتعثر العمل في بعض جوانبه على نحو من الأنحاء ، وإذا كان ( الدكتور هيكل ، ورشيد رضا صاحب المنار ، وأحمد تيمور باشا ) قد أحصوا على دائرة معارف وجدي بعض الأخطاء ؛ فذلك أمر طبيعي لعمل فردي أتمه صاحبه في بضع سنوات .

ويكفي أنه استطاع إتمامه بمفرده ، بينما عجز بطرس البستاني ، عن إتمام دائرة معارفه ، على الرغم من المساعدة السخية التي فرضتها الحكومة المصرية له حين ذاك بشراء ألف نسخة من الدائرة ، وعجز خلفاؤه كذلك ، فلم يتم هو أكثر من ستة أجزاء ، وأعد خلفاؤه ثلاثة أجزاء حتى عام 1900م ، ووقفوا عند حرف ” عين ” . اهـ .

(6) يقول الدكتور محمد رجب البيومي – رحمه الله – عميد كلية اللغة العربية بالمنصورة ، ورئيس تحرير مجلة الأزهر ( الأسبق ) :        ” كانت مصر في مطلع القرن العشرين ذات حاجة ماسة إلى ذخيرة وفيرة من المعارف الإنسانية في شتى العلوم الحديثة فليس بها من المؤلفات العصرية ما يسد فراغاً هائلاً يوحي بالجهالة الأمية ، وينذر بالتقهقر السريع إلى عصور الظلمات ، فعكف الأستاذ وجدي ، على إصدار دائرة معارف القرن العشرين وحده في عشرة مجلدات ضخام ، وأعد لها مطبعة خاصة تخرج على الناس بإنتاج الكاتب وحده .

وإذا علمنا أن هذا العبء الثقيل لا ينهض به في أمم الغرب غير الجماعات المتنوعة واللجان المختصة ممن يقضون أعواماً طوالاً متساندين في البحث الدائم والاطلاع الجاهد حتى يصدروا إحدى دوائر المعارف في ثقافة واحدة ، ثم تقام لهم حفلات التكريم ، وتتقاطر عليهم أوسمة التقدير ، ويمنحون على الفور أرفع الدرجات الفخرية من الجامعات العريقة .

إذا علمنا ذلك ورأينا الأستاذ وجدي ، ينهض بالعبء المرهق فيقوم به في تسع سنوات على أحسن ما يستطيع ، ويقدم للغة العربية وحده مكتبة حافلة تضم شتى المعارف الإنسانية من قديمة وحديثة ، فإننا نتساءل : كيف وجد من الأعصاب القوية والعزيمة الماضية ، والاطلاع المتشعب ما هيأ له النجاح دون أن يطمع في مأرب مادي ، أو يتعلق بجاه أدبي ، مكتفياً بما يستشعره من سعادة نفسية ، إذ يشارك في بناء الثقافة الحديثة ، ويمهد لأمته طريق المعرفة والدراية .

ومهما قيل من أن دوائر المعرفة تستنفد أغراضها لأجل محدود ؛ فإن بها من التراث الفكري ما يكفل لها البقاء التاريخي ، وإن غيرت المكتشفات الحديثة شيئاً من مقرراتها المؤكدة أو أضافت إليها من الشرح ما يسير بها إلى الكمال المنشود ؛ فإن ذلك من شأن الحياة ولن يُعَفِّيَ على جهد كادح وإنتاج خصيب ” . اهـ .

( للحديث بقية إن شاء الله )

* أمين رابطة الأدب الإسلامي العالمية بمصر .