قضية الكفر والإيمان في المجتمع البشري !

كلمة عن المجلة :   
نوفمبر 5, 2022

الافتتاحية :           بسم الله الرحمن الرحيم

قضية الكفر والإيمان في المجتمع البشري !

لما أراد الله سبحانه أن يعمر هذا الكون الأرضي والسماوي بأنواع من الخلق وألوان من الكائنات المتحركة والصامتة التي تدل دلالةً واضحةً على آثار قدرته العظيمة ، قرَّر أن يعمره بالإنسان ، ذلك الخلق الذي ميزه الله تعالى بالعقل وبيّن له جميع الزوايا التي يركز عليها طاقته البشرية ، مع أداء حقوق الخالق والمخلوق ، وعمران العالم بآثار وآليات يستخدمها في تحسين العلائق بين الخالق العظيم وخلائقه التي تنتشر بين السماء والأرض والبحار والجبال ، ذلك لكي يتسنى لكل ما بين الإنسان وغيره إيجاد علائق إيجابية بين الصغير والكبير ، وخاصةً بين الخلق المتميز ذلك الإنسان الذي يخضع أمام قدرة الخالق الجبار ويؤدي حقوقه ، وقد يتمرد رغم إنسانيته التي أكرم بها ويبتعد عن الصراط السوي الذي سماه الله تعالى ( الصراط المستقيم ) .

ولقد فرق الله سبحانه وتعالى بين الإسلام والإيمان ، فقد كان الأعراب في بدء تاريخ الإسلام لم يتمكنوا من معرفة حقائق الإيمان ودقائقه فذكّرهم الله تعالى بذلك وقال : ( قَالَتِ ٱلأَعْرَابُ آمَنَّا ، قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَـٰكِن قُولُوۤاْ أَسْلَمْنَا ، وَلَمَّا يَدْخُلِ ٱلإِيمَانُ فِى قُلُوبِكُمْ ) ، فميّز الله تعالى بين الإسلام والإيمان ، وأنه لا يرسخ في زوايا القلوب والأعمال ما لم تكن الحياة مصبوغةً في لون الإيمان الراسخ قولاً وعملاً وطاعةً ومعرفةً كاملةً لطالب الإيمان والعمل الصالح ، وتلك هي المعرفة التي يرتضيها الله سبحانه ويسجلها في كتابه الإيماني الشامل العظيم .

وفي ضوء هذه الآية القرآنية نستطيع أن نعرف أن قولة           ” الإسلام ” وأداءها باللسان لا تكفي لبناء الشخصية الإسلامية التي جاء بها رسولنا العظيم لتوطيد دعائم الإسلام بالإيمان الخالص والعمل الصالح ، ذاك أن توزيع الإنسان الذي خلقه الله تعالى من الذكر والأنثى كليهما ، بين الشعوب والقبائل لتوسعة أرضية التعارف ، لا يتحقق إلا بجوهرة التقوى والإيمان الراسخة في الدماء والعروق ، الواقع الذي كان المسلمون الصادقون في فجر التاريخ الإسلامي يمثلونه بصدق وإخلاص كاملين ، ومن ثم كانوا دعاةً صادقين ومخلصين إلى دين الله تعالى الذي علَّمه أول خلق إنساني آدم عليه السلام ، وبيّن له كل ما يحتاج إليه بنوه من أداء حقوق السماء والأرض ، وقد أشار الله سبحانه وتعالى إلى مغزى هذه الحقيقة في كتابه العظيم فقال : ( وَعَلَّمَ آدَمَ ٱلأَسْمَآءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى ٱلْمَلاَئِكَةِ ، فَقَالَ : أَنْبِئُونِى بِأَسْمَآءِ هَـٰؤُلاۤءِ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ . قَالُواْ : سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَآ إِنَّكَ أَنْتَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ . قَالَ : يَا آدَمُ أَنبِئْهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ ، فَلَمَّآ أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ ، قَالَ : أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إِنِّيۤ أَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ ، وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ) .

ومن هنا نتمكن من معرفة مكانة الإنسان المسلم الذي أكرمه الله تعالى بالتعليم لجميع ما يحتاج إليه من أسماء الحاجيات التي لا يستغني عنها في حياته الدنيوية ، أما الملائكة فلم تكن لهم حاجة إلى معرفة هذه الأسماء التي لها علاقة بالحياة في الدنيا .

ومن هنا فقد كان كتاب الله تعالى القرآن العظيم نعمةً كبيرةً وعطاءً باقياً يدوم إلى يوم القيامة في صيانة الله تعالى وعباده العلماء وحفظة وقراء هذا الوحي العظيم الذي أنزله الله تعالى على خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وسلم ، وهو يحتوي على الدستور السماوي الكامل من الله رب العالمين لحياة الإنسان والكون والعالم كله ، إنه دستور الدين الإلهي وقاعدة أساسية لبناء الإسلام الذي هو يستمر في الإفادة وإرشاد الخلق إلى الحياة السعيدة الإيمانية وهو مستمر في البقاء والإفادة وتخليد كلمة الدين وجوهرة الإسلام إلى يوم القيامة في الدنيا ، وسوف يرفعه إلى السماء يوم القيامة ، ولعله يكون كتاب أهل الجنة يعيشونه ويعملون بما قد جمعه الله سبحانه فيه من بشارة للعالمين مما جاء فيه ، وللمشتغلين بذكر الله تعالى وعبادته والاستمتاع من نعمه في جنة الخلد ، فلنقرأ الآيات من سورة  ” التطفيف ” ( إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِى نَعِيمٍ . عَلَى ٱلأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ . تَعْرِفُ فِى وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ ٱلنَّعِيمِ . يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ . خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِى ذٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ ٱلْمُتَنَافِسُونَ ) .

فلو لا كتاب الله تعالى وشموله جميع شئون الكون وقدراته تبارك وتعالى ، لكانت هذه الدنيا غيهباً من غياهب الخلق ، ولم يكن هناك تمييز بين عقل الإنسان وعقول الكائنات الأخرى فيها من المتكلمين والناطقين وغيرهم ، ولكن الإسلام هو الذي رفع شأنه وألهمه وحدانية الله تعالى وعبادته والخضوع له في كل حين وآن ، وإن كان هناك نوع منهم لم يتميزوا بالإيمان وعاشوا طبيعة الكفر والفسق وعدوهم الشيطان ، فكانت فوارق كثيرة بين قلب الإيمان وطبيعة الكفر ، وقد كُلف أصحاب القلوب المؤمنة أن لا يتغافلوا أولئك الناس الذين لم يفهموا معنى حياة المؤمن والكافر ولم يميزوا بين الكفر والإيمان ، وقالوا : الناس كلهم إنسان ، سواءً كانوا مؤمنين أو كافرين ، ولكن الحقيقة تعاكس هذه التسوية بينهما ، يقول الله تعالى :

( وَٱلْعَصْرِ . إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ . إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْحَقِّ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ ) هذا هو شأن المسلم وصاحب الإيمان ، أما غيرهم ممن لم يسعدوا بالإيمان فإنه يمثل الكفر ، كما قد قال الله تعالى وهو يخاطب أهل الكفر : ( قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلْكَافِرُونَ . لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ . وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ . وَلاَ أَنَآ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ . وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ . لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِينِ ) .

إن هذا النوع من الناس لم يكن مختاراً في أي حال وأي مكان ، بل الواقع أنه متاع مرفوض لدى أهل الطباع الصادقين ، وقد فرّقه الله سبحانه من جماعة المؤمنين بل وقد ذكره من العصاة ، وأكد أن جماعة أهل الإيمان غير أهل الكفر والعصيان .

هذه نقطة مهمة تدعونا إلى التفكير الكامل وتوجب علينا دعوة الكافرين والمنكرين إلى دين الله تعالى ، وتفرض علينا مهمة التعليم الدعوي وصبغ الحياة والمجتمع بصبغة الإيمان الثابت والعمل الصالح .

يقول الله تعالى : ( فَأَمَّا مَن طَغَىٰ . وَآثَرَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا . فَإِنَّ ٱلْجَحِيمَ هِىَ ٱلْمَأْوَىٰ . وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى ٱلنَّفْسَ عَنِ ٱلْهَوَىٰ . فَإِنَّ ٱلْجَنَّةَ هِىَ ٱلْمَأْوَىٰ ) .

سعيد الأعظمي الندوي

28/2/1444هـ

26/9/2022م