زبدة التفاسير للقدماء المشاهير لشيخ الإسلام بن قاضي القضاة عبد الوهاب الغجراتي : دراسة تحليلية ( الحلقة الأولى )

شعر الصحابي الجليل الجارود العبدي رضي الله عنه دراسة موضوعية فنية ( الحلقة الأولى )
يونيو 4, 2024
شعر الصحابي الجليل الجارود العبدي رضي الله عنه دراسة موضوعية فنية ( الحلقة الأولى )
يونيو 4, 2024

دراسات وأبحاث :
زبدة التفاسير للقدماء المشاهير لشيخ الإسلام بن قاضي القضاة عبد الوهاب الغجراتي : دراسة تحليلية
( الحلقة الأولى )
الباحث خليل الرحمن الندوي 
الحمد لله المنان الذي أنزل القرآن ، وحفظه من الزيادة والنقصان ، قال تعالى : ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) ، وقال تعالى : ( وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ) ، وبعث محمداً بالحق والفرقان ، وجعل مهمته التبيان ، والتبليغ إلى الناس كافة رسالة الرحمن ، وإخراجهم إلى وحدانية الله من الرجس والأوثان ، قال تعالى : ( وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ) ، وقال تعالى : ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ) ، وقال تعالى : ( كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ) .
وصلى الله على نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه الطيبين ، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ، الذين قال فيهم رب العالمين : ( لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ) .
أما بعد : فإن علم التفسير هو أجل العلوم وأنفعها ؛ لأنه يتعلق بكلام رب العزة والجلال ، وبذلك يعرف الإنسان ما فيه من الحلال والحرام ، والأوامر والنواهي ، فيتخلص من الأوهام والخرافات ، ويبتعد عن ارتكاب الفواحش والمنكرات ، ويطمئن قلبه إلى ما أمر به ربه ونهاه ، وتستريح نفسه بالعمل بمقتضاه ، حتى يستحق الانضمام إلى الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ، وحسن أولئك رفيقاً ، ولذلك حثنا الله على التفكر والتدبر في القرآن ، فقال : ( كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ ) ، وقال أيضاً : ( أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ) ، وقام النبي صلى الله عليه وسلم بمهمة التفسير ممتثلاً لقوله تعالى : ( وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ) ، ثم تولى الأمر في ذلك الصحابة بعده ثم التابعون ، ثم تواصل علم التفسير تدريساً وتصنيفاً حتى يومنا هذا ، ولم تتخلف أرض الهند عن المشاركة في ذلك ، فقد أنجبت كثيراً من العلماء المفسرين الذين خدموا القرآن تأويلاً وتفسيراً ، وتركوا لمن بعدهم آثاراً نفيسةً في ذلك بالعربية بالإضافة إلى اللغات المختلفة من الفارسية والهندية والأردية ، ولكن رأيت أن كثيراً من مجهوداتهم العربية في ذلك لم تظهر من مكامنها ، ومنها : ” زبدة التفاسير للقدماء المشاهير ” لشيخ الإسلام بن قاضي القضاة عبد الوهاب الغجراتي ، فقد قمت بتحقيقه من البداية إلى النهاية . وسلكت في ذلك على ما يأتي :
1. جعلت النسخة التي كانت في مدرسة كنز مرغوب بفتن ثم تملكها شيخنا الفاضل عبد القادر الندوي الغجراتي أصلاً ، وذلك لأسباب ، وهي :
الأول : كانت توجد هذه النسخة في مولد المؤلف .
الثاني : كانت الأخطاء فيها أقل قليلاً بالنسبة إلى النسخة الثانية .
الثالث : وجدت على هامش مقدمتها عبارة تدل على أن المؤلف كتبها بنفسه أو أملاها على أحد من أقربائه ، وهي : ” وقد أخذت وانتخبت في هذا التفسير من أهم التفاسير …. ” .
2. رمزت لهذه النسخة (غ) .
3. رمزت للنسخة التي توجد في مكتبة رضا برامفور (ر) .
4. اقتبست الآيات القرآنية من المصحف ، ووضعتها بين القوسين المزهرين باللون الأحمر ، اللهم إلا الآيات التي تخللت التفسير ، فلم أضعها بين القوسين المزهرين ، وكتبتها باللون الأسود .
5. كل ما وجدت في النسختين من الأخطاء في إثبات النصوص القرآنية ذكرتها في الحاشية .
6. وجدت بعض الهوامش في نسخة (غ) فوضعتها في المتن بين القوسين ؛ اعتقاداً أنها من المؤلف ، وقمت ببيانها في الحاشية .
7. وجدت بعض الهوامش في نسخة (ر) ، فوضعتها في الحاشية ؛ اعتقاداً أنها من الناسخ ، وذلك لأنها تتعلق بعلم القراءات ، والمؤلف أعرض عن ذكر القراءات إعراضاً كلياً ، وبين في المقدمة أنه اقتصر على قراءة حفص فقط .
8. حيثما وجدت زيادة حرف أو كلمة أو كلمات في (ر) ، لا تتعلق بالصحة ولا بسياق المتن فذكرتها في الحاشية ظنّاً أنها من أخطاء الناسخ .
9. قمت ببيان الفروق بين النسختين في الحاشية .
10. كل ما وجدت من التصحيف في نسخة (غ) ذكرته في المتن كما هو ، وقمت بتصويبه في الحاشية .
11. ربما أحال المؤلف إلى ما سبق ذكره قائلاً : مر تفسيره ، ولم يقم ببيان السورة والآية التي سبق فيها التفسير ، فقمت ببيان ذلك في الحاشية .
12. أحياناً إيجاز المؤلف في الكتاب أدى إلى الغموض والفساد في المعنى ، فحاولت القيام بإيضاحه وتصويبه في الحاشية .
13. عنيت بمراعاة القواعد الإملائية الحديثة ، وعلامات الترقيم خلال البحث .
14. قمت بعزو الآيات التي تخللت التفسير إلى اسم السورة ورقم الآية فيها في الحاشية .
15. خرجت الأحاديث والآثار وأسباب النزول التي وردت خلال التفسير ، وحاولت الحكم عليها بالصحة أو الضعف مع الاعتناء بذكر أحكام الأئمة النقاد على الأحاديث والآثار ، وذلك كله في الحاشية .
16. حاولت التنبيه إلى ما ورد خلال التفسير من الروايات الإسرائيلية في ضوء من قام بهذا العمل من العلماء المحققين ، وذلك أيضاً في الحاشية .
17. قمت بشكل الأعلام والألفاظ التي يخاف عليها الالتباس .
18. عنيت بشرح الكلمات الغريبة ، والتعليق على ما يحتاج إلى التعليق .
19. قمت بترجمة بعض الأماكن والأعلام الذين ورد ذكرهم خلال التفسير ، وحاولت أن لا تتجاوز الترجمة من ثلاثة أسطر .
20. قمت بتوثيق النقول التي نقلها المؤلف .
ذيلت العمل بالفهارس المتنوعة ، منها : فهرس الكتب الواردة أسماؤها في هوامش نسخة غجرات.فهرس القبائل الواردة أسماؤها في هذا التفسير . فهرس الأماكن الواردة أسماؤها في هذا التفسير . فهرس الأعلام المترجمين . وما إلى ذلك .
تحقيق اسم المؤلف :
قمت بتتبع اسمه في كتب التاريخ والتراجم فوجدت أن خافي خان ، وشاهنواز خان ، وساقي مستعد خان ، وإن المؤرخ الكبير العلامة عبد الحي الحسني ، وسعيد حسن بن محمد مرتضى الحسيني الندوي ، والمجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية ، وأليف الدين ترابي ، والدكتور علاؤ الدين ، والدكتور سالم القدوائي ، والسيد صباح الدين عبد الرحمن المرحوم ، ومحبوب حسين بن أحمد حسين كلهم ذكره باسم ” شيخ الإسلام ” حتى رأيت أن المفسر سماه نفسه في مقدمة تفسيره بهذا الاسم ، فقال : ” أما بعد : فيقول أضعف عباد الله الملك التواب شيخ الإسلام بن قاضي القضاة قاضي عبد الوهاب ، … إلخ ” ، وثبت هذا الاسم في شجرة نسبه التي توجد عند واحد من سلالته ، يسمى دلاور حسين القاضي بفتن ، ولكن ذكر الأستاذ أبو ظفر الندوي أن شيخ الإسلام هو لقبه دون أن ينبه إلى اسمه ، وقال أيضاً : ” إن الله سبحانه وتعالى وهبه أولاداً ذكوراً ، منهم أكرم الدين ، وهو الذي قرأ على الشيخ نور الدين الصديقي ، ولقبه الملك المغولي شاه عالم بن عالمغير بشيخ الإسلام ، ومنحه الصدارة بأحمد آباد غجرات ، فأنشأ بها مدرسةً عظيمةً ومسجداً كبيراً وأنفق في بنائهما أموالاً ضخمةً تبلغ مائة ألف وأربعاً وعشرين ألفاً ” ، فقمت بالبحث عن أكرم الدين الموصوف بما ذكره الأستاذ السيد أبو ظفر الندوي ، وظفرت بأن المؤرخ العلامة عبد الحي قد ذكر ترجمته قائلاً : ” أكرم الدين بن محي الدين بن القاضي عبد الوهاب الحنفي الأحمد آبادي الكجراتي ، أحد العلماء البارعين في المعقول والمنقول ، ولد ونشأ بمدينة أحمد آباد ، وقرأ العلم على الشيخ نور الدين بن محمد صالح الكجراتي ، ولي الصدارة بأحمد آباد ، لقبه شاه عالم بن عالمكير الدهلوي شيخ الإسلام خان ، ومن مآثره الجميلة : مدرسة هدايت بخش بأحمد آباد ، وأنفق على عمارتها مائة ألف وأربعاً وعشرين ألفاً من النقود الفضية ” .
ويمكن الاستشهاد على ذلك بأن أسماء الأولاد لقاضي القضاة عبد الوهاب قد ثبتت في شجرة النسب التي كانت عند دلاور حسين القاضي الفتني ، ولكن لم أجد فيها ذكر محي الدين ، ولعل محي الدين هو شيخ الإسلام ، ولكن الكاتب فيها اكتفى عنه بذكر اللقب ، والله أعلم بالصواب .
نسبه :
هو القاضي شيخ الإسلام بن قاضي القضاة عبد الوهاب بن أحمد بن محمد بن طاهر الفتني الأحمد آبادي الغجراتي ، قال النواب صديق حسن خان القنوجي في ترجمة محمد بن طاهر الفتني : إنه صديقي النجار ، واستشهد على ذلك بقول عبد الله بن طرفة الأنصاري المكي في مدح تلميذه الشيخ عبد القادر بن الشيخ أبي بكر المتوفى 1138هـ ، وهو من أحفاد الشيخ محمد بن طاهر الفتني :
قد كان جد أبيك بل ضريـــحـــه من أوحد العلماء والفضلاء
أعني محمد بن طاهر من مــنجر الصديق حققه من غير مراء
وبه قال الأستاذ أبو ظفر الندوي ، وذكر نسبه إلى أبي بكر الصديق في ضوء ما في شجرة النسب .
وقال الأستاذ تقي الدين الندوي في ترجمته : ” يرى معاصره المحدث عبد الحق الدهلوي ( ت 1052هـ ) أنه كان هندي الأصل نسباً من جماعة البوهرة ، ويؤيده العلامة المرتضى البلكرامي الزبيدي ( ت 1205هـ ) ، والمؤرخ عبد الحي الحسني ( ت 1341هـ ) ” ، ثم أضاف قائلاً : ” لا خلاف بين العلماء على أنه كان من البوهرة ، وهذا لا يخالف أن يكون عربياً أو هندي الأصل ؛ لأن لفظ البوهرة تطلق على الجميع الذين كانوا يشتغلون بالتجارة ” .
وقال الشيخ يعقوب بن يوسف بدكودروي : ” الحق الحقيقي الذي بالقبول يليق أن الشيخ محمد بن طاهر نفعنا الله ببركاته كان هندي النجار ” .
قلت : ما قال الشيخ يعقوب بن يوسف هو الصواب عندي ؛ لأن محمد بن طاهر الفتني صرح بنفسه ذلك فقال : ” فقال أضعف عباد القوي الولي محمد بن طاهر بن علي الفتني الهندي مسكناً ونسباً .
مولده :
بذلت جهوداً مضنيةً في الوقوف على تاريخ ولادته ومكانها كما حاولت الوقوف على شيوخه وتلاميذه ، ولكن لم أتمكن من العثور على مصدر يذكر ذلك ، اللهم إلا مكان ولادته ، فقد قال دلاور حسين القاضي : إنه وُلد بفتن ، ونشأ بها . وتأكد بقوله : إن الأراضي التي يسكنها أهله بفتن هي من ممتلكات شيخ الإسلام ، ورثتها أباً عن جد منه .
قلت : ويمكن الاستئناس على هذا بما ذكر الأستاذ أبو ظفر الندوي أن والده قاضي القضاة عبد الوهاب الغجراتي ، ولد ونشأ بفتن ، وقام بإكمال الدراسة بها ، فلما فرغ من طلب العلم جعله الملك المغولي شاه جهان قاضياً بفتن ، فلم يزل بها إلى أن ولي عالمغير أورنغ زيب الدكن ، فتقرب إليه ، وتولى قضاء المعسكر .
نشأته وأسرته :
فتح شيخ الإسلام عينيه وترعرع في أسرة علمية دينية ، لها صلات قوية بالعائلة الحاكمة ، فكان أبوه عبد الوهاب الغجراتي عالماً فقيهاً متديناً ، قد اعترف بعلمه وفضله الملك المغولي شاه جهان وعالمغير ففوضا إليه أمر القضاء ، قال المؤرخ عبد الحي الحسني في ترجمته : ” الشيخ العالم الفقيه قاضي القضاة عبد الوهاب الحنفي الأحمد آبادي الكجراتي . ولاه الملك المغولي شاه جهان بن جهانغير القضاء بفتن ، واستقل به زماناً ، فلما ولي عالمغير على بلاد الدكن ، تقرب إليه ، وولي قضاء المعسكر ، ثم لما جلس عالمغير على سرير الملك تولى القاضي عبد الوهاب القضاء الأكبر بدلهي ، فصار قاضي قضاة الهند ، ونال من الملك منزلةً عظيمةً ” .
وقال خافي خان : ” إنه بلغ ما لم يبلغ إليها أحد من القضاة قبله من المكانة المرموقة والرتبة حتى إن الأمراء كانوا يخافونه ” .
وقال شاه نواز خان : ” إنه أطلق له العنان الملك المغولي عالمغير في تنفيذ الحكم والقضاء كيفما يشاء ” .
وما زال القاضي عبد الوهاب الغجراتي بمنصب القضاء الأكبر حتى وافاه الأجل المحتوم في الثامن عشر من رمضان سنة ست وثمانين وألف بدلهي .
وأما جد شيخ الإسلام أحمد فهو أيضاً عالم متدين ، وأما جد أبيه محمد بن طاهر الفتني فكان عالماً جهبذاً ، ومحدثاً عظيماً ، لقبه الملك المغولي أكبر بشيخ الإسلام ، وربط بيده العمامة على رأسه ، وحثه على إقلاع الخرافات المهدوية من فتن ، فامتثل بأمر الملك ، وقام بنصر السنة والذب عن الإسلام ، وترك لمن بعده كتباً قيمةً ذات المهام ، ومن أهم مؤلفاته : تذكرة الموضوعات ، ومجمع بحار الأنوار في غرائب التنزيل ولطائف الأخبار ، وطبع هذا الكتاب في خمسة مجلدات بدائرة المعارف العثمانية حيدر آباد سنة 1387هـ تحت إشراف المحدث حبيب الرحمن الأعظمي .
قال المؤرخ عبد الحي الحسني في ترجمة محمد بن طاهر : ” كان رحمه الله من البوهرة المتوطنين بغجرات الذين أسلم أسلافهم على يد الشيخ علي الحيدري المدفون بكنباية ، ومضى لإسلامهم سبع مائة سنة ، وعامتهم يكسبون المعاش بالتجارة كما يدل عليه اسم البوهرة ، ومعناه في لغة الهند التاجر ، وكانوا في العقائد على مذهب الشيعة الإسماعيلية وبعضم سنيون ، أرشدهم إلى طريق أهل السنة جعفر بن أبي جعفر الغجراتي ، وكان إسماعيلياً ، فهداه الله سبحانه وتعالى ، وقام بنصر السنة جزاه الله عنا وعن سائر المسلمين ” .
مكانته العلمية :
كان شيخ الإسلام رحمه الله غزير العلم ، وسيع الثقافة ، ذا همة عالية في تحصيل العلم ونفع الأمة الإسلامية ، قد من الله عليه بمنحه علم التفسير والفقه والنحو والبلاغة كما اعترف بفضله وعلمه العلماء الآخرون ، ويشهد بذلك كتابه هذا الذي أتناول تحقيقه .
لم يتخلف شيخ الإسلام عن الإسهام في إثراء المكتبات تصنيفاً ، فقد ترك لمن بعده من الأجيال ثلاثة كتب قيمة نافعة ، وهي :
1. زبدة التفاسير للقدماء المشاهير .
2. مناقب مولانا محمد بن طاهر الفتني ، ولم أتمكن من العثور على هذا الكتاب .
3. المنتخب من إحياء علوم الدين ، وذكرته البروفيسور الدكتورة مه جبين أختر قائلةً : ” رتب شيخ الإسلام بن القاضي عبد الوهاب الصديقي الكجراتي كتاباً منتخباً من إحياء علوم الدين لحجة الإسلام أبي حامد زين الدين محمد الغزالي ، وهي مخطوطة تشتمل على 437 صفحة ، ونسخت بخط النسخ عام 1727م ” . ولما يتيسر لي الوصول إلى هذا الكتاب .
مذهبه الفقهي :
كان رحمه الله على المذهب الحنفي ، ويقوم بتأييده وتقويته ، وحسبك دليلاً ما يلي :
تفسيره آيات الأحكام وفق المذهب الحنفي كما صرح بذلك في مقدمة تفسيره فقال : ” وقد وقع في ذهني العليل عند تلاوة كلام الله الجليل … ، ومبيناً آيات الأحكام على مذهب الإمام أبي حنيفة النعمان ” ، وعلى سبيل المثال قال المؤلف في تفسير قوله تعالى : ( فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ ) أي : حتى تعلموا أن الهدي بلغ مكانه الذي نحره فيه ، وهو الحرم ” ، قلت : فقد ذهب الشافعي وغيره إلى أن المراد بقوله تعالى : ( حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ ) هو مكان الإحصار .
قال المؤرخ الكبير عبد الحي الحسني في ترجمته : ” هو أحد مشاهير الفقهاء الحنفية ” .
ورث شيخ الإسلام هذا المذهب أباً عن جد ، فقد ثبت أن جد أبيه محمد بن طاهر كان حنفي المذهب ، واعترف بذلك محمد بن طاهر أيضاً بقوله : ” فقال أضعف عباد القوي الولي محمد بن طاهر بن علي الفتني الهندي مسكناً ونسباً ، والحنفي مذهباً ” .
زهده وورعه :
كان رحمه الله مصداقاً لقوله تعالى : ( إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ) ، فأودع الله سبحانه وتعالى في طبيعته الزهد والورع والصلاح والتقى ، وقام بتطهير نفسه من الوقوع في الشكوك والشبهات ، والدليل على ذلك ما ذكره خافي خان أنه لما مات أبوه ترك مائتي ألف أشرفي وخمس مائة ألف روبية فضلاً عن الجواهر الثمينة والأثاث العائلية الوافرة ، ولكن شيخ الإسلام لم يأخذ حظه من الميراث ، بل قسمه بين الفقراء والمساكين ؛ رجاء أن يكون ذلك مغفرة لأبيه ، وابتعاداً عما يرتمي أباه بعض الحساد بالارتشاء .
توليه منصب القضاء ثم النزول عنه :
لما مات أبوه عبد الوهاب الغجراتي في عام 1086هـ عرض عليه الملك المغولي أورنغ زيب عالمغير أن يتفضل بقبول منصب القضاء مكان أبيه ، فأنكر شيخ الإسلام ذلك أولاً ، لكن لما رأى أن الملك يأبى إلا قبوله ، فقبله كرهاً ، واستقل به زماناً مع القيام بواجباته بالأمانة والصدق والقول بالحق حتى عند السلطان ولو كان يخالفه ، ولا يخاف في ذلك لومة لائم ، ولا غضب غاضب ، قال شاهنواز خان : ” لما أراد الملك المغولي عالمغير أن يقهر ملوك بيجافور وحيدرآباد استفتاه في ذلك فأجاب بما يخالفه ” .
مع أن شيخ الإسلام قبل هذا المنصب ، ولكن طبيعته كانت تأبى ذلك ، ولم يطمئن إليه قلبه ، فاعتذر إلى الملك من البقاء على ذلك ، فأبى الملك أن يقبل معاذيره أولاً ، ولكن لما رأى إلحاحه على ذلك ، ولم يجد سبيلاً لتطمين قلبه إلى ذلك قبل معذرته في عام 1094هـ على أن يعرض عليه اسماً يكون ملائماً بهذا المنصب الجليل ، فعرض عليه اسم الزوج لأخته السيد أبي سعيد ، فولاه الملك القضاء مكانه .
رحلته للحج :
بعد ما نزل شيخ الإسلام عن منصب القضاء هزته نفسه الزكية الطاهرة أن يتهيأ للخروج إلى مكة المكرمة ، ويقوم بأداء فريضة الحج ، فأعد عدته ، وسافر إليها في عام 1096هـ ، فحج ومكث بمكة سنة ، ثم عاد إلى الهند ، وسكن بأحمد آباد ، واشتغل بعبادة الله والتضرع إليه عن الدنيا وزخارفها .
وفاته :
نظراً لما في طبيعة شيخ الإسلام من الأمانة والتدين والصدق والإخلاص أراد الملك المغولي أورنغ زيب عالمغير أن يفوض إليه القضاء مرةً ثانيةً ، وألح عليه المجيئ إلى عاصمة المملكة دلهي ، وبالغ في الإلحاح ، فلما لم يجد شيخ الإسلام للإنكار سبيلاً دعا الله سبحانه وتعالى أن يقيه من لقاء الملك ، وارتحل من أحمد آباد كرهاً لقبول القضاء ، فلما كان في طريقه إلى دلهي استجاب الله لدعائه ، وقبض روحه إلى رحمته في عام 1109هـ ، فتأسف السلطان بموته تأسفاً شديداً . أسأل الله المولى الكريم أن ينور مرقده ، ويغفر زلاته ، ويتغمده برحمته ورضوانه ، ويجعله في جنة الفردوس الأعلى .
ثناء العلماء عليه :
لقد حظي شيخ الإسلام بمنزلة عالية ومكانة مرموقة ؛ لما أعطاه الله سبحانه وتعالى من العلم الوافر والصدق والإخلاص والتحري للحق ، فأثنى عليه غير واحد من العلماء والمؤرخين ، ومن ذلك :
قال المؤرخ العلامة عبد الحي الحسني : ” الشيخ العالم الكبير العلامة شيخ الإسلام بن قاضي القضاة عبد الوهاب الحنفي الأحمدآبادي الكجراتي أحد مشاهير الفقهاء الحنفية ، انتهت إليه الإمامة في العلم والعمل والزهد والورع والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع الصدق والأمانة والعفة والصيانة وحسن القصد والإخلاص والابتهال إلى الله تعالى وشدة الخوف منه ” .
وقال مستعد خان : ” إنه عالم رباني ، قد وهبه الله ذهناً متوقداً ونفساً زكيةً ” .
وقال شاهنواز خان : ” في الواقع إنه مظهر من الصدق والإخلاص والأمانة والديانة ” .
وقال خافي خان : ” كان شيخ الإسلام أكبر أولاد أبيه سناً وقدراً ، خصه الله سبحانه تعالى بسمات عالية ، فرزقه العلم والعمل والصلاح والتقى والزهد والورع ، وأنه في الحقيقة شيخ الإسلام بهذه الصفات الممتازة ” .
وأثنى عليه الدكتور سالم القدوائي قائلاً : ” كان شيخ الإسلام أميناً ، صادقاً ، عالماً متديناً ، آمراً بالمعروف وناهياً عن المنكر ، متورعاً ، زاهداً في الدنيا وزخارفها ” .
أولاده :
تشهد شجرة النسب التي كانت عند دلاور حسين القاضي الفتني بأن الله سبحانه تعالى قد وهبه أولاداً ذكورا وإناثاً ، وأسماؤهم فيما يلي :
1. محي الإسلام .
2. أكرم الدين محمود خان .
3. إكرام على خان وزير دهلي .
4. بي بي زاهده بانو خير النساء .
( للبحث صلة )