ذكرى من تاريخ ندوة العلماء

قضية الكفر والإيمان في المجتمع البشري !
نوفمبر 5, 2022

والصحافة الإسلامية العربية فيها

الافتتاحية :           بسم الله الرحمن الرحيم

ذكرى من تاريخ ندوة العلماء

والصحافة الإسلامية العربية فيها !

لقد كان تأسيس ندوة العلماء في الهند أيام الاحتلال الإنجليزي في هذه البلاد ، وقد أُنجز ذلك باجتماع نخبة من علماء البلاد طولاً وعرضاً ، كان قد تم وضع حجر أساسها بيد علامة الهند الشيخ محمد علي المونجيري ، وجعل شعارها الحي ” الجمع بين القديم الصالح والجديد النافع ” ، وقد تم ذلك في عام 1892م ، فكانت القاعدة الأساسية التي لم تتنازل عنها في أي زمن ولا في أي حال ، وقد كان أمام عين المؤسس الكريم ( رحمه الله تعالى ) ومؤسسيها عند تأسيس هذه المأثرة التاريخية ، قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه : ” كلِّموا الناس على قدر عقولهم ، أتريدون أن يكذب الله ورسوله ” .

أما الأهداف المتميزة التي تبنتها ندوة العلماء فتلخصت في إعداد جيل متحمس لبناء الحياة على أساس الدين الإسلامي المتعمق وإصلاح المقررات التعليمية ودحض الخلافات في بناء الجيل الإسلامي النموذجي ، مع نشر قواعد الإسلام الجامعة في أرجاء المعمورة كلها .

يقول سماحة العلامة السيد أبي الحسن علي الحسني الندوي الذي وسّع هذه الجزيرة العلمية والدينية ، وتحمّل مسئولية توسعتها وتطبيقها على جميع النواحي ، ونشرها في أوساط العلم والثقافة والدين في كل زمان ومكان ، يقول في مناسبة تاريخية لتأسيس ندوة العلماء ودار علومها في كتابه التاريخي ” المسلمون في الهند ” :

” تأسست ندوة العلماء ودار العلوم التابعة لها على مبدأ التوسط والاعتدال ، والجمع بين القديم الصالح والجديد النافع ، وبين الدين الخالد الذي لا يتغير ، والعلم الذي يتغير ويتطور ويتقدم ، وبين طوائف أهل السنة التي لا تختلف في العقيدة والمنصوص ، وقامت من أول يومها على الإيمان بأن العلوم الإسلامية علوم حية  نامية ، وأن منهاج الدراسة خاضع لناموس التغير والتجدد ، فيجب أن يتناوله الإصلاح والتجديد في كل عصر ومصر ، وأن يزاد فيه ، ويحذف منه ، بحسب تطورات العصر ، وحاجات المسلمين    وأحوالهم ” [1] .

ثم قامت بفضل الله تعالى وعونه ندوة العلماء كحركة تعليمية توجيهية فجعلت ضمن أهدافها الأساسية إصلاح المنهج التعليمي على أساس العلم والدين ، وقد أصابت المحز حينما عقدت ندوات ومؤتمرات وجلسات تعليمية كثيرة ، حتى تكوَّن اتجاه لإصلاح المنهج التعليمي ، فأخرج منهاج الدراسة كتب الفلسفة والمنطق التي لا حاجة إليها في هذا العصر الجديد ، وزاد مقدار دراسة اللغة العربية وآدابها لأن اللغة العربية والأدب العربي مفتاح كنوز الكتاب والسنة .

يقول أستاذنا الكبير العلاّمة السيد أبو الحسن علي الحسني الندوي نجل مؤرخ الهند الإسلامي الكبير العلاّمة الشريف السيد عبد الحي الحسني ، وهو يتحدث عما وجدت اللغة العربية من الاعتبار إثر تأسيس ندوة العلماء ودار علومها :

” عنيت دار العلوم بصفة خاصة بالقرآن الكريم – الرسالة الخالدة – وتدريسه ككتاب كل عصر وجيل ، وعنيت باللغة العربية التي هي مفتاح فهمه وأمينة خزائنه ، ووجهت عنايتها إلى تعليم هذه اللغة الكريمة كلغة حيّة من لغات البشر يُكتب بها ويُخطب ، لا كلغة أثرية دارسة لا تجاوز الأحجار أو الأسفار كما كان الشأن في الهند ” .

قام رجال ندوة العلماء وأبناؤها قبل الجميع بهذه الخطوة الثورية التي كانت تعتبر بدعةً لدى كثير من الناس ، وركزوا على هذه النقطه تركيزاً قوياً ووضعوا منهجاً جديداً للتعليم الديني وجعلوا اللغة العربية هي لغة تدريس المواد العلمية وخاصةً أنقذوا الأدب العربي من ذلك الحصار الضيق الذي كان محبوساً فيه بين ” المقامات الحريرية ” و ” نفحة اليمن والعرب ” و ” ديوان المتنبي ” إنهم أخرجوه لأول مرة إلى الجوّ الواسع حيث تنفس الصعداء ، ونال مجالاً واسعاً جداً للتطور والتقدم والتوسع ، فخرج من أساليب السجع والقوافي والتصنيع المشين إلى أسلوب طبعي أصيل ، ودخل في جميع أصناف العلم والفن ، وعرف الناس أن الأدب العربي ليس كما كانوا يزعمون محصوراً بين عدة كتب لا يمكن أن يتجاوزها إلى غيرها من الشئون الحيوية والثقافات المتنوعة ، وأن اللغة العربية أصعب اللغات لا يمكن التكلم بها والتعبير بها عن ذوات الصدور .

لقد كان لهذه الخطوة الثورية في مجال تعليم اللغة العربية دوي في جميع الأوساط العلمية والأدبية ، أرغم رجال التعليم والتربية في المراكز والمدارس الإسلامية على التفكير في هذا الموضوع والانتفاع بالتجربة الجديدة التي قامت بها ندوة العلماء في هذه البلاد .

وعكف رجال ندوة العلماء بغاية من الصبر والعزم الأكيد رغم مخالفات ظهرت في ذلك الوقت من بعض الجهات على تمثيل الأدب العربي في جميع مجالات العلم والثقافة ، فدأب في صمت مديرها الكبير العلاّمة السيد عبد الحي الحسني ” رحمه الله ” المتوفى عام ( 1341هـ – 1923م ) الذي عُرف فيما بعد بمؤرخ الهند الإسلامي الكبير ، على تأليف تاريخ الهند برجالها وأعيانها وعهودها الإسلامية وثقافتها وحضارتها ومراكزها العلمية وآثارها التاريخية ، وألف من غير أن يقوم بأي دعاية ، تاريخ الهند الإسلامي الواسع باللغة العربية الذي غطي آلاف الصفحات ، وذلك كأول خطوة في مجال بعث اللغة العربية والاعتناء بها وتحيقيقاً للثورة الأدبية التي نادى بها علماء ندوة العلماء ورجالها والمسئولون عنها ، وأداءاً للواجب الذي يعود إلى العلامة الحسني كأكبر مسئول لندوة العلماء في زمنه .

وقد ظهرت الصحافة العربية في ندوة العلماء عندما رأى المسئولون عنها أن مهمة رفع مستوى اللغة العربية واعتبارها لغةً حيةً إنما هي حاجة أكيدة للبلاد ، وإن هذه الحاجة لا تتحقق إلا بتعريف الصحافة العربية وتعميمها في جو المدارس الإسلامية ، فكان صدور مجلة ” الضياء ” كلسان حال لندوة العلماء تحقيقاً لهذا الغرض وسداً لهذا الفراغ ، فقد صدرت هذه المجلة تحت إشراف العلامة الكبير السيد سليمان الندوي  وأستاذنا الكبير العلامة الشيخ محمد تقي الدين الهلالي المراكشي ، وكان رئيس تحريرها العلاّمة مسعود عالم الندوي ، ظهر العدد الأول في شهر مايو عام 1932م الموافق محرم الحرام عام 1351هـ ، وأحرز في مدة قليلة ثقة العلماء وقبولاً حسناً لدى الشعب لفصاحة لغتها وصحة تعبيرها وموادها الدسمة وموضوعاتها الشيقة ، واستمرت إلى أربع سنوات ، ثم احتجبت .

وبعد عشرين سنة من احتجاب مجلة ” الضياء ” استأنفت الصحافة العربية سيرها في ندوة العلماء ، وقدّر الله سبحانه وتعالى أن يطلع من أفق ندوة العلماء مجلة شهرية باسم ” البعث الإسلامي ” ، وكان من أهداف المجلة :

  1. رفع مستوى اللغة العربية والأدب العربي في الهند .
  2. توثيق الصلات الأدبية والثقافية بين المدارس في الهند .
  3. إنشاء روابط ثقافية بين طلاب المدارس العربية وشباب العالم العربي .
  4. توجيهات رشيدة للطلبة في الدراسة والتعليم .
  5. بعث الروح الإسلامية والأدبية في الشباب .

وقد صدر أول عدد للمجلة في صفر 1375هـ ، الموافق أكتوبر 1955م متميزاً بالمقالات الإسلامية والأدبية والعلمية تحت رئاسة تحرير الأديب الكبير الراحل الأستاذ السيد محمد الحسني رحمه الله تعالى ، ونال قبولاً في الأوساط العلمية والأدبية ، وظلت المجلة منذ صدورها محتفظةً بأسسها ودعائمها ، ومنهجها المقرر لها ، ولم تتنازل عنها قيد شعرة ، وهي تتميز بالأصالة والمعاصرة بفضل الله وكرمه .

وقد بدأت هذه المجلة اليوم مسيرتها الجديدة ، وهي المجلد التاسع والستون ، ونالت لفتةً كريمةً من العلامة الأديب الشيخ السيد محمد الرابع الحسني الندوي حفظه الله ( رئيس ندوة العلماء ) ، وبهذه المناسبة ندعو الله أن يجعل لها الاستمرارية والقبول في المستقبل ، والله ولي التوفيق .

سعيد الأعظمي الندوي

9/5/1444هـ

3/12/2022م


[1] المسلمون في الهند ، ص 124 ، للعلامة الندوي ، طبع المجمع الإسلامي العلمي ، لكناؤ ، 1407هـ –  1987م .