الهدي المنهاجي للدعاة رسل الهداية

مكانة الصحابة رضي الله عنهم في ضوء الكتاب والسنة
يونيو 4, 2024
مكانة الصحابة رضي الله عنهم في ضوء الكتاب والسنة
يونيو 4, 2024

الدعوة الإسلامية :
الهدي المنهاجي للدعاة رسل الهداية
بقلم : الدكتور علي رابحي – المغرب
مقدمة :
الدعوة فن يجيده الدعاة الصادقون باعتبارهم ورثة الأنبياء عليهم السلام ، فالداعية مطالب ابتداءً بتقوى الله عز وجل في الميثاق الذي يحمله من معلم الخير نبي الرحمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، والإتقان في أداء الأمانة الملقاة على عاتقه بكل مسؤولية ، وأداء الرسالة كما أرادها الله سبحانه وتعالى . لأن الدعاة هم رسل الهداية ومشاعل الحق والخير وقادة السفينة ، فبصلاحهم تصلح الأمور ، وأي خطأ يرتكبونه سيؤثر لا محالة على الأمة .
ولابد للداعية من زاد علمي ، وإلمام بلوازم الدعوة وأساليبها ووسائلها الكفيلة بإعانته على أداء مهمته وتبليغ رسالته على الوجه السليم .
وقد وضع القرآن الحكيم معالم الخطاب الديني ، ورسم منهج الدعوة في آية كريمة من سوره المكية ، وذلك حين قال الله تعالى : ( ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ) [ النحل : 125 ] .
فالخطاب في الآية موجه إلى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ، ومن خلاله إلى الأمة من بعده ، وخاصةً للدعاة رسل الهداية ، للدعوة إلى هذا الذين .
وفي هذا يقول أيضاً القرآن الكريم مخاطباً الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم : ( قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) [ يوسف : 108 ] .
ويضيف سبحانه وتعالى في مواقف أخرى : ( وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ ) [ السجدة: 24 ] ( وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ . وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ) [ فصلت : 33 – 34 ] . ( وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) [ آل عمران : 104 ] .
من خلال هذه الآيات الكريمات وغيرها ، نستخرج أركان الدعوة وما تيسر من عناصرها ، علماً أن الركن هو ما لا يتصور وجود الشيئ إلا به ، لذا هو شرط وجوب .
أركان الدعوة أربعة هي :
(1) الداعية أو الداعي .
(2) المدعو .
(3) المدعو إليه أو الرسالة .
(4) الدعوة نفسها .
وهذه الأركان تحتاج إلى وقفات وشروط .
المبحث الأول من شروط الدعوة والهداية :
في العمل الإسلامي نسعى دائماً إلى الكمال ، أي مرتبة الإحسان واختيار الفعل الحسن الممكن . لذلك سنبحث عن العناصر الخادمة لأركان الدعوة ، والتي تعتبر شروط كمال في ممارسة الدعوة .
يقول الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه العزيز : ( قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) [ يوسف : 108 ] .
نقف في هذه الآية على عنصرين في الدعوة :
العنصر الأول . البصيرة :
والشاهد عندنا ( عَلَى بَصِيرَةٍ ) أي على الحجة والعلم واليقين ، كقوله تعالى في آية أخرى : ( بَلِ ٱلإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ ) [ القيامة : 14 ] ، أي حجة على نفسه .
والبصيرة في تحققها لابد من طلبها على وجوه ثلاثة ، هي :
(أ) فقه الدين ، أو فقه الرسالة ، أو فقه ما تدعو إليه .
(ب) فقه الواقع الذي تمارس فيه الدعوة .
(ت) فقه التنزيل أو فقه الدعوة والتبليغ .
(أ) فقه الدين أو فقه الرسالة أو فقه ما تدعو إليه :
يقول محمد الغزالي : ” إن الدعوة الإسلامية تحصد الشوك من أناس قليلي الفقه كثيري النشاط ، ينطلقون بعقولهم الكليلة ، يسيئون ولا يحسنون . . . إننا نخطئ وليس في ذلك عجب ، ولكن العجب أن يبقى الخطأ وأن نصر عليه !! والأعجب أن يمضي بعضنا في طريق الانحراف وهو لا يدري . . أو لعله يحسب نفسه على صواب ” . أي في ظنهم يحسنون صنعاً .
فلا شك أن الله سبحانه وتعالى بحكمته وعلمه ورحمته وعدله ، وبصفاته هذه الكثيرة المتجلية في الإسلام ، جعل كل حكم شرعي هو وعاء لجزء من علم الله وحكمته ورحمته وعدله ، وبالتالي فكل إنسان يعمل بالحكم الشرعي فهو يستفيد من هذه الصفات الإلهية بقصد أو غير قصد ، والمخالف فوتها على نفسه .
فلا يصح أن تكون الدعوة بدون علم ، فأول خطاب الله سبحانه وتعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم ، ومن خلاله إلى كافة المسلمين هو ( اقْرَأ ) [ العلق : 1 ] .
(ب) فقه الواقع الذي تمارس فيه الدعوة :
الواقع الذي لا يمكن أن نوقفه ، غير أنه يمكن أن نؤثر في أفراده . فنقيس الواقع بمقياس ما ندعو إليه .
وهو ينقسم بأفراده إلى ثلاثة أقسام :
(1) قسم يوافق ما جاء به الشرع ، وأفراده هم أصل لبداية الدعوة ومنطلقها .
(2) قسم مخالف ورافض للشرع ، فالدعوة معهم تأتي على إتيان الجديد ، لأنهم مرتبطون ارتباطاً بالأشياء ، فلا يؤمنون إلا بتقديم البدائل عن أشيائهم ، فيجعلونها وسائط في إيمانهم .
(3) قسم بين هذا وذاك ، يوافق الشريعة في الظاهر ويخالفها في المقصد ، والتعامل مع هؤلاء يتم :
أولاً – بالبحث عن القواسم المشتركة معهم ومواضع الاتفاق للتقرب إلى قلوبهم ، ثم بعد ذلك محاولة تغيير ما هو مخالف للشرع ؛ ولهذا كانت رسائل سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم إلى ملوك أهل الكتاب مختومةً بهذه الآية : ( قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ ) [ آل عمران : 64 ] .
ثانياً – بوضع الإنسان المدعو في قيمة ما فعله هو ، وهي الطريقة التي فعلها الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم مع أبي بن كعب عندما عرفه أن العلم ليس هو دائماً الجديد ، ولكن معرفة قيمة ما تعلم . فقد روى الإمام أحمد بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن أبي بن كعب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” ألا أعلمك سورةً ما أنزلت في التوراة ولا في الزبور ولا في الإنجيل ولا في القرآن مثلها ؟ قلت : بلى ، قال : ” فإني أرجو أن لا أخرج من ذلك الباب حتى تعلمها ، ثم قام رسول الله فقمت معه ، فأخذ بيدي فجعل يحدثني حتى بلغ قرب الباب ، قال : فذكّرته فقلت : يا رسول الله ! السورة التي قلت لي ، قال : فكيف تقرأ إذا قمت تصلي ؟ فقرأ بفاتحة الكتاب ، قال : هي هي ، وهي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيتُه ” ، فلم تكن السورة العظيمة التي ارتقب هذا الصحابي تعلمها من رسول الله صلى الله عليه وسلم سوى سورة الفاتحة .
(ت) فقه التنزيل أو فقه الدعوة والتبليغ :
إن تنزيل الدعوة من خلال توجيه القرآن الكريم يعتمد أساساً للنظر إلى الناس بالرحمة .
قال الله سبحانه وتعالى : ( لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ) [ التوبة : 129 ] .
من خلال هذه الآية الكريمة تتمثل مظاهر الرحمة في العزة والحرص :
(ت) (1) العزة :
الشاهد عندنا قول الله تعالى : ( عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ ) يشق عليه عنتكم ؛ أي أن كلما أصاب الإنسان من الحزن ، إلا ووقع ذلك في قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ وكل ما وقع له من الفرح ، إلا وسبق ذلك إلى قلبه صلى الله عليه وسلم . قال الله سبحانه وتعالى: ( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ) [ آل عمران : 159 ] .
(ت) (2) الحرص :
الحرص إصرار وتمسك ، ويتجلى حرص رسول الله الكريم صلى الله عليه وسلم على هداية الأمة في كثير من مواقفه ؛ منها عندما اشتد أذى المشركين عليه صلى الله عليه وسلم ، فنزل ملك الجبال عليه السلام ، وقال : ” إن شئت أطبقت عليه الأخشبين ” ، فرد عليه نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم معترضاً : ” لا إني أسأل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئاً ” .
ويتكرر هذا المشهد مع النبي نوح عليه السلام الذي لم ييأس من دعوة ابنه العاق كنعان ، فقال له لحظة الطوفان : ( يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا ) ، وفي الخطاب إشارة إلى النجاة المادية من الطوفان والمعنوية بالإيمان . لأن كنعان كان لا يعرف حلاوة الإيمان ، فخاطبه بما يعرف وهو الركوب . والشاهد قوله : ( وَلا تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ ) .
ومما يعين على الحرص ، الرضا بالإشارات التي يرسلها المدعو على قلتها . فهذا الشيطان نفسه يقنع بالقليل ، ليخرج المدعو إلى ساحته ، ويصرفه عن الأهم إلى المهم ؛ فالأولى أن يرضى الداعية بالقليل ويمارس هذا المنطق . فعن عبد الله بن عباس رضي الله عنه ، أنَّ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ خطبَ النَّاسَ في حَجَّةِ الوداعِ فقالَ : ” إنَّ الشَّيطانَ قَد يَئسَ أن يُعبَدَ بأرضِكُم ، ولكنْ رضِيَ أن يطاعَ فيما سِوى ذلكَ مما تَحاقَرون من أعمالِكُم فاحذَروا إنِّي قد ترَكْتُ فيكم ما إنِ اعتصمتُمْ بِهِ فلن تضلُّوا أبداً ، كتابَ اللَّهِ وسنَّةَ نبيِّهِ ” ، أي أن الشيطان أيس أن يعبد في أرضكم هذه ، لكنه يقنع بالقليل من خطاياكم ” .
العنصر الثاني . عدم الإشراك :
الشاهد عندنا قول النبي نوح عليه السلام على لسان القرآن الكريم : ( وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) .
عدم الإشراك هو الإخلاص في الدعوة والعمل ، فإذا دخل في مقصد الداعي إلى الله غير الله عز وجل فسدت الدعوة ، كأن يتطلع الداعية إلى مكاسب دنيوية زائلة وإلى حطام فان .
قال الله سبحانه وتعالى : ( مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ ) [ آل عمران : 79 ] .
المبحث الثاني : وقفات مع آيات في أصول الدعوة وصفات الداعية :
الفرع الأول : مستفادات من قول الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه العزيز : ( ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ) [ النحل : 125 ] .
نقف في هذه الآية على ثلاثة عناصر في الدعوة :
العنصر الأول . الحكمة :
الشاهد عندنا في قوله تعالى : ( ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ ) [ النحل : 125 ] .
قلت في كتابي الموسوم بـ ” عيون الحكم النورسية ” : ” الحكمة هي إما قول ، أو فعل ، أو قول وفعل : ما ينبغي ، متى ينبغي ، أين ينبغي ، كيف ينبغي ، لمن ينبغي . فهي مرتبطة بالزمان والمكان والإنسان ، أي راهنية الزمان الصادرة فيه ، وظرفية المكان الصادرة منه ، وخبرة الإنسان الصادرة عنه . وسيلتها الإنسان ، وغايتها الإنسان نفسه . غير أنها تصبح مع الوقت تراثاً ثقافياً إنسانياً عالمياً يستنير به الإنسان في كل زمان ومكان ” . وقد عرفها الأستاذ الطاهر بن عاشور في التحرير والتنوير على أنها تصرف على مقتضى الحال ” . فالحكمة ليست قالباً جاهزاً وإنما ينبغي للداعية أن يكون حادقاً ويخاطب الناس على ما تستسيغه عقولهم لا بما يعجزون عن فهمه . قال الخليفة الراشد علي رضي الله عنه : ” حدثوا الناس بما يعرفون ودعوا ما ينكرون ، أتريدون أن يكذب الله ورسوله ” . وليس من الحكمة أن تكلم الناس في الفرعيات ولا الجزئيات وهم يخالفون الأصول .
ومثال تأصيل الحكمة في التعامل مع الناس مسألة التداين ، فبنص القرآن الكريم الأصل في التداين هو الكتابة ، غير أنه يمكن من باب الحكمة في بعض الحالات أن يكون برهان مقبوضة لضمان الحق ، وفي حالات أخرى إذا كان المدين أحد الأقارب يصير التعامل بقوله سبحانه وتعالى : ( فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً ) [ البقرة : 283 ] .
وليس من الحكمة التنازل إلى درجة السخرية والاستهزاء ، قال الشاعر العراقي أحمد مطر :
أأقول للكلب العقور تأدباً دغدغ بنابك يا أخي أشلائي
العنصر الثاني . الموعظة الحسنة :
الشاهد عندنا خطاب الله تعالى الموجه إلى رسوله صلى الله عليه وسلم ، ومن خلاله الخطاب موجه إلى كل الدعاة : ( ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ) .
إذا كانت الدعوة بالحكمة تخاطب العقول فتقنعها ، فإن الموعظة الحسنة تخاطب القلوب والعواطف فتؤثر فيها وتحركها .
فهناك صنف من الناس لا يستجيبون إلا بالترغيب والترهيب والرقائق ، فهم يتشربون القصص ويتأثرون بها . كقصة الشخص الذي عود نفسه حمل التسبيح والإكثار من ذكر الله نتيجة تأثره بقصة الإمام أحمد مع الخباز ، ذلك أن الخباز كان كثير الذكر فسأله الإمام أحمد قائلاً : ” إن العبد إذا أكثر الذكر ، استجاب الله له ، فما هي الدعوة التي لم يستجيب لك الله بعد ” ؛ فرد الخباز : ” دعوت الله أن أرى الإمام أحمد ” . فقال الإمام أحمد : ” أنا هو ، وقد جرني الله إليك جراً ” .
العنصر الثالث . الجدل الحسن :
الشاهد عندنا خطاب الله تعالى الموجه إلى رسوله صلى الله عليه وسلم ، ومن خلاله الخطاب موجه إلى كل الدعاة : ( وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) .
إذا كانت الدعوة بالحكمة تخاطب العقول فتقنعها ، والموعظة الحسنة تخاطب القلوب والعواطف فتؤثر فيها وتحركها ؛ فهناك صنف من الناس يرفضون الدعوة ، وهم الكفار ؛ وهذا النوع يتم التعامل معه بالانطلاق من القواعد المسلمة لإسقاط حججهم بالجدل وإفحامهم بالتي هي أحسن .
قال الله سبحانه وتعالى : ( وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ) [ العنكبوت : 46 ] .
الفرع الثاني . مستفادات من قول الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه العزيز : ( وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ . وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ) [ فصلت : 33 – 34 ] .
نقف في هذه الآية على ثلاثة عناصر في الدعوة :
العنصر الأول . القول الحسن :
الشاهد عندنا قول الله تعالى : ( وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ . . . ) .
على الداعية اختيار أرق العبارات وأخف الأساليب ليؤنس المدعوين ويقربهم منه بأسلوب رفيق رقيق .
العنصر الثاني . العمل الصالح :
الشاهد عندنا قول الله تعالى : ( . . . وَعَمِلَ صَالِحًا . . . ) .
هي دعوة بالحال تؤيد الدعوة بالمقال ، أي انسجام قول الداعية مع فعله ، فتتمثل القدوة في نفسه ، وليعلم أن خطأه أعظم من خطأ غيره . والشاهد الثاني في القرآن الكريم قول شعيب عليه السلام لقومه : ( قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىَ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ) [ هود : 88 ] .
كذلك على الداعية أن يتمثل الصدق ، فلا يخالف ظاهره باطنه .
قال الله سبحانه وتعالى : ( فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ . وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ) [ الزمر : 32 و 33 ] .
العنصر الثالث . الاعتزاز بالإسلام :
الشاهد عندنا قول الله تعالى : ( . . . إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ . . . ) . أي الاعتزاز والافتخار بالانتماء إلى الإسلام ، وأنه داعية ومسلم ، كما قال الشاعر نهار بن توسعة : ” أبي الإسلام لا أب لي سواه ” .
المبحث الثالث : نماذج من الأنبياء والمرسلين وصور من أخلاقهم في الدعوة إلى الله تعالى :
الفرع الأول . مستفادات من قول الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه العزيز : ( وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ ) [ السجدة : 24 ] .
نقف في هذه الآية على عنصرين في الدعوة :
العنصر . الأول الصبر :
الشاهد عندنا قول الله تعالى : ( وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا ) . الصبر هو زاد الطريق في هذه الدعوة ، إنه طريق حافل بالعقبات والأشواك ، مفروش بالدماء والأشلاء . قال الشاعر أبو يوسف المالكي :
الصبر كالصبر في تذوقه لكن عواقبه أحلى من العسل
فكما أن الصبر هو حبس النفس على ما تكره ، فالصبر كذلك يعين عليه الأمل ، وكلما فقد الأمل كان متعذراً حصول الصبر . والصبر شرط أكيد لتُنال الإمامة في الدين .
قال الله وتعالى : ( فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلاً ،إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا ، وَنَرَاهُ قَرِيبًا ) [ المعارج : 5 – 7 ] .
العنصر الثاني . اليقين :
الشاهد عندنا قول الله تعالى : ( وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ ) .
على الداعية أن يوقن بأن هذا الدين سينتصر .
رحم الله الداعية المجدد الأستاذ حسن البنا الذي اشتهر أنه قال : ” كونوا بها ، فإن لم تكونوا بها ، فلن تكونوا بغيرها ، وتكون بغيركم ” .
الفرع الثاني . مستفادات من قول الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه العزيز : ( قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى .فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِّثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لّا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنتَ مَكَانًا سُوًى .قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَن يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى ) [ طه : 57 – 59 ] .
نقف في هذه الآية على عنصرين في الدعوة :
العنصر الأول . الفرصة :
الدعوة إلى الله هي فرصة ، بالإضافة إلى كونها وظيفةً مستمرةً .
فهذا موسى عليه السلام يتحدى فرعون ، ويختار الوقت الاجتماعي المناسب ليقدم الدليل على دعوته على قاعدة ” إن كنت مدعياً فالدليل ، وإن كنت ناقلاً فالصحة ” ، فاختار أن يجمع الناس يوم الزينة أي يوم عيدهم ، لأنه لا شغل فيه ، ووقت الضحى ، لأنه وقت غير باكر ولا متأخر .
العنصر الثاني . حضور الداعية :
حضور الداعية بشخصه وفكره واهتمامه وفعله ضروري جداً .
( وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ) [ إبراهيم : 4 ] .
فالأصل أن يكون الرسول من قومه ، وليس وافداً عليهم بدليل النص القرآني ، غير أن هذا الانتماء القبلي ليس شرطاً حتى لا تكرس القبلية والجهوية .
وتبرز ضرورة حضور الداعية من خلال النماذج التالية :
نموذج النبي شعيب عليه السلام :
اقرأ معي قول الله تعالى في سورة الشعراء : ( كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ . إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ . إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ) [ الشعراء : 106 – 107 ] .
ومثل ذلك قوله تعالى : ( كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ . إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلا تَتَّقُونَ ) [ الشعراء : 123 – 124 ] . وقوله سبحانه : ( كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ . إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلا تَتَّقُونَ ) [ الشعراء : 141 – 142 ] . وقوله تعالى : ( كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ . إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلا تَتَّقُونَ ) [ الشعراء : 160 – 161 ] .
ولم تخالف سورة الشعراء هذا التعبير إلا في الحديث عن شعيب عليه السلام ، فقال تعالى : ( كَذَّبَ أَصْحَابُ لْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ . إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلا تَتَّقُونَ ) [ الشعراء : 176 – 177 ] .
فغاير القرآن الأسلوب هنا ، وقال : ( إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلا تَتَّقُونَ ) ، ولم يقل : إذ قال لهم أخوهم شعيب .
والسر في ذلك أن شعيباً لم يكن من أصحاب الأيكة ، بل كان غريباً عنهم ، وإنما كان من مدين ، ولهذا قال في سورة الأعراف ، وفي سورة هود : ( وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً ) .
نموذج النبي موسى عليه السلام :
حضور الداعية الفعلي ضروري ، وليس المعنوي ضرورياً لتذكير المدعوين بما بينه وبينهم من عهد ، وتتجلى هذه الضرورة في قصة موسى عليه السلام الذي دعاه الله إلى ميثاقه ، فاستغل السامري غياب موسى عليه السلام وفتن القوم ، فخاطب الله سبحانه وتعالى موسى عليه السلام مؤنباً إياه : ( وَمَا أَعْجَلَكَ عَن قَوْمِكَ يَا مُوسَى ،قَالَ هُمْ أُولاء عَلَى أَثَرِي ، وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى . قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ ) [ طه : 81 – 82 ] ، أي لما تعجلت وابتعدت عن قومك .
فموسى عليه السلام تجاذبه الجانب الروحي التعبدي الشخصي ، والجانب الدعوي والحضور في القوم ، فغلب الأول على الثاني ؛ فمن حيث المقصد كان الاستعجال جللاً ، أما من حيث المنهج الدعوى ففيه خلل . والأصل هو التوازن في المسألتين ، لأن كلاهما واجب .
نموذج النبي نوح عليه السلام :
( قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلا وَنَهَارًا ، فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلاَّ فِرَارًا ، وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا ، ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا ، ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا ، فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا ، يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا ، وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا ، مَّا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا ) [ نوح : 5 – 14 ] .
هذا هو نوح عليه السلام ، كان قومه يحبونه ، أما الفرار فكان زيادةً على حبهم له ؛ فلم تكن الزيادة على الأصل ، بل زيادة أصل .
ونستخلص من تجربة نوح عليه السلام استغلال كل الوقت ، وبكل الطرق والوسائل ، علاوةً على الترغيب والترهيب .
خاتمة :
هذه نظرات من وحي الوحي إلى الدعاة رسل الهداية القائمين بوظيفة البلاغ ، ومعالم ومقتضيات بثها الله جل في علاه في كتابه المبين ، ليستكشفها الداعية ويتحلى بها ، فكل مسلم داعية ، مأمور بالدعوة إلى دينه بصورة ما ، وبطريقة ما ، كما قال الله تعالى : ( قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) [ يوسف : 108 ] .
وصورة الدعوة تختلف من شخص لآخر ، حسب الاستطاعة والإمكان .
يقول الداعية الأستاذ يوسف القرضاوي رحمه الله : ” كل ما في الأمر أن صورة الدعوة تختلف من شخص لآخر ، حسب الاستطاعة والإمكان : فهناك من يدعو إلى الله بتأليف كتاب أو كتب . وهناك من يدعو إلى الله بإلقاء محاضرة في جامعة أو في مركز ثقافي . وهناك من يدعو إلى الله بإلقاء خطبة جمعة في مسجد أو إلقاء درس ديني فيه . وهناك من يدعو بالكلمة الطيبة ، والصحبة الجميلة ، والأسوة الحسنة . وهناك من يدعو بالإنفاق على الدعاة ، أو على نشر إنتاجهم ، أو على تأسيس مركز للدعوة ، على نحو ما قال عليه الصلاة والسلام : ” من جهز غازياً في سبيل الله فقد غزا ” .
ونحن نقيس عليه فنقول : من جهز داعياً إلى الله فقد دعا .