الشيخ محمّد الرابع الحسني الندوي أديباً ألمعيّاً ، وكاتباً بارعاً

خدمات الشيخ السيد محمد الرابع الندوي في إثراء مكتبة  السيرة النبوية
ديسمبر 11, 2023
خدمات الشيخ السيد محمد الرابع الندوي في إثراء مكتبة  السيرة النبوية
ديسمبر 11, 2023

رجال من التاريخ :

الشيخ محمّد الرابع الحسني الندوي

أديباً ألمعيّاً ، وكاتباً بارعاً

الدكتور محمّد شرف عالم *

الحمد لله ربّ العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد وآله وأصحابه أجمعين ، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين . وبعد !

فإنّ الشيخ محمّد الرابع الحسني يُعتبر أحد العلماء البارزين في الهند وخارجها ، قد أعطاه الله مواهب متنوعةً نحو التعليم والتربية ، والدعوة والإصلاح ، والتزكية ، والإدارة والقيادة ، ويُعرف بفكره السالم ، ورأيه السديد ، وموقفه الصحيح ، وكان كئيباً بما يشاهده من أحوال أبناء الإسلام السيئة ، وتباعدهم عن الدين ، واقتحامهم في الشهوات ، وتوغّلهم في اللذّات ، وكان متألّماً بما يراه من أوضاع العالم الإسلاميّ ولا سيّما في العالم العربيّ من تصرّفات لم تتطابق مع الدين والشريعة ، وكان أستاذاً جليلاً ، وأديباً ألمعيّاً ، وإداريّاً خبيراً ، يُعرف بحلمه ، وتواصعه ، وبصيرته ، وقلبه الرقيق ، وطبعه اللين ، وحديثه الحلو ، وعزيمته القويّة .

وُلد الشيخ محمّـد الرابع الحسني السادس من شهر جمادى الأولى 1348هـ المصادف في السابع عشر من شهر أكتوبر 1929م في قرية         ” تكية كلان ” ، في مديرية رائي بريلي في الولاية الشماليّة ، أترابراديش ، الهند في أسرة كان شعارها منذ زمن طويل ” الجمع بين العقيدة السلفيّة النقيّة ، وبين الربانيّة الصحيحة ” ، وهي قرية تاريخيّة ، أنجبت صالحاً من أهل العلم ، وخالصاً من أهل الدعوة ، ونقيّاً من أهل المجاهدة .

تربّى الشيخ محمّد الرابع الحسني وترعرع في بيت العلم والصلاح ، والدعوة والإرشاد ، والتعليم والتربية ، والتزكية والإحسان ، وبدأ دراسته الابتدائيّة في قريته ، ثمّ ارتحل إلى لكناؤ ، والتحق بدارالعلوم التابعة لندوة العلماء ، وقرأ على خاله الشيخ أبي الحسن علي الحسني الندوي كتب الأدب واللغة والعلوم الشرعيّة ، ثمّ التحق بجامعة ندوة العلماء ، وأخذ العلم من كبار الأساتذة في عصره ، وأتمّ دراسته العالية والعليا في دارالعلوم لندوة العلماء ، بلكناؤ ، الهند عام 1948م ، من حيث ارتوى من مناهلها العلميّة والأدبيّة والثقافة الإسلاميّة ، وأخذ الحديث النبويّ من العلامة الشيخ حليم عطاء شيخ الحديث بدارالعلوم لندوة العلماء ، والشيخ حميد الدين ، كما استفاد من مشايخ عصره ، وقضى سنةً تعليميةً في دارالعلوم بديوبند ، الهند ، واستفاد من رجال العلم والفكر في الحجاز من أواخر 1950م إلى أواخر 1951م . وقد حصلت له الإجازة من المحدّثين الكبار بالهند ، كما نال الإجازة من كبار المحدّثين من أهل العرب ، فقد صرف جهداً جهيداً في الحصول على العلم ، ولازم العلماء الكبار في الحصول على العلوم والفنون بصفة عامّة ، كما لازم خاله الشيخ الإمام أبا الحسن علي الحسني الندوي في الحصول على علوم اللغة العربيّة وآدابها والفكر الإسلامي الممتاز بصفة خاصّة . فارتوى من منهل علمه وفكره ، ولازم صحبته في الحلّ والترحال ، حتى صار في منزلة خليفته بعد ما لحق برفيقه الأعلى في ندوة العلماء ، وانتخب في المجامع العلمية ، والهيئات الدينية ، والمدارس الإسلاميّة ، والمراكز الدينيّة .

وقد نال صيت الشيخ الآفاق ، واستلفت رسالة ندوة العلماء ومنهجها الوسط أنظار العالم إليها ، كأن الدنيا وجدت ضالتها ، فنالت شخصيّة الشيخ قبولاً عاماً لدى أصحاب الفكر الإسلاميّ ، والدعوة الإسلاميّة ، والتربيّة الإسلاميّة ، والتزكية الخالصة ، وتوسّع نطاق عملها ، وانتشرت فروعها في أطراف البلدان المختلفة ، وقد فتحت أقسام جديدة ، وتوسعت فروعها منتشرة في أنحاء الدول ، ولم يتزحزح عن هدفها ، وثبت في وجهها كالصخرة الصمّاء .

وعُين أستاذ الأدب العربي والدعوة الإسلامية في دارالعلوم لندوة العلماء 1949م ، ولازم صحبة الإمام أبي الحسن علي الحسني في رحلاته ، فارتحل معه إلى الحجاز في عام 1950م ، وغبر أكثر من سنة قضاها في الدعوة وحصل على العلم من منابع العلم والمعرفة فيه ، واستفاد من العلامة ابن باز ، والعلامة عبد الله بن حميد ، والشيخ ناصر الدين الألباني ، والعلامة محمد تقي الدين الهلالي المراكشي ، والشيخ أمين الشنقيطي ، والشيخ السيد علوي المالكي ، والشيخ محمّد علي الحركان ، والشيخ عبد الله الخياط ، واجتمع بالشيخ صالح القزاز ، والأستاذ علي حسين فدعق ، والشيخ أحمد محمّد جمال وغيرهم ، ثمّ رجع إلى لكناؤ ، فشغل منصب أستاذ مساعد للأدب العربي في دارالعلوم لندوة العلماء في عام 1951م ، وانتخب رئيس قسم الأدب العربي في جامعة ندوة العلماء عام 1955م ، واختير عام 1970م عميد كلية اللغة العربية في جامعة ندوة العلماء ، وعيّن عام 1993م مدير دارالعلوم لندوة العلماء بعد وفاة مديرها الشيخ محب الله الندوي ، واختير 1998م نائب رئيس دارالعلوم لندوة العلماء ثم عيّن رئيساً عامّاً لندوة العلماء عام 2000م بعد ما قضى سماحة الإمام سيّد أبي الحسن علي الحسني الندوي نحبه ، كما انتخب عام 2003م رئيس هيئة قانون الأحوال الشخصية الإسلاميّة لعموم الهند بعد وفاة رئيسها القاضي مجاهد الإسلام القاسمي في عام 2002م ، ونائب رئيس رابطة الأدب الإسلامي العالمية ، ورئيسها لشبه القارّة الهنديّة والدول الشرقيّة في عام 2022م .

ويعتبر الشيخ محمّد الرابع الحسني من كبار المؤلّفين في شبه القارة الهنديّة في الفكر الإسلاميّ ، وعلم الاجتماع التربويّ ، والتاريخ الإسلاميّ ، والأدب الإسلاميّ العربيّ .

بعض آثاره الأدبيّة والعلميّة :

جزيرة العرب : هذا الكتاب من سلاسل المقرّرات الدراسيّة ، واستلفت مسؤلو ندوة العلماء الشيخ محمد الرابع الحسني إليه ، وقد أحسّوا بوضع كتاب حول جزيرة العرب تاريخها وجغرافيّتها ، ولازموه بتأليف كتاب حولها ، ولها أهميّة تاريخيّة ، وخطورة دينيّة ، وعناية سياسيّة ، وموقع خاصّ بوقوع وسط العالم ، وبكون أوّل بيت وضع للناس فيها ، فمن يتعلّم الأدب العربي شعراً ونثراً ، ويشعر بحاجة إلى معرفة تلك البلدان المتنوعة ، ويصعب عليه الاستفادة من فهم النصوص حول السيرة النبويّة ، وتاريخ العهد الأول من الإسلام ، وهو يحتوي على ذكر الأماكن ، وطبائع القبائل ، ويحصل على بغيته في هذا الكتاب الثمين .

واتّجهت همّة المؤلّف إلى جمع المعلومات من مصادر قديمة وحديثة من لغات مختلفة ، وانقضت حياة الشيخ في هذا العمل الشاقّ سنواتٍ ، وسعى فيه سعياً مشكوراً ، وطبع لأوّل مرّة بالأردية في سنة 1962م ، ثم تتابع الطبع تلو الطبع ، وقرر تدريسه في المقرر الدراسيّ بدارالعلوم التابعة لندوة العلماء ، وفي المدارس التابعة لها في أنحاء الهند .

صدر هذا الكتاب طبعاً حديثاً أنيقاً معرّباً في ثوب نظيف باسم    ( جزيرة العرب تاريخيّاً ، ثقافياً وجغرافياً ) واهتمّ به الأستاذ محمد فرمان الندوي ونقله إلى العربيّة وقسّم الكتاب إلى خمسة عشر باباً مع خرائط ملوّنة ، وتناول توسعة الحرمين الشريفين عبر التاريخ على الهامش ، وذكر أطراف الآيات ، والأحاديث ، والأبيات ، وثبت المراجع والمصادر .

القرآن الكريم سفينة نجاة للإنسانيّة : كان الشيخ محمد الرابع الحسني في انهماك الكتاب الإلهي ، وتناول فكراً صحيحاً ، واعتبر القرآن منهجاً ودستوراً للحياة البشريّة ، وتضمّن له السعادة الكاملة ، ووفّر له جميع ما يحتاج إليه في شعب الحياة المختلفة من الأمن والسلام ، ولم يتحقّق السلام العالميّ سوى تطبيق النظام القرآني في العالم البشريّ .

ويبرز هذا الكتاب ” القرآن الكريم سفينة نجاة للإنسانيّة ” من بين الكتب المؤلّفة حول القرآن وعلومه ، ومقتضياته ، وكُتب باللغة السهلة الواضحة ، وبالأسلوب الأدبيّ السلسال ، ويتحاشى عن الغموض والإبهام ، والتكلّف ، وتمتاز مكانته المرموقة بين الصحائف السماويّة الأخرى ، ويحتوي على الهداية الإنسانيّة ، والموعظة الحسنة ، فمن يجعله هادياً يتيسّر له معرفة رضا الله بأحسن طريق ، ويكون مصدراً للهداية الإنسانيّة ، وتتفجّر منه ينابيع الحكمة ، ويتدفّق منه اليقين الكامل ، ويرتوي أفراد الإنسان من هذا المنهل العذب الثرثار ، ولكن – مع الأسف الشديد – اليوم تجاهلت الإنسانية عن تعاليمه ، وحصل لها الحرمان على الإيمان بالحياة الأخرويّة ، فينبغي لها أن تتمسّك بمبادئ القرآن الأساسية ، وهو هدىً للناس ، وشفاء لما في الصدور ، وتعتصم الإنسانيّة اليوم في ضرورة قصوى بالتمسّك به ، وبموضوعاته الأخلاقيّة ، وتوجد فيه تعاليم العدل والقسط والشهادة بالحقّ ، ويدعو إلى الأمن والسّلام ، والبعد من الفتن ، وقد نقله إلى العربية أيضاً الأستاذ محمد فرمان الندوي ، وصدرت طبعته الأولى من المجمع الإسلامي العلمي بلكناؤ ، كما صدرت طبعته الثانية من دار القلم بدمشق .

سراجاً منيراً سيرة خاتم النبيين : ألّف الشيخ محمد الرابع الحسني هذا الكتاب في آخر عمره باللغة الأرديّة بأسلوب سهل وعذب ومقنع ، وفي قالب علميّ وأدبيّ ، نقله إلى العربيّة الأستاذ محمد وثيق الندويّ ، ثم نُقل إلى الهنديّة والإنجليزيّة ، ونال قبولاً واسعاً في الأوساط العلميّة والدينيّة في شبه القارة الهنديّة ، ووضّح فيه جوانب إنسانيّّةً وخلقيّةً من حياة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ، وعرضه النبيّ الأميّ كمنقذ الإنسانيّة التائهة في متاهات الضلالة ، ويحتوي على عشرة أبواب ، ويجد القارئ في بدايته مقدّمةً علميّةً عن السيرة النبويّة ومراحل تدوينها ، ومؤلّفات مرموقةً فيها ، وعبّر عن العمالقة الذين قدّموا سيرة نبيّهم إلى أمته على كلّ شيئ من حياتهم من بداية القرن الأوّل إلى نهاية القرن المنصرم . وطُبع له بالأردية أكثر من ثماني طبعات .

الأدب العربيّ بين عرض ونقد : قدّم الشيخ محمد الرابع الحسني في هذا الكتاب تطوّر الأدب العربيّ عبر العصور المختلفة ، وبدأ من العصر الجاهليّ ، وانتهى إلى العصر الحديث ، وعرض فيه الأعمال الخطيرة من الأدب والشعر ، تاريخ الأدب العربيّ ، وذكر أساليبه الأدبيّة ، وقيمته الثقافيّة .

وبرز الشيخ محمد الرابع الحسني في هذا الكتاب بأسلوبه الجذّاب والممتاز في تحليل الأعمال الأدبيّة المختلفة ، وأثّرها على النصوص والقرّاء ، واعتنى بالشخصيّات ، واهتمّ بالرموز ، وقدر على توجيه النقد للأعمال الأدبيّة ، وأكّد على أهمّيّة فهم النصوص باعتبار السياق التاريخي والثقافي .

وأضاف الشيخ محمد الرابع الحسني إلى هذا الكتاب مواد مهمةً في مجال النقد الأدبيّ ، وأثر الأدب في المجتمع ، والأدباء ودورهم ، وعمل الوعيّ الجماعيّ .

تاريخ الأدب العربيّ ( العصر الإسلامي ) : ناقش الشيخ محمد الرابع الحسني في هذا الكتاب نظرةً عامّةً ، وازدهر الأدب العربيّ خلال العصر الإسلاميّ ، وتناول الأعمال الأدبيّة الممتازة في فترة العصر الإسلاميّ .

الأدب الإسلاميّ وصلته بالحياة : اعتنى الشيخ محمد الرابع الحسني بالعلاقات القويّة بين الأدب الإسلاميّ والحياة اليوميّة ، وارتبط الأدب الإسلاميّ بمناحي الحياة المختلفة ، واستعرض تجارب المجتمع وصعوباته ، وكوارثه اليوميّة ، وذكر دور الأدب في تصوير الحقائق ، وعبّر عن القضايا الاجتماعيّة ، والمسائل الثقافيّة والقيم الأخلاقيّة .

الأدب الإسلاميّ فكرته ومنهاجه : قدّم الشيخ محمد الرابع الحسني في هذا الكتاب فلسفة الأدب الإسلاميّ ، ومنهجه ، وصرّح بتمحور الأدب الإسلاميّ حول قضايا الأخلاق ، وتحدّث بمفهوم الشعر الإسلاميّ ، وتطرّق إلى التعبير عن المشاعر والأفكار ، وتبادل علاقات الأدب الإسلاميّ المهمّة بالحياة اليوميّة ، ووفّر فهم فلسفة الأدب الإسلاميّ العميق ومنهجه ، وساهم في تنمية الوعي الثقافيّ والأدبيّ ، وعزّز القيم الأخلاقيّة .

منثورات من أدب العرب : ألّف الشيخ محمد الرابع الحسني هذا الكتاب ، فنال القبول العام بين الأوساط العلميّة ، وحقّق صيتاً كبيراً ، وأصبح جزءاً من المقرّرات الدراسيّة في المدارس والجامعات في مشارق البلاد ومغاربها ، وقدّم فيها نماذج أدبيّة من عصور مختلفة ، وبدأ من العصور الإسلاميّة الأولى ، وانتهى إلى الأدب الحديث ، وقدّم أمثلة من الأعمال الأدبيّة الكلاسيكيّة والمعاصرة من الشعر والنثر والخطابة .

وأصبح وسيلةً لمعرفة تاريخ الأدب العربيّ عبر العصور ، وساهم في نقل الثقافة الأدبيّة إلى الطلّاب والقرّاء ، وتقوّى فهم الأدب العربيّ العميق ، وقيمه الفكريّة والجماليّة .

وصار هذا الكتاب مرجعاً مهمّاً في دراسة الأدب العربيّ ، ولاقى إقبالاً ورواجاً بين الأوساط العلميّة في المدارس والجامعات كمرجع للاستفادة .

خاتمة :

يُعتبر الشيخ محمّد الرابع الحسني رجلاً فذّاً عملاقاً ، ورجلاً يستنفد جميع إمكانياته في حلّ مشاكل متنوّعة تطرق إلى أبناء الإسلام كسيل عارم بدون تخلّف ، ويحمل قنديل الفكرة السليمة الصافية ، ويسبغ عليهم نعمة الأمن والسلامة ، ويرشدهم إلى سبيل الرشاد ، ويحميهم عن تيّارات الفتن ، ويصبح كالظليم الذي يذبّ عن فراخه عن الطوارق والمتاعب التي تتوسّل إليهم .

وكانت في شخصيّة الشيخ محمّد الرابع الحسني مزايا متنوّعة ، فكان في جانبٍ عالماً ربّانيّاً ، وأديباً ألمعيّاً ، وأستاذاً عطوفاً ، وصحافيّاً قديراً ، وإداريّاً خبيراً ، وفي جانبٍ آخر ممتازاً بأخلاقه الفاضلة ، وأعماله الحسنة ، ومتميّزاً بإنجازاته المتتابعة ، ومجهوداته المتلاحقة ، وساكتاً مثل البحر ، ومتواضعاً مثل الأرض ، وقادراً مثل الجبل ، ومرتفع عزمه الأكيد مثل السماء ، ولم تجد في وقته أحداً بين أقرانه يماثله في أوصافه العالية ، ودرجاته الشامخة ، وصفاته الحميدة .

وكانت حياته حافلةً بالدعوة إلى الله ، والإصلاح للناس ، والبناء للإنسانيّة ، وكان مهتمّاً في مقالاته القيّمة وبحوثه السامية ، وكتبه مملوءة بالحكمة والموعظة الحسنة ، وتحلّ كلّها قضايا المجتمع الإسلاميّ والمجتمع الإنسانيّ التي يكابدها أفراد البشر ويواجهها الإنسانيّة ، وظل متوجّهاً إلى حلّ المشاكل الاجتماعيّة ، فأصبح الناس يعيشون إسلاماً أينما حلّوا سواء في مراكز التعليم كالجامعات ، والكليّات ، المدارس ، أو في كلّ الأعمال ، أو في البيوت ، أو في الشوارع ، أو في كلّ مرافق الحياة .

وتطرّق الشيخ محمّد الرابع الحسني في مقالاته إلى مواضيع مختلفة لمعالجة القضايا الاجتماعية ، وصوّر فيها تصويراً صادقاً عمّا كان يواجه المجتمع العالميّ عامّةً ، والمجتمع الهندي خاصّةً من المأساة والتخلّف علماً وسياسيّاً وأدبيّاً وثقافيّاً ، وفتح نافذةً جديدةً لمعالجة القضايا الاجتماعيّة ، وكانت صحبته فيّاضةً كما يتبلور أثر الثقافة والإصلاح في كلّ كتاباته ، للدعوة والتوجيه الإسلاميّ طرقاً مختلفةً من التأليف والوعظ والتدريس والصحافة ، وجال في الدول العربيّة والإسلاميّة والأوروبيّة ، وشاهد أحوالها بنظر عميق ، فكانت مقالاته حول الموضوع حديثاً لرجال الفكر والدعوة في توجيه الشعب من النواحي كلّها ، وعصر فيها من تجاربه الواسعة ، ومشاهداته المرموقة ، وكانت مجالسه علميّة وإصلاحيّة ، وتُعقد بعد صلاة العشاء في دار ضيافة ندوة العلماء ، ويشارك فيها أساتذة الدار وطلّابها وعامّة الناس من أهل الثقافة والعلم في مدينة لكناؤ ، ويجتذب إليها قلوبهم ، وتمتّعوا باستثمارها .

وقد حظيت ندوة العلماء في حياته الطيّبة بشهرة ممتازة ، وتوصّل صوتها إلى القارات بأسرها ، وتوسّعت دوائرها ، وتكاثر عدد خرّيجها في وقته بكثرة كاثرة ، وكان عهده تحت إشرافه عهداً مشرقاً ، ووقف كلّ حياته الجليلة لندوة العلماء ولأعمالها اللامعة ، وكان مثالاً للسلف الصالح ، وكانت حياته أنموذجاً سامياً حتى لحق برفيقه الأعلى يوم الخميس 21 من رمضان المبارك 1444هـ المصادف 21 من أبريل 2023م ، وكانت وفاته خسارةً فادحةً للأدب العربي بشكل خاصّ ، وللثقافة الإسلاميّة بشكل عامّ ، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون .

* الأستاذ المساعد في قسم اللّغة العربيّة ، جامعة مولانا آزاد الوطنية الأردية ، حيدرآباد        ( الهند ) .