الشيخ محب الله لاري الندوي : ذكريات وخواطر

الشيخ عبد الرشيد إبراهيم ( آية من آيات الله وحجة الله على الدعاة ) ( الحلقة الأولى )
يونيو 4, 2024
الشيخ عبد الرشيد إبراهيم ( آية من آيات الله وحجة الله على الدعاة ) ( الحلقة الأولى )
يونيو 4, 2024

رجال من التاريخ :
الشيخ محب الله لاري الندوي :
ذكريات وخواطر
الدكتور قاضي عبدالرشيد الندوي 
الشيخ محب الله لاري الندوي يتبوأ مكانةً خاصةً من بين أبناء ندوة العلماء ، ويُعرف بشخصيته الفريدة الخاصة بين أقرانه وأحبابه من العلماء . وقد بدأ الشيخ محب الله لاري الندوي تعليمه البدائي في مسقط رأسه ” لار ” في ولاية أتربراديش ، ثم انتقل الى لكناؤ بجامعة ندوة العلماء لمزيد من الدراسة ، حتى كمل تعليمه ودراسته بامتياز ، حيث كان متفوقاً ومتميزاً بين أقرانه خلال مدة دراسته ، وقد توجه الى جامعة علي كراه الإسلامية بعد تخرجه في دارالعلوم لندوة العلماء للاستزادة ولإكمال دراسته العالية والتحلي بحلية العلوم الحديثة حتى أخذ الماجستير ، وبهذا جمع الشيخ بين العلوم الإسلامية والعلوم الحديثة وبين العلوم العقلية والنقلية ببراعة وتفوق .
وقد كمل الشيخ شهادته للماجستير من جامعة علي كراه الإسلامية في عام 1936م في علم السياسة بتفوق وامتياز . كما أن الشيخ محب الله لاري الندوي كان ملماً باللغات الأردية والعربية والإنكليزية والهندية والفارسية ، وكان بارعاً في هذه اللغات إلى جانب براعته وإلمامه بالعلوم الدينية والعصرية ، كما أن نظرته كانت عميقةً ، وثقافته كانت واسعةً لظروف عصره والمتغيرات التي كانت تحدث في شتى أنحاء العالم عامةً وفي العالم الإسلامي خاصةً . وقد رأينا الشيخ بأم أعيننا خلال فترة دراستنا بدارالعلوم لندوة العلماء بأن الجرائد الإنكليزية كانت ترد إليه في بيته ومكتبه يومياً ، وهو يقرؤها ويطالعها باهتمام إلى جانب الجرائد الأردية والهندية . أما الجرائد والمجلات العربية فكانت تأتيه بوفرة وكثرة في مكتبه ومكاتب ندوة العلماء الأخرى من جميع الدول العربية والإسلامية ، وبهذا كان على علم بكل ما يدور حوله في الهند وفي العالم كله وفي العالمين العربي والإسلامي ، فهذه الأسباب كانت تزيد من بعد نظره وتوسيع آفاقه العلمية والفكرية والسياسية والثقافية .
وقد قام على طلب من صديقه المقرب وزميله في الدرس الشيخ رئيس أحمد الجعفري الندوي بترجمة كتاب ضخم ومعروف بعنوان ” النظم الإسلامية ” لحسن إبراهيم حسن وأخيه علي إبراهيم حسن ، وكانت ترجمته ترجمةً رائعةً وترجمة خبير يشعر القارئ بأنه تأليف ، وليست ترجمةً ، وقد أثنى عليه وعلى براعته الشيخ رئيس عند طباعة الكتاب ونشره .
وكانت للشيخ ميزات شهد عليها العلامة الشيخ السيد أبو الحسن علي الحسني الندوي لذوقه العلمي العالي ، وشغفه للمطالعة ، وإخلاصه وتفانيه ، وتقواه وخشيته من الله في السراء والضراء ، وانهماكه وانشغاله لأموره مع روح من الإيثار والتفاني حيث عرفه عن قرب بمصاحبته ومزاملته . كما أن رئاسة شؤون ندوة العلماء كانت تعرف هذه الميزات القيّمة لشخصه ، وتوقّره ، لذلك تم ترشيحه لعضوية لجنة إدارة شؤون دارالعلوم لندوة العلماء والتي بقي عضواً لها طول حياته . ونظراً إلى تفوقه في أمور الإدارة والتنظيم واهتمامه الخاص بكل ما يتولى مسؤوليته عرض عليه منصب مدير لدارالعلوم ندوة العلماء ، وكانت مسؤوليةً ضخمةً تتطلب جهوداً مستمرةً وتفانياً دائماً ، وقد حاول الشيخ أن يعتذر ويعفى عنه ، ولكن اللجنة قررت ولم تقبل اعتذاره حتى تولى المسؤولية وأدى حقه طول عمره وأخلص له وضحى بكل ما كان يملك من قدرات علمية وصلاحيات تنظيمية وإمكانيات فكرية لأجل تحقيق أهداف ندوة العلماء وتطويرها وتنميتها وترقيتها في جميع الميادين وعلى جميع المستويات ، ولماذا لا يكون ذلك وهو من أبناء ندوة العلماء الخلّص ، وقد بقي يتحمل هذه المسؤولية ويعمل لأجله ويؤدي حقه كمدير لدارالعلوم ندوة العلماء لمدة 24 سنة إلى أن توفاه الله . وتعتبر هذه الفترة من الفترات الذهبية في مسيرة طويلة ، وهي تتجاوز القرن ونصف القرن لجامعة دارالعلوم لندوة العلماء من حيث الترتيب والتنظيم والأمن والجو العلمي الخالص المتميز .
وهذه الفترة التي لم تمض على مروره أكثر من ثلاثة عقود من الزمان كانت فترةً رائعةً ، ذكرياته محفورة في ذاكرتنا وفي ذاكرة طلابه عندما كان الشيخ محب الله الندوي مديراً لدارالعلوم ندوة العلماء ، والشيخ العلامة السيد أبو الحسن علي الحسني الندوي كان الرئيس العام لندوة العلماء ، وكانت هاتان الشخصيتان تقودان هذا الصرح العلمي الإسلامي المعروف في العالم إلى جانب مساعديهم أمثال الشيخ الدكتور سعيد الأعظمي الندوي المدير الحالي لدارالعلوم ، والشيخ العلامة السيد محمد الرابع الحسني الندوي رحمه الله رئيس ندوة العلماء السابق ، والشيخ محمد واضح رشيد الحسني الندوي وغيرهم من المشائخ والأساتذة والعلماء الأجلاء .
وكانت رحلة الشيخ ووفاته فاجعةً لأبناء ندوة العلماء وطلابها ولجنة إدارتها حيث إنه كان يشكل سقفاً مشفقاً مريحاً يحتضن أبناءه وأهله بكل ما يصلح ويفيد لهم وكان يفكر دائماً في كل ما ينفعهم في المجالات العلمية والدينية والدعوية وكان يثير الشغف وشوق المطالعة والسهر للدراسة وتنمية الآفاق العلمية والفكرية والثقافية للطلاب ، كما أن التزامه الشديد بالموروثات الدينية واهتمامه المتواصل لإلزام الطلاب بالالتزام الدائم بالصلوات وغيرها من الأمور التي تربي الطلاب على الالتزام الديني الدائم كان موضع اعتزاز وكان لا يقبل التهاون والتساهل من الطلاب حيث جعل له عادة للمرور على الوحدات السكنية المختلفة بعد صلاة الفجر ليرى اهتمام الطلاب بالصلوات وكان لا يتهاون في أي خطوة يرى فيها تربية للطلاب .
وإذا رأينا إلى المستوى الإداري للجامعة في زمانه وفترة إدارته وجدنا أن كل الإدارات التابعة للجامعة تشغل شغلها وتعمل عملها بسلاسة وهدؤو بنظم منسق ودقيق دون أن يحدث أي خلل أو أي إشكال في أعمال وأنشطة أي إدارة أو أي خلاف بين أعمال الإدارات المختلفة المتعددة . ونحن خلال فترة دراستنا لمدة سبع سنوات من عام 1984م إلى عام 1990 م لم نشاهد أي خلاف ولو بشكل بسيط لأي إدارة تعمل داخل رحاب دارالعلوم التابعة لندوة العلماء وكان المشاهد لا يشعر بأن هذه الجامعة الموقرة تضم هذا العدد الكبير للطلاب والمدرسين وعدداً كبيراً من الموظفين الآخرين الذين كلهم كانوا يسكنون داخل حرم الجامعة وكل ذلك كان من ميزات المدير بأنه يضمهم جميعاً ويهتم بهم جميعاً ويراعيهم في جميع أمورهم ويحل أمورهم ويهتم بمشاكلهم .
وكانت له طبيعة خاصة ومزاج مميز لإخلاصه وتفانيه وكان شديد الالتزام بخلقه الإسلامية العالية وأصوله العلمية والنظم . كما أنه كان لا يتحمل التهاون في نفسه كذلك ما كان يتحمل التقصير والتهاون من الآخرين في الأمور التنظيمية في كل الإدارات وعلى جميع المستويات . المراقبة الذكية والنظرة الدقيقة لكل الأنشطة والإدارات كانت من أهم ميزاته التي جعلته يسيطر سيطرةً كاملةً على النظم العام وبالتالي أدى إلى تطوير وتنمية وتقوية جميع الإدارات وإيصالها إلى قمة التطور في شؤون التعليم والتدريس والنظم العام .
وقد شاهدنا الشيخ عن قرب خلال فترة دراستنا من عام 1984م إلى عام 1990م وهو في المرحلة الأخيرة من عمره مع تداعياته من مرض وضعف ونقاهة ، ولكن ما رأينا تقصيراً في حضوره للمكتب أو تساهلاً في أداء مسؤولياته أو الاهتمام بأمور الإدارات كلها سواء كان الجو بارداً أو حاراً يكون مطراً شديداً أي وضع كان لا يقدر أن يمنعه من الاهتمام بالشؤون الإدارية وفي آخر عمره رغم المرض والضعف الشديد كان يخرج مع عصاه بمساعدة أخينا وزميلنا في الدراسة الأخ نديم أحمد لاري والذي كان حفيداً له ، وإخوانه الآخرين إلى المكتب ويجلس طول وقت الدوام لإكمال الأمور الإدارية والتدريسية والمالية وغيرها .
في إحدى اللقاءات مرةً بعد صلاة المغرب جلست عنده مع الأخ نديم أحمد فخاطبنا ناصحاً وقال : إن نجاحنا في نجاح الأولاد والصغار أنتم وأمثالكم ، انظروا الأبناء الذين خرّجتهم ندوة العلماء أمثال العلامة الشيخ السيد سليمان الندوي وغيره المئات من أبنائه من العلماء والمفكرين والمحققين الذين حققوا إنجازات باهرةً في مجالات العلم والفكر ، والبحث والتحقيق ، وخدمة الدين والدعوة وبالتالي أناروا اسم ندوة العلماء وخدموا الملة والأمة الإسلامية . فعليكم أن تدرسوا سير هؤلاء لكي تجعلوهم قدوةً في دروب الحياة وتعرفوا كيف تعاملوا مع التحديات التي واجهتهم خلال خدمتهم للعلم والبحث والتحقيق وخلال تحركاتهم وجولاتهم لتربية الناس ولإيجاد الوعي الديني وحثهم على التمسك والالتزام برسالة الإسلام السمحة وأضاف قائلاً بأنكم الأبناء تركتم أهلكم وعائلتكم وبيتكم وراحتكم ، وهاجرتم إلى هذا المكان وسعدتم بفرصة الالتحاق بجامعة ندوة العلماء المرموقة فلا تفوّتوا الفرصة القيّمة التي أتيحت لكم بتوفيق من الله تعالى واستفيدوا من هذه الفرصة الذهبية في حياتكم بكثرة القراءة والدراسة والمطالعة وبالمشاركة الفعالة في الأنشطة التربوية والثقافية وبالتدرب على الخطاب في النوادي الأدبية العربية والأردية حتى ترفعوا اسم جامعتكم ندوة العلماء واسم أساتذتكم ومدرّسيكم وكذلك اسم والديكم ولكن رغم هذه الشفقة الأبوية مع الجميع والنصائح الكريمة والأسلوب التربوي المتسامح شاهدنا بأن الشيخ محب الله كان يراقب بدقة تصرفات الطلاب والتزاماتهم للصلوات وارتباطهم بالموروثات الإسلامية ولا يتغاضى عن تساهلهم بل يتابعهم بالإنذار والتنبيه ، وكان يرى في التقصير في ذلك نقصاً في أسلوب التربية ، فهذه ميزات مرب خبير يعرف كيف يتعامل مع البيئة الجامعية التعليمية والتربوية حتى يواصل هذا الصرح العلمي العالمي المعروف في أداء رسالته التعليمية والتثقيفية والتربوية .
وجدير بالذكر بأنه رغم حبه وشفقته لنا وللطلاب كلهم وحرصه على تربيتهم تربيةً خلقيةً إسلاميةً عاليةً فإن الطلاب جميعاً كانوا يخافون شديداً ويرهبون من شخصية الشيخ المدير وكنا نصعّب شديداً مقابلته حتى إن الطلاب كانوا يغيرون الطريق إذا رأوا بأن الشيخ قادم من هذا الطريق أو سيمر هو من هناك . فنزولاً عند أمر الشيخ وبتوجيه منه توجهت مع أخينا الكبير الأستاذ البروفيسور الدكتور أيوب تاج الدين الندوي الذي كان طالباً مثلي في الصفوف العليا والذي فوّض الشيخ غفران إليه مسؤولية إيصالي إلى مدرسة فلاح المسلمين حتى وصلت إليه ، وكملت سنة الدراسة .
الميزة الخاصة والصفة المميّزة التي يذكرها ويعترف بها الطلاب وأساتذة وموظفو الدار لتلك الفترة بأن الشيخ رغم رهبته وخوف الجميع منه كان يحمل حرمةً خاصةً في قلوب الجميع وهذالم يتأت له إلا بأسلوبه التربوي العالي والتسامح الأبوي والشفقة الكريمة والاهتمام بالجميع ، وكنا نشاهد منظر الحرمة والاحترام وهيبته على الطلاب وغيرهم بأن الشيخ عندما كان يخرج من المسجد إلى البيت بعد صلاة العشاء فكان تجمع الطلاب الكبير خارج ساحات المسجد ينقشع بمجرد رؤية خروج الشيخ من المسجد حتى تجد ساحات خاليةً ، وهي كانت تملأ وتكتّظ قبل خروج الشيخ من المسجد ، وهي ميزة من ميزات القبول عند الله لشخصيته وإخلاصه وتفانيه في سبيل الهدف ، وأي هدف أسمى من الاهتمام بتربية الأجيال على التمسك بالأخلاق الإسلامية العالية وتحليهم بحلية العلوم الإسلامية .
ونحن خريجو تلك الفترة دائماً نعتز ونفتخر بأننا عشنا الفترة التي كان الشيخ محب الله لاري الندوي مديراً لدارالعلوم ندوة العلماء والشيخ العلامة السيد أبو الحسن علي الحسني الندوي كان رئيساً عاماً ، وهاتان الشخصيتان هما اللتان وقّعتا على شهاداتنا لندوة العلماء ، وهي مفخرة وشرف ستذكر في التاريخ .
شخصية الشيخ محب الله الندوي كانت مجموعةً لميزات إنسانية كريمة وصفات خلقية عالية تجمع فيها تعمق العلم ودقة وبعد النظر والخبرة في تنظيم شؤون المؤسسة والإدارة والقناعة والزهد والتقشف في حياته الشخصية والتعفف والاستغناء عن مطامع الدنيا وما فيها والخشية والخوف والتقوى من الله في ظواهره وبواطنه .
إن المشائخ والعلماء والأساتذة والمدرسين وكبار المسؤولين لذلك العصر والذين تعاملوا مع الشيخ محب الله الندوي ليل نهار شهدوا على علو مكانته في العلم وطول باعه في شؤون الإدارة والتنظيم وخبرته في التعامل وحل المشاكل العويصة بهدوء ، والتي كانت تعترض مسيرة دارالعلوم كما أن العلامة الشيخ السيد أبا الحسن علي الحسني الندوي قد أبدى حزنه الشديد على رحيله وشهد له بالخير وأثنى على شخصيته وكتب عنه مقالاً مستفيضاً في كتابه ” برانى جراغ ” ( المصابيح القديمة ) ، وكانا زميلين في الدراسة كما أن الشيخ السيد محمد الرابع الحسني الندوي والشيخ محمد واضح رشيد الحسني الندوي والشيخ الدكتور سعيد الأعظمي المدير العام الحالي لدار العلوم وغيرهم من العلماء من الداخل والخارج أثنوا على الشيخ وشهدوا له بالعظمة والكرامة والخوف والخشية من الله .
رحم الله الشيخ محب الله لاري الندوي وأكرم مثواه وأعلى درجته في العليين من جنات النعيم .
ملحوظة : وقد صدرت مجموعة مقالات حول شخصيته وخدماته باللغة الأردية في 672 صفحة ، رتبها الأستاذ الطبيب جاويد أحمد لاري والدكتور جمشيد أحمد الندوي ، وقام بنشرها الطبيب جاويد أحمد لاري سبط الشيخ محب الله لاري الندوي ، فنقدم إليه الشكر والتقدير ( التحرير ) .