الدكتورة شيرين لبيب خورشيد والقيم التربوية في قصص نبوية بأسلوب تربوي

الكتابة العربية العامة للشيخ أبي الحسن علي الحسني الندوي : أسلوبها ومميزاتها
فبراير 21, 2021
” فتح البيان في مقاصد القرآن ” بين الأسلوب والميزات : سورة الفاتحة نموذجاً
مارس 31, 2021

نافذة على كاتبة بالعربية :

الدكتورة شيرين لبيب خورشيد

والقيم التربوية في قصص نبوية بأسلوب تربوي

الباحثة مارية مشتاق *

أدب الأطفال من منظور تاريخي :

أدب الـأطفال هو نوع من الفن الأدبي ، يشمل أساليب مختلفة من الشعر والنثر ، أنتج هذا الأدب بشكل خاص للأطفال والأولاد دون عمر المراهقة . بدأ تطور هذا النوع الأدبي في القرن التاسع عشر في أوربا ، وأخذ يزدهر في منتصف القرن العشرين مع تحسين أنظمة التعليم في جميع أنحاء العالم ، مما زاد طلب المؤلفات المتخصصة للأطفال بلغات مختلفة ، ومع ظهور أدباء يبذلون معظم أوقاتهم لكتابة مؤلفات للأطفال – وعندما نقول : إن أدب الأطفال هو حديث جداً فلا يعنى منه أنه كان منعدماً ، لكن الكتابة الأدبية المتخصصة بالأطفال حديثة جداً ، وبدلاً منها وجدت الحكايات المنقولة شفوياً عبر الأجيال وعلى لسان الأجداد والجدات ، ويعتبر أدب الأطفال بما يحويه من قصص وأشعار وحكايات في صيغة كتاب أو مجلة أو شريط مسموع أو مشاهد ميدانا هاما لتنمية قدرة الطفل على الإبداع وتنمية القدرات الابتكارية عندهم كما يعتبر وسيطاً مناسباً في الجانب التربوي للتعليم وتنمية القدرات الذهنية واستقرار الجوانب النفسية لدى الطفل ، ويمكن القول بأن يزيد في الطفل شعوراً بالرضا وثقةً بالنفس وحبا للحياة وطموحاً إلى المستقبل ، ويؤهله لكي يكون إنساناً صالحاً في المجتمع .

برز أدب الأطفال على ساحة الوجود ، و احتل مكاناً ملموساً بين أجناس الأدب المختلفة في السنوات الأخيرة ، فقد زاد اهتمام الأولاد إليه مع انتشار التعليم في المجتمع ، ففكر بعض الناشرين باقتباس الأساطير والحكايات الشعبية والدينية وتسهيلها ، إنها سوف تكون ملائمةً للأطفال . فظهرت مجلات للأطفال وانتشرت كتبهم وراجت برامجهم في الإذاعة والشاشة الصغيرة ، وبذلك استقل أدب الأطفال وأصبح ميداناً خاصاً يستمد أصوله من معرفة الطفل نفسه معرفة عميقة ومن معرفة البيئة التي يعيش فيها هذا الطفل ، ومن ماضي الطفل . فظهر في العالم العربي وخارجه عديد من الأدباء والشعراء الذين اعتنوا بأدب الأطفال وتركوا لنا آثاراً قيمةً في هذا المجال ، وسأحاول في المقال تحليل كتاب  ” قصص نبوية بأسلوب تربوي ” الجزء الرابع وتبيين أهميته في مجال أدب الأطفال بالإضافة إلى ترجمة حياتها بالإيجاز .

نبذة عن حياة د . شيرين لبيب خورشيد :

د . شيرين لبيب خورشيد هي الكاتبة لأدب الأطفال ، ولدت في أسرة علمية ببيروت في لبنان عام 1958م ، وتلقت التعليم البتدائي والثانوي من مدرسة ، ثم التحقت بجامعة بيروت العربية ، وحصلت على شهادة البكالوريوس في الهندسة المدنية ، وذلك في سنة 1984م .

بعد ذلك توجهت شيرين لبيب إلى جامعة الإمام الأوزاعي في    لبنان ، وبذلت هناك قصارى جهودها في سبيل الحصول على شهادة الماجستير ، حتى تخرجت منها بتقدير جيد جداً ، وأما عنوان رسالتها ، فكان ” حقيقة المهدي في الشرائع الثلاث ” ، ثم مشت شيرين خورشيد طريقاً آخر ، وصرفت همها إلى التربية ، والتحقت بجامعة لاهاي للماجستير الثاني ، وكتبت الرسالة على عنوان ” دور المؤسسات التربوية في تربية النشء ” لكن لم تتمكن من مناقشة الرسالة لتعذر السفر إلى هولندا ، وأخيراً حصلت الكاتبة على شهادة الدكتوراة في فن الإرشاد التربوي من كلية الإمام الأوزاعي في لبنان ، وكان العنوان ” القيم الأخلاقية في كتب التربية الإسلامية في الحلقة الثانية في التعليم الأساسي في لبنان ” .

آثارها العلمية :

قد صنف شيرين لبيب خورشيد كتباً عديدةً ، من أهمها :

  1. مدى حق الدين في علاقة الرجل
  2. السحر بين الواقع والخيال
  3. المرض نعمة أو نقمة

كما أنها بدأت سلسلة كتابة قصص نبوية بأسلوب تربوى ، وأصدرت سبعة أجزاء منها ، وحاولت دراسة تحليل الجزء الأهم منها وإبراز أهم خصائصها ومميزاتها مع الإشارة إلى أسلوبها الحواري ومدى أهميته – فإن هذا الكتاب ” قصص نبوية بأسلوب تربوي – الجزء الرابع   ” يحتوي على مأة وأربع وخمسين ( ١٥٤ ) صفحة ، وذكر فيه قصص الأنبياء من أمثال شعيب وأيوب وذي الكفل واليسع وإلياس ويونس وموسى عليهم السلام وتوجد في بدايته مقدمة المؤلفة وكلمة شكر وتقديم ثم تقديم الدكتور صلاح الخالدي الذي ألقى فيه الضوء على هذا الكتاب وأبرز أهميته . تبين المؤلفة الدكتورة لبيب خورشيد عن الغاية من تأليف هذا الكتاب قائلةً : ” وجدت شغفاً قوياً لدى الطلاب إلى سماع القصة  أولاً ، قبل اللجوء إلى كتاب التربية الإسلامية ، بل بدا لي عدم اكتراثهم بالكتاب ، وهكذا كانت بداية هذه الفكرة ، وهي الإتيان بكتاب تربية إسلامية على شكل قصص ، غايته ترسيخ عقيدة الطفل المسلم . . . وبذلك نرسخ في أذهان وأفكار الأطفال القيم والأخلاق والعقيدة الثابتة إلى يوم القيامة [1] ، وقص علينا الله عز وجل القصص ، وأهمها قصص الأنبياء السابقين وذلك ليبصرنا بما يصلحنا ويرشدنا إلى طريق محبته ورضاه ويحذرنا من طريق غضبه وسخطه وعذابه . ومن هنا تكمن أهمية القصص في التربية .

ويشير إلى أهمية هذا الكتاب الدكتور صلاح الدين عبد الفتاح الخالدي فيقول في تقديمه :

” الجيد في هذه السلسلة القصيصة التربوية الهادفة ، التي أعدتها الأخت الفاضلة ” شيرين خورشيد ” إنما سلكت أسلوب ” الحوار ” العلمي التربوي الهادف ، وليس أسلوب السرد والروائي والنظر التحليلي ، كما أنها قدمت هذه السلسلة التربوية من خلال أسرة مسلمة ملتزمة ، معلمة ومتعلمة ، إنما أسرة ” أبي أحمد ” التي أرادت الأخت أن تكون نموذجاً للأسرة المسلمة ، التي تجلس على مائدة القرآن وتأخذ منها العلم والمعرفة والتوجيه والتربية وكذلك تعاملت مع القصص القرآنية بمنهجية ، حيث حرصت على البقاء مع القرآن الكريم وهي تتحدث عن قصصه ولم تخرج إلا إلى أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيحة والجيد في عملها أنها لم تذكر شيئاً من الإسرائيليات والأخبار غير الصحيحة ” [2] ، وكما تقدم إنها اختارت أسلوب الحوار في سرد هذه القصص وذلك لكي تنقل القيم والإيمانيات عن طريق الحوار والمناقشة للعودة إلى الفطرة السليمة . وأشارت المؤلفة إلى أهم الأهداف لاختيار هذا الأسلوب قائلةً :    ” حرصنا من خلال سرد القصص إلى الابتعاد عن الإسرائيليات واستسقاء مادتنا العلمية فقط من القرآن الكريم والأحاديث الصحيحة ، لكي يتفكر الطلاب لشحذ العقول والأفكار ، كما جاء صريحاً في القرآن الكريم ” لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ” ويقدم أمامهم العبر والعظات ويثبت قلوبهم على الدعوة ، والقصص القرآني يحقق هذه الأهداف الرائعة لكل من سار على طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم في التربية والدعوة وفي الإصلاح والجهاد [3] .

ومن خلال دراستنا لهذا الكتاب الرائع ، نرى أن المؤلفة قد اهتمت فيه بذكر الإيمانيات والسلوكيات والأخلاق والقيم التي تستفاد من قصص هؤلاء الأنبياء الذين ذكرتهم . ولعله من المناسب أن نذكر من الأخلاق والقيم التي تستنبط من قصة نبي الله شعيب عليه السلام ،   وهي  : ” أن يفهم الأطفال أهمية العطف مع الكبير والضعيف وأن يعترف إلى أهمية ربط العلم بالعمل وضرورة تنظيم الوقت والتخطيط للمستقبل وأن يتعرف على مفاهيم العدل والأمانة والكيل والميزان ، وأن يفهم معنى الإفساد في التطفيف والتأكيد على عدم الفساد في الأرض وبيان سوء التكبر والظلم والاستعلاء وضرورة تجنبها وأن يتعرف على مفهوم الجرائم الاقتصادية والدعوة إلى فهم كيفية تغيير منهج التفكير والتأكيد على تجنب المعاصي ولو صغرت [4] ، ونكتفي بذكر هذا النموذج الواحد ويتبادر منه أسلوبها في استنباط القيم التربوية والأخلاق القيمة لتدريب الأطفال وغرس هذه المفاهيم في أذهانهم .

ويرى القارئ أن هذه القصص تدور في أسرة ” أبي أحمد يعمل ويوجه وأم أحمد تعمل وتعلم وتحلل ، والإخوة الثلاثة أحمد وجميل وسامي يسمعون ويتلقون ويتابعون ويحاورون ويناقشون ويحللون ، يسأل الأبناء بأدب ويتلقون الجواب من أحد الأبوين . ويتحاور الجميع على مائدة الطعام أو في جلسة الاستراحة أو يقومون برحلة بعيدة أو قريبة وهدف الجميع هو الوقوف من قصص القرآن متعلمين ومحللين . ومن خلال هذه الأسرة الافتراضية يتعلم الطالب أهمية الأسرة المسلمة الملتزمة بأوامر الله والمطبقة لمنهجه في حياتها اليومية .

وقد اعتنت المؤلفة خلال هذه القصص الرائعة بترسيخ القيم الإسلامية في أذهان الأطفال ، وربما أثارت صفات وخصائص لابد للأطفال من أن يتصفوا بها . فمثلاً تقول في تعريف التلميذ النجيب :        ” التلميذ النجيب هو الذي لا يدخر جهداً ولا يضيع وقتاً في سبيل تفوقه الدراسي ، متبعين ( الأطفال ) المثل القائل : ( الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك ) وهذا أيضاً يجعلهم ينظمون أوقاتهم بشكل جيد [5] ، وفيه رسالة صامتة للأطفال أن يتقمصوا بهذه الصفات التي يتميز بها التلاميذ النجباء . كما نرى أن المؤلفة قد اهتمت بتشريح المفردات والمصطلحات الإسلامية بالتفصيل . فجاءت فيه ألفاظ كثيرة من أمثال ” الوحي ”         و ” الصبر ” و ” العلم الازلى ” و ” الأيكة ” و ” حوت ” وغيرها فقدمت المؤلفة شرحاً وافياً لهذه المفردات ، وهنا أقدم نموذجاً واحداً فقط . تقول في شرح  أيكة : ” فالأيكة هو الغابة من الأشجار الكثيفة ، التي كان قوم مدين يسكنون فيها أو قريباً منها ، فدمرهم الله وأزال أيكتهم وغابتهم لما كذبوا شعيب عليه السلام ” [6] . وكذلك أوردت في مواضع عديدة مثلاً رائعاً من أمثال ” العلم بلا عمل كالشجرة بلا ثمر ” ، “والوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك” ، ” والعلم بالتعلم والحلم بالتحلم ” وغير ذلك كثير . كما أنها التزمت بنقل الأحاديث المباركة بكثرة . وأما أسلوبها فهو سهل سلس ، استعملت جملةً وجيزةً ، وربما آثار شوق الأطفال وشغفهم بمعرفة قصص الأنبياء بجملة استفهامية . وإليك هذا المقتبس يتضح به أسلوبها بكل وضوح : ” لم يكن أصدقاؤنا معتادين على الابتعاد عن الكتب والمطالعة ، بل كانوا يستعملون جميع أوقاتهم في قراءتها والنهل من علومها ومعلوماتها ، وكانوا لا يسمحون لأنفسهم بإهمال دقيق دون أن يجدوا مايعملون بها أو يتعلمون ، فهم يعلمون جيداً أن الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك [7] .

خلاصة البحث :

قد اعتنى الأدباء بالقصص المذكورة في القرآن الكريم وحاولوا إبراز عظمتها ونصائحها فصدرت كتب كثيرة حول القصص القرآنية . وهذه السلسلة التي تقدم الدكتورة شيرين لبيب خورشيد ليست العمل الأول المتعلق بالقصص القرآنية ، فقد سبقتها كتب عديدة ولكنها اختارت أسلوب الحوار العلمي التربوي الذي يساعد على ترسيخ أهداف هذه القصص في أذهان الأطفال والقيام بتربيتهم العلمية والفكرية . وهذا الكتاب ممتع جداً للأطفال بأسلوبه السلس حيث راعت فيها المؤلفة نفسية الأطفال . فهذا الكتاب إضافة قيمة في أدب الأطفال .

* قسم اللغة العربية وآدابها ، جامعة علي كره الإسلامية ، mariyamushtaque123@gmail. com

[1] خورشيد ، د . شيرين لبيب ، قصص نبوية بأسلوب تربوي جديد ، الجزء الرابع ، شبكة الألوكة ، 2018م ، ص 17 .

[2]  أيضاً ، ص 12 – 13 .

[3] خورشيد ، د . شيرين لبيب ، قصص نبوية بأسلوب تربوي جديد ، الجزء الرابع ، ص 23 – 24 .

[4] أيضاً، ص 18 .

[5] خورشيد ، د . شيرين لبيب ، قصص نبوية بأسلوب تربوي جديد ، الجزء الرابع ،          ص 125 .

[6] أيضاً ، ص 35 .

[7] أيضاً ، ص 33 .