وقتل شعب كامل قضية فيها نظر

صفقة القرن أو فرصة القرن ؟
8 أغسطس، 2019
الإنسان ونواميس الكون
1 سبتمبر، 2019

وقتل شعب كامل قضية فيها نظر

ارحموا من في الأرض :

انتهى حج هذا العام ( 1440هـ ) بفضل الله تعالى ومنِّه وكرمه ، وقد نال هذا الشرف قرابة ثلاثة ملايين حاج من جنسيات مختلفة من مشارق الأرض ومغاربها ، وبدأت قوافل الحجيج تعود إلى بلدانهم سالمين غانمين ، شاكرين لله ومحتسبين ، كيوم ولدتهم أمهاتهم ، انتهى حج هذا العام رغم جميع المحاولات المشئومة التي بذلت لتسييس الحج وتدويله في العالم أجمع ، وقد كثفت مجهودات جبارة ، وحُشدت إعدادات ضخمة لإحباط هذا النظام وإلحاق الأضرار بضيوف الرحمن ، لكن أمر الله كان قدراً مقدوراً ، يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَىٰ ٱللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَافِرُونَ ( التوبة : 32 ) ، فهنيئاً لحضرات السعادة والفضيلة وأصحاب السمو والمعالي على إنجاز هذه المهمة التعبدية ، وقد قال صلى الله عليه وسلم : من يرد الله به خيراً يستعملهم في طاعته .

إن أعظم ركن في الحج هو الوقوف في صعيد عرفات ، من لم يقف بعرفة ، فلا حج له ، ويكون الشيطان أكثر خزياناً بالدموع الغزار التي تسيل يوم عرفة من عيون المسلمين الحجيج ، وقد أشار إلى ذلك رسولنا العظيم محمد صلى الله عليه وسلم : الحج عرفة ، ومن المواقف المشهودة في هذا اليوم الأغر الأشهر خطبة عر فة ، وكان خطيب عرفة لهذا العام سعادة الشيخ محمد بن حسن آل الشيخ حفظه الله تعالى ( عضو هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية     السعودية ) ، وأنا سمعت خطبته مباشرةً عبر مواقع التواصل الاجتماعي ، وقت إلقائها من على منبر مسجد الخيف في عرفات ، فوجدتها تغطي نصف ساعة ، وتشتمل على محاور إيمانية وعقدية كثيرة ، وقد لفت سعادته عناية الناس إلى التمسك بالكتاب والسنة في أحرج وقت وأدق ساعة ، وحث سعادته حجاج بيت الله الحرام على التراحم فيما بينهم ، وتجسيد قيم الإسلام ونصوصه التي تحث على الرحمة بجميع الخلق والتسامح فيما بينهم ، وقال : ” إن الإسلام جعل من أسس العلاقات الاجتماعية الرحمة بالآباء والأبناء والأزواج والأقارب ، وللرحمة  مجالات متعددة في حياتنا المعاصرة ، سواء سن الأنظمة واللوايح أو استخدام وسائل المواصلات أو الاستخدام الأمثل للتقنية أو وسائل الإعلام ” .

ولا شك أن هذه الخطبة تجمع بين المعاني والمدلولات التي تحتاج إليها البشرية في عصرنا الحاضر ، فإنه لفي أشد حاجة إلى هذا السماد الذي يجعل حقل الإنسانية أخضر ، ففي كل دولة اضطراب وفساد ، وفي كل قطر جعجعة وبلبلة ، وفي كل جانب صراخ وعويل ، وقد صوّر هذه الحقيقة الشاعر عمر بهاء الأميري :

فأنى التفت فــحق سلـيــب                  وأنى أصخت فرجع النحيب

فأنى مشيت فدرب مهيب           وفـــخ عــجــيــب ولــغـم رهيب

وإن مجرد دراسة أسماء الله الحسنى تكشف أن الرحمة تغلب على كل شيئ ، فقال تعالى : رَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ، فإذا كان الله عزوجل أكثر رحمة فعباده أحق بأن يكونوا رحماء فيما بينهم ، فإذا كانت الرحمة عامةً قلت صناعة الأسلحة ، وإذا كانت الرحمة فائضةً من كل شيئ فتجري الأمور في مجاريها ، وإذا كانت الرحمة لاهجةً بها الألسن فكانت الطيور تغدو خماصاً وتروح بطاناً ، وإذا كانت الرحمة منبعثةً من قلب كل ذي روح فحلت البركات والخيرات في كل جزء من أجزاء الحياة ، لكن ، يا للأسف، قد سادت الشدة والغلظة في كل جانب ، فالناس غلاظ ، والبهائم شداد ، وهلم جراً . فجاءت خطبة عرفة في أوانها وفي مكانها ، محتوية على أصول ودعائم تتفرع منها أحكام وآداب ، وللناس فيما يعشقون مذاهب .

لكل موضع مقال :

وقد شهد الثقلان خطبة أروع وأمثل من هذه الخطبة ، وهي خطبة حجة الوداع ، وذلك حينما حج رسول الله صلى الله عليه وسلم أول وآخر مرةً في إسلامه ، وهي حجة الوداع في السنة العاشرة من الهجرة ، وقد صحب النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من مأة ألف من الصحابة رضي الله عنهم ، ( روي عددهم من مأة وأربعة عشر ألفاً إلى مأة وثلاثين ألفاً ) ، وكانت هذه الحجة حسب ما وصف إمامنا العلامة السيد أبو الحسن علي الندوي في السيرة   النبوية : ” تقوم مقام ألف خطبة وألف درس ، وكانت مدرسةً متنقلةً ، ومسجداً سياراً ، وثكنةً جوالةً ، يتعلم فيها الجاهل وينتبه الغافل ، وينشط فيها الكسلان ، ويقوى فيها الضعيف ، وكانت سحابة رحمة تغشاهم في الحل والترحال ، وهي سحابة صحبة النبي صلى الله عليه وسلم وعطفه وتربيته وإشرافه ” . ( ص : 393 ) .

وقد سجل المؤرخون كل لحظة ودقيقة من هذه الحجة ، وهو ” تسجيل دقيق في تاريخ رحلات الملوك والعظماء والعلماء والنبغاء ” ، وقد أفاض العلامة ابن قيم الجوزية في هذا الموضوع  في ” زاد المعاد في هدي خير العباد ” ، كما ألف العلامة المحدث الشيخ محمد زكريا الكاندهلوي مؤلفاً قيماً باسم : حجة الوداع وجزء عمرات النبي صلى الله عليه وسلم ، ولخّص الإمام الندوي ما يوجد في هذين المصدرين بقلمه المعجز الساحر بإيجاز في السيرة النبوية ، وهاكم  بعض إيحاءات منه :

عزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحج ، وخرج في شهر ذي القعدة سنة عشر ، ومر بالأبواء وعُسفان ووادي ذي طُوي ، ودخل مكة نهاراً ، ثم سار حتى دخل المسجد ضحى ، فلما نظر إلى البيت قال : اللهم زد بيتك هذا تشريفاً وتعظيماً وتكريماً ومهابةً ، ثم بدأ الطواف وفرغ منه ، وأكمل   العمرة ، وبعد الفراغ من العمرة بقي في مكة أربعة أيام ( يوم الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء ) ، فلما كان يوم الخميس توجه إلى منى ، ووقف فيه ، وقد ضربت له قبة بنمرة ، فنزل بها ، ثم سار إلى عرفة ، فخطب على ناقته القصواء خطبةً عظيمةً ، وبقي طول اليوم متضرعاً ومبتهلاً إلى الله تعالى ، ثم أتى المزدلفة ، وبات هنا الليلة ، وبعد طلوع الشمس سار إلى منى ورمى الجمرات ، وخطب في منى  خطبتين ، في يوم النحر وثاني يوم النحر ، وتأخر حتى أكمل رمي أيام التشريق الثلاثة ، ثم جاء إلى مكة وطاف طواف الوداع ، وأمر بالرحيل وتوجه إلى المدينة .

إن خطبة حجة الوداع كانت مشتملةً على الاعتصام بالكتاب    والسنة ، وأن دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم حرام عليهم كحرمة يوم  عرفة ، وجميع أمور الجاهلية تحت قدميه ، حتى الربا والقمار ، فقد    أبطلهما ، ونسخهما ، وأوصى المسلمين بالنساء خيراً ، وقد نهى الناس عن الظلم ، ألا لا تظلموا ، ألا لا تظلموا ، ألا لا تظلموا ، إنه لا يطيب مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه ، بهذه الخطبة الجامعة أرسى رسول الله صلى الله عليه وسلم قواعد الدين وفصل للخطباء الآخرين أموراً يبنون خطبهم على هذا المنوال ، فقد دأب الخلفاء الراشدون والأئمة المهتدون بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذا العمل ، إنهم لا يذكرون بهذا الموقف أموراً هامشيةً  جزئيةً ، بل يركزون على أصول وقواعد تتفق عليها الأمة من أول يومها ، وقد قيل : لكل موضع مقال ، ولكل نكتة مجال .

” وقتل شعب كامل قضية فيها نظر ” :

ظهرت منظمة الأمم المتحدة إلى حيز الوجود في 24/ أكتوبر 1945م ، بعد الحربين العالميتين اللتين كانتا سبباً لخسارات كثيرة ، فكان من أهدافها حفظ السلم والأمن وإنماء العلاقات الدولية وتحقيق التعاون الدولي على حل المشكلات ، وإقامة مركز لتنسيق جهود الأمم ، لئلا تعود مثل هذه الخسارات الباهظة لإزهاق الأرواح وإتلاف الأموال في العالم ، فإنها شكلت وكالات ولجاناً ترعى جميع مصالح الإنسان من التعليم ونشر القيم والإسعاف في الحوادث ، فأنشأت منظمة حقوق الإنسان  عام 1948م ، وهي تتألف من 47 دولة عضواً ، تجتمع كل سنة في ثلاث دورات على الأقل في جنيف بسويسرا ، ولها لوايح تشتمل على ثلاثين بنداً وقاعدةً ، وهي تعتبر أرقى منشورات قانونية في العالم ، لكنها في الحقيقة صورة مقتبسة من خطبة حجة الوداع ، رتب هذه اللوايح رجال أوربا فخُيل إلى الناس أنهم مقترحون لهذه الدساتير القانونية ، رغم أن الحقيقة بالعكس ، وتعمل تحت إشرافها منظمة العفو الدولية وغيرها من الأقسام ، وهي أسماء لامعة في تاريخ العالم البشري ، لكنها علامة للاستعباد والذل والهوان ، ينخدع الناس بمجرد سماع هذه الأسماء ، لو كانت هذه المنظمات نشطة في تحقيق الأمن واستقرار السلام لم يكن الناس فريسةً للمشكلات ، وقد قال رئيس جمهورية سري لانكا مايتر بالا سريسنا في عام 2017م في اجتماع عام عقدته وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد بالمملكة العربية السعودية : ” إن سوء استعمال الأسلحة شيئ خطير ، لكن الأخطر منه إنتاج الأسلحة وتصديرها إلى مناطق مختلفة ، ما لم تتوقف هذه السلسلة لا يستقر الأمن في العالم ” .

وقد خص يوم باحتفال حقوق الإنسان ، وهو اليوم العاشر من شهر ديسمبر كل سنة ، لكن من المؤسف جداً أن هذه المنظمة حينما تقوم على أرض الواقع ، فتُرسى قواعد دولة إسرائيل في قلب العالم الإسلامي عام  1948م ، وأن هذه المنظمة حينما تنشط وتعمل عملها فقد يُسلب بيت المقدس عام 1967م من أيدي الفلسطينيين بل من المسلمين في العالم  أجمع ، وقد كانت قضية كشمير منذ سبعين سنةً في جداولها المشروعة ، فأصدرت قراراً رسمياً ، لكن اكتفت بالوعود المعسولة والتمنيات الحلوة ، ولم تنل عنايتها الخاصة ، فزاد الأمر تفاقماً على مر الأيام ، وذهب ضحيته حوالي مأة ألف شخص ، وقد تم الاتفاق على إلغاء المادتين 35 – 370 ، التي تمنح كشمير وضعاً خاصاً . وتجري الآن صراعات واعتداءات على الأقليات عامةً ، وعلى المسلمين خاصةً ، في بعض المناطق ، لكن لا تحرك ساكناً ولا توقظ الضمير الإنساني ، كأن دماء المسلمين صارت رخيصةً ، وصدق من قال :

قــتل امرئ في غابة جريمة لا تغتفر

وقتل شعب كامل قضية فيها نظر

وقد أبدى عن مثل هذه الانطباعات أستاذنا الجليل الشيخ السيد محمد واضح رشيد الحسني الندوي في هذه الصفحات قبل أربعة أعوام منذ اليوم .

” إن تعطل الأمم المتحدة وتبعيتها للدول الكبرى هو السبب الرئيس لاستمرار الاعتداءات المسلحة في مختلف العالم ، إذا لم يوضع حد لهذا    الوضع ، فإن هذه الصراعات الإقليمية ستُحول العالم إلى حرب عالمية ثالثة ، وتكلف الإنسانية أكثر مما كلفته الحربان السابقتان لتقدم الصناعة العسكرية واختراع الأسلحة أكثر تدميراً ” . ( من المجلد الستين في العدد     السادس ) .

محمد فرمان الندوي