بين حضارة وحضارة

الإنسان ونواميس الكون
1 سبتمبر، 2019
دور أمانة الدين في بناء الإنسان
12 أكتوبر، 2019

بين حضارة وحضارة

فَإِذَا هِىَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ :

قيل : ” الأديب ترجمان قومه ” ، فليس هذا المثل يخص أديباً دون غيره ، بل كل إنسان وليد حضارته وبيئته ، فيعيش بطبيعته  ومزاجه ، ولا يتجرد عن فطرته ومنهاجه ، وقد وُجدت الحضارة منذ وجد الإنسان ، لكن تنوعت أشكالها وتعددت طرقها ، فكل ما ينتمي إلى علوم وفنون فهو ثقافة ، وكل ما يمتُ إلى مرافق الحياة من سكن وطعام وإقامة ورحلة بأي صلة يُعرف بحضارة ، ولا مشاحة في استعمال إحداهما مكان أخرى ، فكل من يعيش على هذه الأرض كانت له حضارة وثقافة ، وقد تميز الإنسان في هذه الدنيا عن جميع المخلوقات الأخرى بحضارته  وثقافته ، فللقرويين حضارة ، وللحضريين حضارة ، وشتان بينهما ، كما يقول الشاعر العربي :

حسن الحضارة مجلوب بتطرية

وفي الــبـداوة حسن غير مجلوب

ظهرت على وجه الأرض حضارات وثقافات متنوعة ، فهناك حضارة يونانية وحضارة هندية ، وحضارة فارسية ، وحضارة رومية وحضارة عربية ، وكل هذه الحضارات عاشت على مدى التاريخ ، وباضت وفرخت ، وأورثت ويلات ومصايب على الإنسانية جمعاء ، لأنها نتجت عن لقاح جنسيات وأعراق ، عاش الإنسان فيها حائراً ضائعاً ، ليس في قلبه إلا الخوف والجزع ، وليس في عقله إلا الخواء والخرافات ، ثم ظهرت الحضارة الإسلامية ، فلقفت كل ما كان من الحضارات ، وصدق قول الله تعالى : فَإِذَا هِىَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ ( الأعراف : 117 ) ، وكانت الحضارة الإسلامية منارة نور بددت الظلمات وأقشعت الحجب الكثيفة ، وهي كما قال أحد الكتاب المعاصرين :

” لكل حضارة سماتها وخصائصها التي تمثلها وتتفرد بها عن غيرها ، وإذا كانت حضارة الإغريق قد اتسمت بتمجيد العقل ، واتسمت حضارة الرومان بتمجيد القوة وبسط النفوذ ، واتسمت حضارة الفرس بالاهتمام بملذات الجسد والقوة الحربية والسطوة السياسية ، واتسمت الحضارة الهندية بالاعتداد بالقوة الروحانية ، فإن للحضارة الإسلامية سماتها وخصائصها المميزة التي تتفرد بها بين الحضارات السابقة لها واللاحقة عليها ، وهي العالمية والوحدانية والتوازن والوسطية والصبغة الأخلاقية ” . ( إسهامات المسلمين في الحضارة الإنسانية : 1/37 ) .

أوربا مدينة للعرب بحضارتها :

فالحضارة الإسلامية هي حضارة بناء لا حضارة هدم ، وحضارة قيم وأخلاق لا حضارة همجية وعنجهية ، وقد صنعت هذه الحضارة تاريخاً مشرقاً ، وأتحفت الإنسانية بتحف نادرة ، فالعصر العباسي هو العصر الذهبي للإسلام ، التي بلغت فيه الحضارة أوجها ، وأنارت العالم بإشراقاتها اللامعة ، حتى اضطرت أوربا إلى أن تقتبس من نورها في الأندلس ، وتبني حياتها في ضوء معالمها وغاياتها . ومن المفارقات العجيبة أن هذه الحضارة الغربية وإن كان الأساس في رقيها حضارة الأندلس الإسلامية ، لكن أوربا بدلاً من أن تعترف بفضلها بدأت تحارب الإسلام وتهدم معالمه وغاياته ، وصرفت عنايتها إلى الحضارة الإغريقية اليونانية ، فالحضارة الغربية هي صورة مكبَّرة للحضارة اليونانية ، ضاعت فيها القيم والأخلاق ، وتلاشت فيها المبادئ والأقدار . وظلت تعتبر الحضارة الإسلامية مناقضةً لها ، ومضادةً لآمالها ، وقد أنتجت الحضارة الغربية خسارات ولعنات في الفرد والمجتمع ، وقتلت الأبرياء والمعصومين عن الخطأ ما يجعل الحليم حيران ، ففي الحربين العالميتين الأولى والثانية قُتلت آلاف مؤلفة من الرجال والنساء ، لكن الغزوات التي غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد وصوله إلى المدينة المنورة لم يتجاوز عدد القتلى فيها من الجانبين إلا ألفاً واحداً ، هذا يدل على أوضار هذه الحضارة على الإنسانية ، وشقائها وحرمانها من رصيد الخير والصلاح . وقد قال الدكتور محمد اقبال : لقد تقدم العلم والصناعة في أوربا ، ولكنها بحر الظلمات .

صدام الحضارات وخطورته :

قدَّم قبل مدة صموئيل هنتون ( أستاذ العلوم السياسية بجامعة هارفرد ، وهو من أشهر المفكرين الاستراتيجيين في الولايات المتحدة الأمريكية ) مؤلفاً تاريخياً باسم صدام الحضارات The Clash  of  Civilization  ، اقترح فيه نظريةً أثارت جدلاً سياسياً على الصعيد   العالمي ، وهي أن الحضارة الإسلامية لا يمكن التحالف معها ، وهي ناقوس خطر على الإنسانية ، فاتهم الإسلام بأنه دين الجهل ، ودين الإرهاب ودين التزمت والرجعية ، رغم أن الحقيقة بالعكس ، إن تاريخ الحضارة الغربية يشهد أن أوربا كانت معاديةً للعلم وناشرةً للإرهاب ومبلغةً للجمود ، لقد صدرت ردود وأجوبة ضد هذه النظرية ، كشفت القناع عن وجه الحضارة الغربية الكالح ، وأزاحت الستار عن الحقيقة المريرة . وقد مات هنتغون 2008م ، ولم تتحقق أمنيته . ” وفي النفس حاجات إليها كما هي ” .

حضارة نموذجية :

لا شك أن الحضارة الإسلامية حضارة نموذجية ، تغطي جميع شعب الحياة ، فهي لم تكن عاجزةً عن حل المشكلات والمصايب وتبقى بإذن الله إلى يوم القيامة حضارة إنسانية مثالية ، وقد ضمن الله لها الخلود والدوام ، فلا تساويها حضارة في أي زمان ، ولا تبلغ مستواها ،وهناك شهادات أجنبية تؤيد هذه الظاهرة :

يقول المؤرخ الأمريكي بريفولت : ليس ثمة مظهر من مظاهر الحضارة الأوربية إلا ويعود فيه الفضل للمسلمين بصورة قاطعة . ويقول الباحث الألماني الدكتور بير بورمان : إن إنجازات المسلمين في العالم واضحة جلية في جميع شئون العلوم والثقافة ، بل إن إنجازاتهم في مجال الطب ، لا يستطيع أحد إنكارها ، ويقول غوستاف لوبون : إن أوربا مدينة للعرب بحضارتها ، وإن العرب هم أول من علم العالم كيف تتفق حرية الفكر مع استقامة الدين . ويقول رونالد بودلي : كان المسلمون كالغيث الذي يخصب المكان الذي ينزل فيه ، وإن عصر الإحياء في أوربا ليرجع إلى أحفاد صحابة محمد صلى الله عليه وسلم  .

فمن عاش في ظلال هذه الحضارة اطمأن قلبه وانشرحت    نفسه ، ومن أعرض عنها أصيب بالقلق النفسي وابتلي بالاضطراب الداخلي ، قال الله تعالى : أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِّن ذِكْرِ ٱللَّهِ أُوْلَـٰئِكَ فِى ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ( الزمر : 22 ) .

محمد فرمان الندوي