الوضع العالمي للمسلمين

مزاملة العلم والصناعة مع الذكر والإنابة
1 يوليو، 2019
دور اللفظ والمعنى في مجال التعليم والتربية
8 أغسطس، 2019

الوضع العالمي للمسلمين

الوضع العالمي للمسلمين*

فرِّق ……. تسد :

المسلمون في العالم أمة واحدة ، وهم شامة بين الأمم ، لهم تاريخ   مجيد ، وماض مشرق ، ينحدرون سلالةً إلى سيدنا آدم عليه السلام ، فدينه دينهم ودين أبيهم إبراهيم عليه السلام ونبيهم محمد صلى الله عليه وسلم ، تجمعهم وحدة الرب ووحدة الأب ، هزموا بقوتهم القاهرة الامبراطوريتين العظيمتين : الساسانية والبيزنطينية ، وملكوا زمام العالم بوحدتهم  وتضامنهم ، وأسسوا خلافةً على منهاج النبوة تنفس الناس خاصتهم وعامتهم الصعداء تحت ظلالها ، فأنى لهم التناوش من مكان بعيد ، والتفرق على أساس اللون والجنس واللغة والدم ؟

وقد أدرك هذا السر أعداء الإسلام ، فخططوا مخططات مشئومةً لتمزيق وحدتهم وإذهاب ريحهم وتشتيت شملهم ، فحاولوا أولاً في القرن العشرين الميلادي من كسر شوكة الخلافة  العثمانية ، التي كانت رمزاً للخلافة الإسلامية من أمد بعيد ، بذلك تبعثر نظام الوحدة الإسلامية ، وانقسم العالم الإسلامي إلى دويلات لا تستطيع أن تقاوم أي مجابهة خارجية ، ولم يتوقف الأمر على ذلك فحسب ، بل بذرت بين فرق وجماعات هذه الدول بذور نزاعات وشقاقات يمتد تاريخها ويطول  ذكرها ، بين سنة وشيعة وبين مذهب فقهي وبين مسلك ديني ، وعاش الناس طرائق قدداً في هذه الخلافات ، إن هذه الخلافات قد أضعفت قوى العالم الإسلامي وأنهكت أجسامه حتى صارت مثخنةً بالجروح والقروح . ولا تزال القوى العالمية تثير القضايا التافهة بين دولة ودولة ، وتستغل مصالحها ، فلا بد لهؤلاء الدول في الشرق الأوسط  من دراسة هذه الأوضاع المستجدة ، حتى لا يتسع الخرق على الراقع .

حكم الاستعمار الهند قُرابة قرن كامل ، وقد دخلها باسم التجارة والاقتصاد ، لكن بدأ يسيطر عليها رويداً رويداً ، حتى نهب خيراتها وتغلب على نظام حكمها ، وحينما أصيب بهزيمة نكراء  في الحرب الكونية الثانية اضطر إلى مغادرة هذه البلاد ، لكن أحدث بين أهاليها اشتباكات طائفية باسم المسلمين والهندوس ، ووزع شبه القارة الهندية إلى دولتين مختلفتين ، ثم بعد قليل إلى ثلاث دول ، وزرع بينها بذور الخلاف والشقاق ، فتشتعل نيران الحرب بينهما على أمور تافهة ، وتسبب خسارةً كبيرةً ، ثم أنشأت هذه الجهات الفرق الهدامة باسم الإسلام ودعمتها ، وهي القاديانية والشكيلية وغيرها من تحركات ، أصبحت ذات نشاط قوي بتمويلها في مجالات مختلفة ، وكانت سبباً لإغواء كثير من الناس وتفريق كلمة المسلمين .

وقد أثبتت التجارب أن الأعداء لا يحبون تجمعاً دينياً ، وكلما رأوا وحدةً دينيةً خافوا منها على قيادتهم وهيمنتهم ، وظنوا أن زمام قيادتهم ينفلت من أيديهم ، صوّبوا سهامهم إلى هذه الفئة المؤمنة وجعلوها متفرقة شذر مذر ، ومثال ذلك ما كان في انتخابات كثير من الدول التي جرت فيها انتخابات وفازت فيها الأحزاب بأغلبية ساحقة ، لم تكن هذه النتائج وأنباء نجاحها في صالح القوى العالمية ، فدبرت المكايد ، وتحقق حلم : ” فرِّق تسد ” .

وتفادياً من هذه الأخطار أنشئت منظمة التعاون الإسلامي قبل أكثر من 50/ عاماً ، وقد عقدت القمة الرابعة عشر في 27/ رمضان 1440هـ ، المصادف 1/ يونيو 2019م في قصر الصفا بجوار المسجد  الحرام ، تحت شعار : قمة مكة ، يداً بيد نحو المستقبل . حضرها عدد تاريخي كبير من قادة وزعماء المنظمة ، وبالمناسبة قال خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز في كلمته أمام القمة : إن إعادة هيكلة منظمة التعاون الإسلامي وإصلاح أجهزتها أصبحت ضرورةً ملحةً . وقمة مكة علامة فارقة في تاريخ عامها الخمسين ، وقد أبدت الدول الأعضاء طموحاتها نهوضاً بالقضايا المشتركة بين الأمة الإسلامية . فإذا ظهرت هذه المشاريع على أرض الواقع وقام العالم الإسلامي يداً بيد في حل القضايا لا تتحقق نوايا الأعداء وتفشل مبادراتهم السلبية نحو : فرِّق :  تَسُدْ .

انفجارات سري لانكا وقضية الحجاب :

وقعت سلسلة انفجارات شبه متزامنة في ثلاث كنائس وخمسة فنادق في 21/ أبريل 2019م ، وذلك خلال الاحتفال بعيد الفصح ، أسفرت عن مقتل خمس مأة وإصابة عدد كثير من الجرحى ، وهو عدد كبير في سلسلة الانفجارات ، وهو حادث مروِّع ، ومثال سيئ للإرهاب العالمي ، وقد طالب رئيس البلاد مايثريبالا سريسنا المواطنين بالتزام الهدوء ومساعدة السلطات في عملية تحقيق الحوادث ، وبعد ذلك أفادت الأنباء أن مسئولية الهجمات قد عادت إلى داعش أو إلى جماعة التوحيد ، على كل ، فقد أفادت بعض التقارير أن هذه الانفجارات كانت ثأراً للحادث الإرهابي البغيض الذي جرى في نيوزي لندا الذي وقع في 15/ مارس 2019م ، يوم الجمعة ، وراح ضحيته خمسون مصلياً واثنان وأربعون جريحاً ، فإذا كانت الانفجارات توافق الواقع ، فالإسلام لا يؤدي هذه الفكرة ، بل يرفضها رفضاً باتاً ،فإذا حدث أمر في بلد ، لا يجوز لسكان بلد آخر أن يثأروا سكانه الأبرياء ، رغم أن شخص المفجر نيوزي لندا معلوم ومعتقل ، قال تعالى : لاَّ يَنْهَاكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِى ٱلدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوۤاْ إِلَيْهِمْ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ . إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِى ٱلدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُواْ عَلَىٰ إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ . ( الممتحنة : 8 – 9 ) .

حدث هذا الواقع ، ويا ليته لم يقع ، لكن ما ظهر من سلبيات هذه الهجمات أنه قد انتهز لأعداء الفرص وطالبوا بفرض الحظر بعد ذلك على الحجاب وتغطية وجوه النساء ، نظراً إلى التحفظات والاحتياطات اللازمة الموقتة ، لكن ذلك لا يمتُّ إلى شرعية القانون بصلة ، لا سيما وقد اعترفنا بأن هذه الانفجارات قد تولى كبرها عضو من المنظمات الإسلامية المزعومة ، فكيف يسوغ أن تعود تبعتها على الشعب المسلم بكامله ، وإذا ارتكب أمثال هذه الاجراءات رجال البنتلون واللباس الأفرنجي فهل لا يفرض الحظر على  البنتلون ؟! والله إنه لمنطق غريب .

هذا القانون يشير إلى معاداة كل ما ينتمي إلى الإسلام ، ولا شك أن الحجاب رمز ديني ، وعلامة للتمسك بشعائر الإسلام ، ودليل على الحشمة والرزانة ، والطهر والعفاف ، لكن أوربا تصفه خطراً لنفسها ، وقد ظهر مثل هذا الاتجاه في فرنسا ، حينما عرض ساركوزي وزير الداخلية مشروعاً لفرض الحظر على ارتداء الحجاب ، وتبنت هذه الفكرة بعض الدول الأوربية ، لكن ردود فعل إيجابية أثبتت أن الحجاب وأمثاله من الشعائر لن يُتخلى ولا يتنازل عنها ، ولو كان ذلك في حساب بعض مصالح الإنسان .

الانتخابات البرلمانية في الهند والمسلمون :

جرت الانتخابات البرلمانية في الهند منذ 11/ أبريل إلى 19/ مايو عام 2019م حسب العادة المتبعة بعد مرور خمس سنوات على الحزب الحاكم ، وذلك في سبع مراحل ، خاض في خضم الانتخابات الأحزاب السياسية ، وكان  على مستوى البلاد حزبان كبيران : المؤتمر الوطني وحزب بهارتيه جنتا ، أما بقية الأحزاب فلها مشاركة كبيرة في ولايات مختلفة ، تولى مقاليد الحكم حزب بهارتيه جنتا عام 2014م ، وكان ممثله المستر نريندر  مودي ، الذي ظل رئيس الوزراء خلال هذه الفترة .

الهند مهد للديانات ، توجد فيها ملل ونحل وديانات ومذاهب كثيرة ، يسكن على أرضها المسلمون والهندوس والجينيون والنصارى والسيخ وغيرها من الطبقات ، ومعلوم أن شمس الإسلام طلعت على أرض الهند في القرن الأول الهجري ، ثم قامت الحكومات الإسلامية من العربية والغزنوية والغورية والتغلقية والخلجية والمغولية ، وهي دامت أكثر من ثمانية قرون ، ثم احتلها الاستعمار الانجليزي باسم التجارة وتنويع طرقها وجوانبها ، ولكنها تحولت إلى حكم استعماري مستقل بعد ما فشلت الثورة الشعبية ضدها في عام 1857م ، وحكم حوالي قرن كامل ، وحينما خرج منها في عام 1947م ، فلم يخرج إلا بتقسيم البلاد إلى دولتين : باسم الهند وباكستان ، وكل ذلك تحت خطة مدروسة ، فلم يقبل جميع المسلمين هذا التقسيم ، بل ظلوا مثابرين على أرواحهم وممتلكاتهم ، حتى مساجدهم ومدارسهم الدينية ، وقد أدى المسلمون في الهند دوراً قيادياً في تحرير البلاد ، فكان من اللازم أن ينالوا حقوقهم بكل حرية ، لكن تسلط أحزاب وجماعات على الحكومة لا تزال تستغل المسلمين ، حتى وقعت منذ 1947م أكثر من عشرين ألفاً من الاضطرابات الطائفية ، تضررت بها أرواح وممتلكات المسلمين .

الانتخابات الحالية التي دامت حوالي شهر كامل خرقت قانون الجمهورية ، فبدأ دور اللعنات بين الأحزاب وتوجيه الشتائم فيما بينهما ، وتبادل اللعنات والملامة من واحد إلى آخر ، إن دراسة خاطفة لخمس سنوات مرَّ بها المسلمون تكشف لكل من له نظر على مجرى الأحداث أن أعمالاً تنمويةً في المجال الاقتصادي لم تكسب حيزاً كبيراً فيها ، كان إلغاء النقود   السابق ، وقضية التطليقات الثلاث ، والمسجد البابري وتصريحات استفزازية ضد دولة خاصة موضوعات رئيسية لها ، فإذا كانت عناية الناس خاصتهم وعامتهم على هذه الأمور العاطفية فكيف بالرقي والازدهار وأعمال التنمية في البلاد ؟ على كل ، فقد حاز حزب بهارتيه جنتا الفوز  الكاسح ، وعادت إليها الوزارات وحقائبها من جديد ، وإن الخطاب الذي ألقاه المستر نريندر مودي بعد تمكنه من النجاح في الانتخابات العامة يحتوي على بنود سلمية ، وقد نادى من قبل : الوحدة للجميع والرقي للجميع ، وأضاف إلى الهتاف جملةً أخرى : الثقة بالجميع ، نرجو وجودها على أرض الواقع .

المسلمون في الهند منذ تقسيم البلاد يواجهون مشاكل كثيرةً ، حتى قال البعض : كنا في عهد الاستعمار في أحسن حال بالنسبة إلى ما نواجهه اليوم ، فالحاجة إلى استراتيجية حكيمة وقيادة رشيدة واعية بالمسئوليات ، وتقريب الأغلبية إلى الأقلية المسلمة حاجة أكيدة ، وهذه الخطة وإن كانت طويلة المدى ، لكن يُرجى لها نتائج سارة ومنافع ثابتة ، ( ويومئذ ينصر المؤمنون بنصر الله ، ينصر من يشاء وهو العزيز الحكيم ) .

محمد فرمان الندوي

*  فكرة أو عنوان اقترحه أستاذنا الجليل فقيد الصحافة العربية الشيخ السيد محمد واضح رشيد الحسني الندوي قبل وفاته بعدة أيام ، وكان يتابع قراءة نسخة إلكترونية لصحيفة    ” الشرق الأوسط ” اليومية ، وكنت في ذلك اليوم عنده فقرأت عليه أهم الأنباء فقال : أريد أن تكون كتابتي الآتية في صور وأوضاع ” حول : الوضع العالمي للمسلمين ” ، وقبل أن ينجز هذا الاقتراح لبى نداء ربه في 16/ من شهر يناير 2019م ، وانتقل إلى جوار رحمة ربه ، فايفاءً بهذا العهد اخترته كموضوع لإحدى كتابات هذا العمود .