صفقة القرن أو فرصة القرن ؟

دور اللفظ والمعنى في مجال التعليم والتربية
8 أغسطس، 2019

صفقة القرن أو فرصة القرن ؟

يستمر العداء للإسلام والمسلمين منذ أمد بعيد ، واستُغلت له وسائل وإمكانيات كثيرة ، واتُخذت إجراءات صارمة لإنجاز هذه    المهمة ، فكان الغزو العسكري أكبر سلاح للمناوئين للإسلام ، فشنوا غارة شعواء على بلدان المسلمين ، وأتوا على الحرث والنسل ، بما أنهم يملكون أجهزةً إعلاميةً ومعدات عسكريةً ، لكن لم يجدوا بغيتهم المرجوة ، ولم يدركوا غايتهم المنشودة ، فإنهم وإن فتحوا البلاد ، لكن لم يفتحوا القلوب ، فسرعان ما انقلب الأمر ظهراً لبطن ، وظل المسلمون يحكمون العالم مطمئين مرتاحين ومسرورين . ثم غيّر الأعداء استراتيجيتهم ، فبدؤوا الهجوم الفكري واخترعوا له آليات حديثةً وأثروا في المجتمعات حتى شكلوا جيلاً وأعدوا نسلاً كان في الظاهر شرقياً ، لكنه كان في الواقع غربياً ، وكان وجهه مشرقاً لماعاً ، لكن باطنه كان أظلم من سواد الليل .

استعمار أو استخراب :

الغزو العسكري مشاهد وملموس عبر التاريخ ، وهو السيطرة على البلاد والاستيلاء على ممتلكاتها ونهب خيراتها واستغلال وسائلها ، عُرف هذا الغزو على مدى التاريخ بكلمة الاستعمار، ولا شك أنها استخراب ، وقد كشف القرآن الكريم عوار هذه الحقيقة : إِنَّ ٱلْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُواْ قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوۤاْ أَعِزَّةَ أَهْلِهَآ أَذِلَّةً وَكَذٰلِكَ يَفْعَلُونَ ( النمل : 34 ) . بدأ نظام الاستعمار في القرن الخامس عشر الميلادي ، وهو الاستعمار   الأوربي ، وقد هجمت خمسة أقوام من أوربا : أسبانيين وبريطانيين وبرتكيزيين وفرنسيين وروسيين على شتى بلدان العالم ، وأقامت هنا مستعمرات جديدةً بعد إهلاك الحرث والنسل .

” خرج 120/ أسبانيا عام 1492م في قيادة كولمبس للبحث عن الهند ، لكنهم وصلوا إلى أمريكا ، فاستولوا على أكثر مناطقها الوسطية والجنوبية ، وقتل سكان أمريكا القدامى المعروفون بالهنود الحمر (Red Indian  ) بكل وقاحة وأقيمت هنا مستعمرات .

وخرج ملك برتغال المعروف بإيميل عام 1500م على المهمة    البحرية ، واستولى على برازيل رقعة كبيرة لأمريكا ، ثم وسع نطاق مملكتها إلى ماليزيا وفلبين وإندونيسيا .

استولى الاستعمار الفرنسي إلى كنادا عام 1504م ، وأقام هنا مستعمرات جديدةً ، فبدأ الاستعمار الفرنسي ، ثم تغلب على الجزائر وتشاد وتونس وكينيا ومراكش ومالي وعلى أكثر مناطق إفريقيا الشمالية الغربية .

هجم الاستعمار الروسي على البلدان الشرقية الإسلامية في وسط القرن السادس عشر الميلادي ، وكانت مساحة سلطنتها أولاً مليوني ميل مربع ، ثم في بداية القرن الثامن عشر الميلادي استولى على قزاقستان وداغستان وجورجيا وآرمينيا وآذر بائيجان ، وأخيراً تشكلت وحدته بالاتحاد السوفياتي بالاستيلاء على أوزبكستان وتاجكستان وكرغيزستان وتركمانستان وغيرها .

وخرج التاجر البريطاني ” جان كينت ” ووصل إلى أمريكا الشمالية وعاث فيها فساداً ، ثم تقدم خطوةً إلى عدة بلدان قارة إفريقيا : نايجيريا وتنزانيا وزامبيا وإفريقيا الجنوبية والسودان وأوستراليا ، وفي نهاية المطاف استولى على شبه القارة الهندية ، وفي عام 1800م استولى على أكثر بقاع الدنيا ، حتى قيل : دولة لا تغرب عنها الشمس ” .           ( الدراسات العالمية العامة : ج 2/ 59 – 62 ) .

دولة لا تغرب عنها الشمس :

كان الحكم البريطاني ممتداً واسعاً إلى آفاق شاسعة ، فلا تغرب شمس في دوائر مملكتها ، دخلت في آسيا بطريق الاقتصاد وأنشأت شركة الهند الشرقية ، وبدأت تغتصب أراضيها رويداً رويداً ، حتى ملكت شبه القارة الهندية قاطبة ، فلجأ الملوك المغول إلى الفرار ، وبعض منهم أقاموا في الهند ، فكانت حكومتهم تمتد حول بيوتهم ، وقد قيل : إن حكومة شاه عالم من دهلي إلى بالم ( مطار دهلي ) ، خاضت معارك دامية ضد الإنجليز ، وذلك بعد ما أفتى الشيخ المحدث عبد العزيز الدهلوي بأن الهند دار الحرب ، فقاومهم  مقاومةً شديدةً أحد أتباعه المحبين الإمام المجاهد السيد أحمد بن عرفان الشهيد حتى لفظ هو وأصحابه أنفاسهم الأخيرة في معركة بالاكوت شهداء ، ولجأ الفل إلى الجبال ، ثم اشتبكت نار الحرب مع الإنجليز في جنوبي الهند من قبل السلطان تيبو ( المعروف بالأسد ) ، وكان باسلاً قوياً ، ترتعد منه فرائص الأعداء ، وكانت قولته المشهورة سائرة الذكر : ” يوم واحد للأسد خير من مأة ألف من حياة بنات آوى ” ، ناضل الإنجليز نضالاً شديداً حتى قضى نحبه ، وكان النواب سراج الدولة في بنغال شرقي الهند تحدى الإنجليز في ساحة بَكْسَر ، لكن أصيب بالفشل الذريع بمكايد بعض رجال السوء ، وكان استخراب الإنجليز يجري ويستمر حتى كانت ثورة 1857م ، فقد قتل فيها حوالي مأتي ألف من الهنود ، من بينهم خمسون ألفاً من العلماء المسلمين ، وذكر المؤرخون الإنجليز أن كثيراً منهم قد شُنقوا وأُعدموا ، ولم يبق من دهلي إلى شاهجهانفور شجرة إلا وقد عُلقت عليها جثث العلماء والمصلحين الهنود . وقد سجن عدد كبير من علماء وسكان البلاد أمثال العلامة محمود الحسن والشيخ حسين أحمد المدني والزعيم البارز محمد علي جوهر والزعيم الكبير مولانا أبو الكلام آزاد وغيرهم ، فلم يكن قدوم الإنجليز إلى الهند إلا استخراباً وفساداً ، إنهم نهبوا معادن الذهب والفضة في شبه القارة الهندية وغصبوا ثرواتها من الجواهر والمعادن والدرر واللآلي ، حتى نقلوا قسم المخطوطات النادرة من المكتبات الهندية إلى بلدانهم ، وكان ذلك أكبر خسارة وخواء علمي أصيبت به المراكز العلمية في الهند .

ألف البروفيسور مائيكل مين ( أستاذ علم الاجتماع في جامعة كيليفورنيا ) مؤلفاً قيماً باسم :The Dark Side of Democracy   ، ذكر فيه أن المستعمرين الخمسة قد نهبوا خيرات البلدان التي استولوا عليها ، وقتلوا سكانها وأجلوها من أصل أوطانهم ، وأوضح مثال له أن عدد السكان المعروفين بالهنود الحمر (Red Indian  ) في قارتي أمريكا الجنوبية والشمالية عام 1500م تسعون مليوناً ، لكن لما استولى عليها الاستعمار البرتكيزي والاستعمار الفرنسي قلَّ عددهم إلى تسعة ملايين ، أما البقية فقد قُتلوا شر قتلة .

وكفى الاستعمار استخراباً أن الحربين العالميتين اشتبكت نارهما خلال عهده الذي يُعتبر زاهراً ، فالفريق الأول في الحرب العالمية الأولى التي استمرت خلال : 1914 – 1918م يتكون من بريطانيا وفرنسا وروسيا وأمريكا ، والفريق الثاني يتكون من تركيا وألمانيا وآستريا وهنغري ، فقد أسفرت نتائجها عن مقتل أكثر من ثمانية ملايين ، أما الحرب العالمية الثانية التي امتدت بين هذين الفريقين خلال 1940م – 1945م . فكان الفريق الأول مثل الحرب الأولى ، لكن انضمت إليها الصين ، وكان  في الفريق الثاني ألمانيا واليابان وإيطاليا ، فقد قذفت أمريكا فيها قنابل سامة على مدينتي اليابان : هيروشيما وناجاساكي ، ذهب ضحيتها آلاف من المدنيين الأبرياء . هذا هو نتيجة الاستعمار الذي يسبح بحمده أولياء الغرب ويقدسونه .

مؤتمر الازدهار من أجل السلام :

غربت شمس بريطانيا بعد الحرب الكونية الثانية وتحررت البلدان من استعمارها واستقلت ، لكن حلت محلها أمريكا وروسيا ، وكانتا قوتين عالمتين ، حتى أصيبت روسيا بتفكك النظام في أواخر القرن العشرين الميلادي ، وتبعثر اتحادها السوفياتي ، ولحقت به خسارة   باهظة ، فصارت الآن أمريكا دولةً وحيدةً تقود العالم ، وقد خططت نظاماً عالمياً جديداً ، دخلت في بداية القرن الحادي والعشرين الميلادي في أفغانستان للبناء والاستعمار ، لكن لم تنجح في إقرار الأمن والسلام في هذه المنطقة ، ظهرت هذه القوة الكبرى في العراق ، بحجة أن العراق تملك أسلحةً مدمرةً ، لكن تزعزع بنيان العراق ، ولم يكتشف عن السلاح الفتاك ، وقس على ذلك الدول الأخرى .

وقد عقد مؤتمر باسم ورشة العمل من أجل الازدهار في 25 – 26 من يونيو 2019م ، في العاصمة البحرينية ، وذلك برئاسة جاريد كوشنر ( مستشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وصهره ) ، حضره عدد من الدول العربية ، وكان يهدف المؤتمر إلى حل نزاع بين الإسرائيليين والفلسطينين وضخ استثمارات لهم ، وذلك بتقديم خمسين مليار دولاراً ، ووفقاً للأنباء الآتية من المؤتمر أطلق جاريد كوشنر سيلاً من الوعود المعسولة للفلسطينين وأغفل حقوق الفلسطينين ، وقال : يعتبر الناس هذا الاقتراح صفقة القرن ، ولا شك أنه فرصة القرن . قاطع هذا المؤتمر أهل فلسطين حكومةً وشعباً قائلين : لا يمكن الحديث عن الجانب الاقتصادي قبل التطرق إلى الحلول السياسية الممكنة ، وتقول القيادة الفلسطينية : إن ترمب منحاز تماماً لصالح إسرائيل وتدعو إلى إيجاد آلية دولية لاستئناف عملية السلام المجمدة منذ أبريل 2014م ، وأكد المقرر الأممي مايكل لينك ( المعنى بحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية ) وقال : إن أي خطة سلام لا تخضع أمام إطار عمل القانون الدولي فلا بد أن تفشل ، وأضاف قائلاً : إن جميع الخطط السابقة للسلام في الشرق الأوسط فشلت في السنوات ال45 الماضية ، نتيجة عدم الإصرار على اتباع نهج قائم على الحقوق بين إسرائيل وفلسطين . وقال المحللون : إن صفقة القرن تقوم على إجبار الفلسطينين على تقديم تنازلات مجحفة لمصلحة إسرائيل في ملفات القدس واللاجئين وحدود عام 1967م مقابل تعويضات واستثمارات ومشاريع تنموية .

مرّ الفلسطينيون بأحرج لمحات التاريخ منذ قامت دولة إسرائيل في قلب العالم الإسلامي في 15/5/1948م ، ودولة إسرائيل ثمرة من ثمار بروتوكولات علماء صهيون ، ونتيجة مشئومة لمحاولة وزير الخارجية البريطاني ” آرثر بلفور ” في 2/ نوفمبر 1917م ، الذي أصدر أمراً بإقامة وطن يهودي على أرض فلسطين . ومن ثم كانت الهجوم الشرس على الفلسطينيين ، وكان الاستيلاء على المسجد الأقصى عام 1967م ، تعرض الفلسطينيون ولا يزالون يتعرضون للعيش في أشد ضنك وبؤس ، ويحاولون منذ 71 عاماً لدولة حرة ، لكن بدلاً من أن ينالوا الحرية في بلادهم يضيق عليهم الخناق ، وتمسح الآن دموعهم بالدولارات والاستثمارات الأرضية ، فلم يشهد العالم صفقةً على مدى القرن العشرين مثل هذه الصفقة ، ولن تكون هذه الصفقة أبداً فرصة القرن ، لأنه ظلم واعتداء وغمط حق طبيعي وإنساني للفلسطينين ، وهو اقتراح يكون بمثابة : ذر الرماد في عيون الفلسلطينين .

وقال شاعر :

وما من يد إلا يد الله فوقها

وما ظالم إلا سيبلى بـظالـم

 

محمد فرمان الندوي