دور العلم والإيمان الوحيد في وجه الطغيان العنيد

! تطورات عملية لبناء الإنسان
مارس 2, 2017
إعدادات هائلة للقضاء على الأمة !
يونيو 1, 2017

دور العلم والإيمان الوحيد في وجه الطغيان العنيد

إن المسلمين يشكلون اليوم نحو ربع سكان العالم ، وعندهم إعدادات من العلم والثقافة واسعة ، وهم يملكون حضارة إنسانية عالية ، وصناعات وتقنيات لا نظير لها في أي عصر من العصور السابقة ، ولديهم إمكانيات ضخمة من الوسائل والطاقات الكونية ، وهم يملكون مدارس وجامعات ومؤسسات علمية واسعة النطاق قد لا يأتي عليها الحصر ، وعندهم مراكز للعلوم والمعارف وكثرة العاملين في كل مجال من مجالات العلم والدين والآداب والثقافات والمعارف ، ولهم اطلاع واسع على التاريخ العالمي من جميع النواحي ، ولكنهم مستهينون من خلال المجتمعات والدول العالمية الكبرى ، وفاقدون وزنهم في ميزان القوى المادية والقيادية .
فما هو السبب في هذا الضعف والوهن ؟
ولعل الحديث الذي رواه أبو داود عن ثوبان رضي الله عنه يلقي ضوءاً كاملاً على الإجابة على هذا السؤال : ( يوشك الأمم أن تداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة على قصعتها فقال قائل : أو من قلة نحن يومئذ ، قال : بل أنتم يومئذ كثير ، ولكنكم غثاء كغثاء    السيل ، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم وليقذفن الله في قلوبكم الوهن ، فقال قائل يا رسول الله : وما الوهن ، قال : حب الدنيا وكراهية الموت ) ( أبو داود ، كتاب الملاحم ، رقم  4297 ، ومسند أحمد ، ص / 278 ) .
أفليست الأمم شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً تتداعى على بلاد المسلمين ودولهم ، في كل مكان ، وتنهب ثرواتهم وتذبّح أولادهم ونساءهم ، وتدمر مساجدهم ومنازلهم ومدنهم ، وهل حدث ذلك ولا يزال يحدث من غير سبب ؟ لا بل إن عدد المسلمين كثير ، وثرواتهم غزيرة ووسائلهم قوية وكبيرة ، ولكن مهابتكم الإيمانية قد زالت ، وأصبحوا كالأيتام على مائدة اللئام ، لأنهم أصيبوا بداء عضال ، ومرض الكسل والوهن ، أصيبوا بحب الدنيا وكراهية الموت .
لقد تحققت هذه النبوة اليوم بكاملها وعمت في المجتمعات التي تسمى إسلامية ، وأنى لها الانتماء إلى الإسلام ، وأي ميزة تميزها عن المجتمعات المادية الغارقة في بحر من المعاصي والسيئات والمنكرات ، وقد آن لها أن تتذكر أن الغرب قد انتقل الآن من الغزو الفكري والاجتماعي إلى غزو عسكري شامل بغاية من الشدة وبوسائل ضخمة وآليات منوعة لا يحصرها العد والحد ، وما يجري اليوم في أراضي وبلاد المسلمين من تهجير وطرد وإخراج أدل دليل على أن النوايا تنتقل من سيئ إلى أسوأ في هدم أسس الدين ، وتقويض دعائم الإيمان واليقين الراسخة في النفوس .
إن أعداء الإسلام استولوا على المراكز السياسية والاجتماعية وعلى ما يسمونه : الأمم المتحدة ، ومن خلال ذلك يفرضون حصاراً اقتصادياً يشمل العالم الإسلامي وبلدان الأقليات المسلمة ويقومون- تحقيقاً لأحلامهم المزعجة – بتدريب ملايين من الغزاة والمقاتلين من جنسيات مختلفة ضد الأمة المسلمة التي هي أمة واحدة ، وتصفية وجودها من كل مكان أو تغييرها بأمة لا شأن لها بالغاية التي بعثت من أجلها إلى العالم البشري ، يفعلون ذلك لمجرد تخلية الجو وانتهازه لتنفيذ المخططات الهدامة في كل بلد يوجد فيه انتماء إلى الإسلام .
لو لا أن هؤلاء المساكين يعرفون أن طبيعة هذا الدين تتفق وطبيعة الإنسان في كل زمان ومكان بدون أي استثناء لما تظاهروا بهذه الطبيعة الحاقدة ، ولم يقوموا بوضع طاقاتهم من كل نوع فيما لا ينفعهم ، ذاك أن النقمة بغير سبب لا مبرر لها في أي شريعة حتى في شريعة الغابات والجهل والأنانيات ، ولكنهم ملحون على تنفيذ مخططاتهم ضد هذه الأمة المسلمة المسالمة ، والداعية إلى احترام الإنسانية وإنقاذها من كل مهلكة وإتاحة الفرص لها لقيادة العالم .
وهنا تكمن نقطة الخلاف في القيادة العالمية التي نالتها خير أمة أخرجت للناس ، وحُرمتها الأمم البائدة ، ذلك لأنها حق واضح استحقته أمة الإسلام وأخذت زمام هذه القيادة بيدها ، وذاك لأنها سلكت الطريق المبين والمعين لها من خلال تعاليم الإسلام وتربية النبي عليه الصلاة  والسلام ، وقد أطلق الله سبحانه نداءً إلى الناس جميعاً فقال : (
يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوۤاْ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ ٱللَّهِ أَتْقَاكُمْ ، إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ) ، فكانت التقوى هي المقياس الأصيل لمن يصلح لقيادة العالم البشري بكامله ، ومعلوم أن الذين لم يبلغوا هذه المكانة العالية إنما يريدون أن يعرقلوا مسار أهل القيادة ويكيدون ليشغلوهم بمشكلات الحياة ومصايب الدهر وأمراض القلوب ، مما يجعلهم يفقدون منصب القيادة ، ويصابون بالضعف والوهن .
وقد تحدث الله سبحانه وتعالى في كتابه عن عبده الخاضع  الأواب ، داود عليه السلام الذي أعطاه ملكاً واسعاً ، جزاء ذكره المستمر لله تعالى والخضوع لأوامره ، فكان ملكاً خاضعاً خاشعاً أوّاباً لله تعالى ذا قوة في العلم والعمل ، فرضيه الله تعالى وسخر له الجبال والطير محشورة كل له أواب ، وشدد ملكه وآتاه الحكمة وفصل الخطاب ، يقول سبحانه : (
ٱصْبِر عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا ٱلأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ . إِنَّا سَخَّرْنَا ٱلجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِٱلْعَشِىِّ وَٱلإِشْرَاقِ . وَٱلطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ . وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ ٱلْحِكْمَةَ وَفَصْلَ ٱلْخِطَابِ ) ( سورة ص : 16 – 20 ) .
إن قليلاً من التدبر والتأمل في الآيات يعطينا صورة لعبد من عباد الله الذي اتصل بربه ووثق بوعده وشغل نفسه بذكره ، فأكرمه الله تعالى بالقوة العظيمة في العلم والعمل ، وسخر له الجبال التي تعتبر أقوى قوة على سطح الأرض ، فكانت تسبح لله تعالى معه ليل نهار صباح    مساء ، جاء فيما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصحيحين أنه قال : ( أحب الصلاة إلى الله تعالى صلاة داود وأحب الصيام إلى الله تعالى صيام داود ، كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه ، وكان يصوم يوماً ويفطر يوماً ، ولا يفر إذا لاقى ، وإنه كان أواباً ) .
إن عبد الله الأواب ما فاز بهذه المكانة العالية من الجمع بين قوة الحكم وجائزة التسخير وعظمة الحكمة وفصل الخطاب إلا لأنه اتصل بربه تعالى اتصالاً مباشراً وعاش عبداً ذاكراً أواباً ، واستمر في إيثار حب الله تعالى والخضوع أمامه على حب الدنيا وحب الأهل والمال وقوة الملك ، إنه جمع بكل توازن بين هذه المعطيات كلها ولم يقصر في استخدام قوته العلمية والعملية واستعمال حكمته وفصل خطابه مما له علاقة بداخل المرء بقلبه وعقله وعلمه وذكائه وأدب لسانه وبلاغة كلامه ، وكلما عاش الإنسان مثل هذه العيشة المرضية عند الله تعالى ، استقبلته العزة والقوة والسعادة والعلم في كل مكان ، ومثله يتحلى بتقوى الله ونصر الله ، والتوفيق الكامل من الله تعالى لكل عمل وفي كل مناسبة ، فلا يخشى إلا من الله ، ولا يلين إلا لله ، ولا يعيش إلا لله ، ولا يخاف أي قوة مادية مهما بلغت من القوة آخر مبلغ ، ولا يبالي بأي ملك أو سلطان ، إنما همه الله وحده ، ورضاه وحده ، ونصره وحده .
وبالمناسبة نتذكر قصة للجراءة الإيمانية والشجاعة الدينية بالرجعة قليلاً إلى الوراء إلى فجر التاريخ الإسلامي حيث نشاهد للمحة واحدة واقع الاستقامة والصمود في وجه جلال الباطل الزائف وعظمة السلطة الكاذبة ، والملوكية الزائلة .
ذلك أن سعد بن وقاص رضي الله عنه أرسل ربعي بن عامر عبر فتح المدائن إلى رستم قائد قوات الفرس وأميرهم المرهوب الجانب ، فدخل عليه وقد زينوا مجلسه بالنمارق والزرابي والحرير وأظهر اليواقيت واللآلي الثمينة العظيمة وكان لابساً تاجه الثمين ومتحلياً بأمتعة ثمينة أخرى ، وكان جالساً على سرير من ذهب .
فدخل عليه بثيابه الصفيقة وترسه وفرسه القصيرة ، وما زال راكبها حتى داس بها على طرف البساط ، ثم نزل وربطها ببعض تلك الوسائد وأقبل وعليه سلاحه ودرعه وبيضته على رأسه ، فقالوا له : ضع سلاحك ، فقال : إني لم آتكم وإنما جئتكم حين دعوتموني فإن تركتموني هكذا وإلا رجعت ، فقال رستم : ائذنوا له فأقبل يتوكأ على رمحه فوق النمارق فخرق عامتها ، فقالوا له : ما جاء بكم ، فقال : الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله ، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها ، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام .
بمثل هذه الشجاعة العظيمة كان المسلمون يواجهون الحكومات الكبرى والقوات المادية ، وبمثل هذه النظرة الإيمانية كانوا ينظرون إلى الدنيا وزخارفها ، وبمثل هذا التوكل والثقة بوعد الله تعالى كانوا يواجهون الملوك والعظماء ، وكانوا مؤمنين ، متمتعين بوحدة الأمة   الواحدة ، وكانت علاقتهم بربهم قوية وطيدة فكانوا واثقين بربهم وبنصره ووعده ، (
وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِى ٱلأَرْضِ كَمَا ٱسْتَخْلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ ٱلَّذِى ٱرْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِى لاَ يُشْرِكُونَ بِى شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذٰلِكَ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ ) .
أرأيتم – أيها القراء الكرام – هذه الضآلة في الجسم والثياب والفرس ، ثم تلكم الشجاعة النادرة والثقة بالله تعالى بالنصر الذي رافقه طوال هذه اللحظات الحرجة ، والموقف الدقيق الذي وقفه من الجهر بكلمة الله وإعلان كبريائه بأسلوبه المتحدي أمام رجل كبير كان قد بلغ في الغطرسة والاستكبار مبلغاً أخيراً ، فما هو الذي فعل هذا السفير الإسلامي الذي كان مبعوثاً إليه ، والذي كان يتفجر إيماناً وعقيدةً وثقة وقوة من عند الله سبحانه ، وماذا كان من ذلك الرجل الفارسي الأمير ذي الهيبة الكبيرة والحاكم الطاغية ؟ إنه لم يلبث إلا أن يغادر بلاده إلى مهجر ، ويترك للفاتح المؤمن بلاده وعباده لكي يجري حكم الله وأوامر الله وشريعة الله تعالى في هذه البلاد ويتمثل فيها حكم الإسلام بواقعه العملي ليس غير .
فإذا اجتمعت قوة الإيمان الصادقة الراسخة وقوة الحكم والحكمة وفصل الخطاب وقوة اللسان والبيان في فرد أو جماعة فإن ذلك يأتي بالعجائب والغرائب التي تساعد في إحداث الثورات على مخادع الكفر والنفاق ، ويكفي لتغيير النفوس وتوجيهها من الرذائل إلى الفضائل ، ومن متاهات الجهل والضلال إلى مساحات العلم والرشاد ، وهنالك تتوطد الصلة بين الله والعباد ، ويحدث انقلاب في الطبائع والمجتمعات والحكومات .
(
وَمَا ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ بِعَزِيزٍ ) .
والله يقول الحق وهو يهدي السبيل .
سعيد الأعظمي الندو