جناية المدنية المتطورة على الإنسان والإنسانية

شجرة إيمانية ، لا شرقية – ولا غربية !
أغسطس 5, 2017
المسلمون بين الأمس واليوم
ديسمبر 4, 2017

جناية المدنية المتطورة على الإنسان والإنسانية

جناية المدنية المتطورة على الإنسان والإنسانية !

إن نظرة عابرة على المجتمعات البشرية اليوم تفيدنا بأن نسبة الشعور بشرف الإنسان وعلو مكانته في تربية الفضائل في النفوس وقيادة العالم نحو الأمن والسعادة ، والعيش في جو من الهدوء والطمأنينة ، لا تزال تتضاءل مع تضخم آليات المدنية وتكاثر الوسائل الحضارية من كل نوع ، مما جعل المرء لا يبالي بمدويات الكوارث ونبوءات الزلازل والبراكين مثلاً ، ولا يخطر بباله أن يسرع في اتخاذ الوقاية وإزالة أسباب الأضرار والخسائر المترقبة من الشقاء المتمثل أمامه ، ولعل ذلك نوع من التقاعس ، واليأس من استخدام القوى لمواجهة الخطر ودفع النوازل بطريق إيجابي ، و بواسطة الالتجاء إلى القوة القاهرة ، دافع البلايا  والمحن ، رب الكائنات جل وعلا .

ومن ثم نشاهد أن الناس ضعفت صلتهم بالواقع الإيماني العظيم ، ووقعوا فريسة الضلالات والانحرافات في جميع شئون الحياة والمجتمع ، وحلت الوسائل وحدها محل القوة القاهرة ، الواقع الذي سبب العموم لكوارث الهدم والدمار التي شملت العالم البشري من أقصاه إلى أقصاه ، وأنست الإنسان أن يفكر للحظة واحدة في أسباب الشقاء والتعاسة وكثرة الأحداث المؤلمة في صور شتى وأشكال منوعة ، فإن شخصاً يعيش في منزله بهدوء وعافية إذا به يُفاجأ بأحوال شاذة ويؤخذ بخسائر الأموال والأنفس على غفلة منه ، وهذه الأوضاع المثبطة للهمم ، والمشعرة للناس بأنهم مهددون بصفة دائمة ، أصبح شعار الحكام والزعماء المحترفين في عصرنا هذا ، إن وكالات الأنباء العالمية تتبنى تهديد الجماهير وتخويفها على المستوى المعلوم لديها ، ذلك لنشر الفوضى والإشكاليات في المجتمعات التي تعتمد على الآخرين وتستنجد في شئونها المتعددة من أصحاب القوة والمال فتكون عالة عليهم ، ولا تملك من أمرها شيئاً ( سَآءَ مَثَلاً ٱلْقَوْمُ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَأَنفُسَهُمْ كَانُواْ يَظْلِمُونَ ) ( الأعراف : 177 ) .

إن ما يتوافر اليوم من شهوة المناصب وتسليتها باستغلالات بشعة من غير رحمة وهوادة في الدول الغاشمة والشعوب الغنية بفنون زائفة تسحر النفوس وتخدع الجماهير ، إنما مردها إلى فقدان عقيدة التوحيد ، واعتبار الوسائل المادية آلهة ، فإليها المرجع في جميع الأحوال ، وهي العمدة في كل حال ومآل ، أما عقيدة التوحيد فهي تعم الكائنات بكاملها التي هي قائمة بأداء وظائفها من ينابيع التوحيد المتفجرة ، وإن الاستغناء عنها والتغافل عنها يأتي بمصائب ومتاعب من كل نوع ، وذلك واقع مشهود وحقيقة معلومة ملموسة ، ( قُلِ ٱللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ ) ( الرعد : 16 – 17 ) .

تناست معظم الشعوب البشرية أن الله هو الواحد القهار ، فأصيبت بالذل والعار ، واستولت عليها طواغيت الساعة ، فسلطت عليها ألواناً من عذاب الخزي والدمار ، والأمراض النفسية ، والخوف والحزن واليأس ، ونشأت هناك فرق وطوائف ممن لا يقصرون في تدمير القيم الخلقية والتميزات الإنسانية ، وتخلية المناطق من سكانها ، رجالاً   ونساءً ، وشيوخاً وشباباً وأطفالاً ، كأنها لم تغن بالأمس ، وذلك بتنفيذ طرائق القتل والإرهاب ، فكم من نفوس بريئة وقعت فريستها ، وليس ذلك مما يأتي عليها الحصر ، زد إلى هذه الخسائر الإنسانية ما أصيب به الناس من العداوات والحزازات بين الجماعات والقبائل ، ونتائجها في صور من الحروب والمهاجرات والانتكاسات ، مع وجود الحوادث الطبيعية وغيرها مما يواجهه الناس صدفة أو فجاءة ، وتذهب ضحيتها آلاف وآلاف من الأرواح البشرية بالإضافة إلى المجاعات والفيضانات ، والسيول العارمة التي تغطي ساحات واسعة من المساكن والمزارع ، ومن المتاجر والمنازل ، وتمحوها من ساحة الوجود ، دون أن يبقى لها عين ولا أثر ، كل ذلك يحدث كنتيجة للثقة الكبيرة بالقوة والسلطة وبالمال والأنصار ، لأناس متناسين أن هناك ملكوت السماوات والأرض تهيمن على كل ذرة من الكون وعلى كل لذة وشهوة من مال ومتاع في الأرض ، أولئك هم المغترون المخدوعون ممن عاشوا نشوة كاذبة وأحلاماً مزورة ، وعاثوا في الأرض فساداً ، ولكنهم لم يُغن عنهم شيئ من ذخائر الأموال والأمتعة ، ولم تسعفهم ممتلكاتهم من خزائن الأرض وكنوز البلاد يوم فأجأهم الموت بجنوده وجيوشه ، وذهبوا من الدنيا خاسرين دون أن تتسنى لهم لحظة يتنفسوا فيها ، ويتحسروا على ما فاتهم من فرصة لوصية ينبسوا بها أمام أهلهم وذويهم ( كَمْ تَرَكُواْ مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ . وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ . وَنَعْمَةٍ كَانُواْ فِيهَا فَاكِهِينَ . كَذٰلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ . فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ ) ( الدخان : 25 – 29 ) .

تتمثل أمام الأعين مع قراءة هذه الآيات تهجير المسلمين من أرض الشام وإرغامهم على ترك أوطانهم ومرافقهم إلى أراض مجهولة ، ابتلعت صحاريها وأمواج البحار فيها أرواحاً بريئة من الرجال والنساء والشباب والأطفال والشيوخ ، قد يبلغ عددهم ملايين أو ما يقاربها ، وأمست بلاد الشام خراباً يباباً ، الواقع الذي يبعث على البكاء المستمر إلا أن ذلك لم  يتحقق ولا ليوم واحد ، ولم يبك عليه البكاؤن ، لأن وراء هذا الواقع يختفي ما يبرر مثل هذه الكارثة التي لا مثيل لها في عصرنا الحاضر ، فأنى للسماء والأرض أن تبكيا عليه ، وليس ما حدث في بلاد الشام وحدها وإنما هناك دول مسلمة عديدة وقعت فريسة الظلم والقهر ، وأقفرت من أهلها جراء المعاصي والانحراف عن الطبيعة الإيمانية ، وتناسي عقيدة التوحيد ، مع الاقتناع الكامل بالكفر أو بما يشبهه ، ولا ريب أن المعاصي لم تعم في قوم إلا ونزلت عليه من المآسي الشديدة والظروف المستعصية ما محاه من الوجود ، وسجله التاريخ في كل زمان ، قريب أم بعيد .

إن ما يجري اليوم في الدول الإسلامية والدول العالمية باسم مكافحة الإرهاب ومقاومة الجماعات المتطرفة ، يؤكد أن الصراع لا يزال قائماً بين الجد والهزل ويتوزع الناس بين جماعات وأحزاب تدعي أنها على الحق ، وهي لا تتوخى من خلال نشاطاتها إلا تجميع الطاقات لصالح الإنسان ، وأخرى تزعم أنها تطالب العدل والمساواة وإشراك الجمهور من الناس في تسيير دفة الحكومة والنظام ، ونشر الديموقراطية في المجتمعات والمجموعات البشرية على المستوى العالمي ، ومهما تكن من جهود تبذل في إصلاح الأوضاع الاجتماعية والسياسية فليست بشيئ يقام له وزن ، بل إن ترسيخ جذور الإيمان في النفوس من أهم المهمات المطلوبة اليوم ، فليكن ذلك على أوسع نطاق علمي ومعرفي ، وتجميع الطاقات كلها على إيجاد الثقة بالنظام الديني الذي ليس من وضع البشر ، إنما وضعه الله سبحانه وتعالى الذي خلق البشر وأراد أن يجتمع الناس كلهم على نقطة الإنسانية والسعادة البشرية ، ويركزوا على تنفيذ شريعة السماء بغاية من الثقة واليقين بأنها هي الملجأ الأول والأخير لكل سعادة في الدنيا ، والفوز بدرجات عالية في الآخرة التي لا مناص منها في أي   حال ، مهما كانت الظروف ، ولقد قال الله تعالى في سورة الجاثية من كتابه العظيم : ( ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مِّنَ ٱلأَمْرِ فَٱتَّبِعْهَا وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ . إِنَّهُمْ لَن يُغْنُواْ عَنكَ مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً وَإِنَّ ٱلظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ وَٱللَّهُ وَلِىُّ ٱلْمُتَّقِينَ ) ( الجاثية : 18 – 19 ) .

ولكن جنايات التطورات المدنية على المجموعات الإنسانية اليوم تشير إلى أنها تواجه خطراً كبيراً من أصحاب المدنيات الحديثة ، ولا سيما في مجال شريعة الله تعالى وآياته التي اتخذوها هزواً ولعباً متظاهرين بالاستكبار ( أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِى تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنتُمْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ ) وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( ستكون فتن كقطع الليل المظلم ، يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً ، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً ، يبيع دينه بعرض من الدنيا ) ، والعلامات ظاهرة ، فإن أتباع بعض الديانات يُعلنون بما إذا لم تنل مطالباتهم استجابة من الحكومات وولاة الأمور فسوف يتحولون إلى دين الإسلام مع جماعاتهم وأنصارهم ، ويُعلنون عن ذلك أمام الأشهاد وبكل ثقة وحرية .

وقال الله تعالى : ( وَٱتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ ) .

( والله يقول الحق وهو يهدي السبيل ) .

سعيد الأعظمي الندوي

27/11/1438