! تطورات عملية لبناء الإنسان

دور العلم والإيمان الوحيد في وجه الطغيان العنيد
أبريل 2, 2017

! تطورات عملية لبناء الإنسان

كلما تزايد إقبال الناس على تطوير طرق التعليم والثقافة للأطفال والشباب ، وقامت دول عاشت في تخلف عن العلم ، وحرمان من الثقافة إلى مدة من الزمان ، فإنها بدأت تتطلع إلى توفير وسائل التعليم والتربية في شعوبها وفي جميع شعب الحياة ، وهي لا تكاد تعتمد على نفسها في هذا المجال بل تبحث عن منهج متبع في أي بلد يهتم بالتعليم والتربية ويحرص على تطوير إمكانيات العقل الإيجابي وتفجير طاقات الحياة واستغلال الفرص لبناء المجتمع والحضارة ، إنها ركزت على النواحي التعليمية بكافة أنواعها دون أن تقصر في إنشاء المدارس والكليات والجامعات بأقسامها المختلفة ، وإن كان ذلك يكلفها الاستدانة من الدول الغنية واستعارة المعلمين والمدرسين والأساتذة من بلد متطور وآخر ، ولكن بالرغم من كل ذلك تبلغ نسبة المتعلمين والمثقفين فيها إلى خمس أو أقل من ذلك بالمأة ، ولقد كانت بلاد الهند تعاني من تأخر كبير في هذا المجال فكانت نسبة التعليم فيها ضئيلة إلى حد ، ولما أحسّ بهذا النقص جماعة من المسئولين اتجهت إلى بناء الكليات والمدارس والجامعات ، وازداد اعتناؤها بهذا الجانب المهم ، وهكذا في كل بلد دخل فيه الاستعمار وظل تحت سلطته إلى مدة طويلة أو قصيرة
أما الهند وإن كانت ذات أقلية مسلمة ولكنها أقلية تفوق أغلبيات كثير من بلدان العالم ، وهذه الأقلية المسلمة عاشت تحت شعار ديني لا تتم شخصيتها من غير الالتزام بواجب ذلك الشعار ، وهو نشر التعليم للتوصل إلى مفاهيم الدين العالية وخدمة الإنسانية باصدق معانيها ، ومن ثم أقبل المسلمون من أول يومهم على إنشاء وبناء المدارس ومراكز التعليم والتربية ، فتخرج منها جيل محترم يحمل العلم والأدب والثقافة والدين ، مما أثر في تعليم وتثقيف الآخرين ، والقيام بخدمة الإنسانية من غير تمييز أو تفريق ، وبذلك مثل الشعب الهندي وحدة إنسانية عبر مناهجه الدينية والتقاليد والعادات ، وقدم نموذجاً عملياً لإجراء التجارب العلمية والثقافية في جميع مجالات الحياة والمجتمع
ومن خلال هذه التجارب كان الجمع بين علوم الدين والعقيدة وبين العلوم العصرية والتقنية ، فقد أقام العلماء المسلمون مدارس وجامعات دينية ، وعلماء الطبيعة وزعماء الثقافة العصرية والعلمية مراكز تعليمية ومدارس وكليات عصرية لكي يتحقق الجمع العادل المتزن بين الثقافتين ، وذلك رغماً من العوائق السياسية وقلة الوسائل والمحاولات الاستعمارية لحرمان الشعب المسلم بوجه خاص من كل يقظة قومية وشعور سياسي ووعي ديني وخلقي ، لكيلا تتقاصر فترات الاستعمار الإنجليزي على هذه البلاد الحافلة بالمعادن والثروات الأرضية والمواد الزراعية المخصبة التي كانت مركز الأطماع الاستعمارية ومطمع المستعمرين الناهبين الذين بعثهم على الاحتلال والاستعباد ، الواقع الذي دفع كل إنسان في مهلك من الجهل والأمية ، وسهّل سلب لقمة العيش من أفواههم ، وهكذا داب المستعمر في كل بلد أو دولة ، ولولا انتشار العلوم والثقافة على المستوى العالمي لكان العالم كله سجناً للشعوب الضعيفة والبعيدة عن مسارات التعليم ومراكز العلم والمعرفة
ولذلك كان العلم مفتاح كل معضلة وكان مبدء كل سعادة بشرية جامعة ، وكان أول أساس للدين القيم الذي أنزله الله ديناً خالداً للإنسان وشريعة كاملة دائمة للإنسانية جمعاء ، وقد سجلت صفحات التاريخ معطيات هذا الدين في مجال التعليم والتربية بما لم يكن في الحسبان لدى زعماء الديانات السابقة من الأحبار والرهبان والقسيسين الذين لم يؤمنوا بما جاءتهم رسلهم بالبينات فحرموا قيادة العالم ، أكرم الله تعالى بها أمة الإسلام كما صرح بذلك الله سبحانه في كتابه فقال : ( ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِى ٱلأَرْضِ مِن بَعْدِهِم لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ )   ، فأنتج ذلك العلم الأساسي عقيدة الإيمان الراسخ والعمل الصالح التي منحت للإنسان المسلم شخصية ذات فاعلية كبيرة لم يسبق لها مثال في العالم البشري قط ، ألا وهي شخصية القيادة العالمية النابعة من الإيمان بالله ورسوله     ( صلى الله عليه وسلم ) ، وقد ظل زمام هذه القيادة بيد المسلمين الذين أيقظوا أوربا من سباتها العميق وأنقذوا أهلها من غفلة سادت عليهم إلى مدة طويلة ، ولولا أن الدين الحنيف كانت له سيادة في هذا المجال لما استطاع أن يخرّج جيلاً من أصحاب العلم والمعارف وأساتذة العلوم والفنون في أقل مدة ، ممن قاموا بجولات علمية ودعوية في الغرب ، وأنشأوا جوّاً من العلم والحكمة في هاتيك الديار النائية الغربية ، وبالتالي فتحوا المدارس والمعاهد ما بين صغير وكبير حتى أصبحت الأندلس أكبر مركز للتعليم والتربية والصناعة، وعم الشعور بقدسية العلماء وفضيلة العلم والدين والثقافة والصناعة ، وبفضل ذلك استفادت أوربا بكاملها من هذه اليقظة وعياً متواصلاً في مجالات العلوم والصناعات ، وصلت من خلالها إلى قمة عالية من علوم الطبيعة والتطور الحضاري وقامت بالإبداعات والبحث عن المعارف الكونية والتقنيات الحديثة حتى اكتسبت مركز القيادة في جميع مجالات الحياة والعلم والحضارة، وسيطرت بذلك على جميع البلدان المتخلفة حضارياً واجتماعياً ، وتم لها فيها ما يعبر عنه بالاستعمار، الذي دام مدة طويلة ولم ينته إلا في أوقات مختلفة من خمسينيات القرن العشرين حينما قامت الشعوب المستعمرة في بلدانها بثورة ضد الاستعمار ، وضيقت الخناق على المستعمرين ، فلم يعدله طريق سوى إعلان الاستقلال
ذهب الاستعمار وخلا الجو للشعوب والجماهير العامة لتنظيم شئون البلاد على أسس من التخيرات في جميع مجالات الحياة وخاصة في التعليم والاقتصاد وانتظم كل ذلك في ضوء الحاجات الشعبية وشعور خاص بإزالة آثار الاستعمار في جميع مرافق الحياة ، إلا أن تدخلات استعمارية لم تزل تعود حيناً لآخر إلى الدول المستقلة التي جعلتها مسرحاً للجرائم والاعتداءات وإثارة العواطف بين الطوائف واستفزاز المشاعر ضد الدول والبلدان لمجرد تمزيق الوحدة البشرية التي يصنعها الإسلام من أول ما دعا إلى عقيدة التوحيد ونادى بأن البشر كلهم من آدم ، وآدم خلق من تراب

( يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوۤاْ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ ٱللَّهِ أَتْقَاكُمْ )
ولكيلا يفارق الناسَ هذا الشعور، أنزل الله تعالى شريعة كاملة وخالدة عن طريق خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم الذي ليس بعده نبي ولا دين، ولا شريعة ولا نظام ، وكل ذلك نتيجة كمال الدين وخلوده وثمرة لتمام النعمة بواسطة الإسلام ، ذلك الدين القيم الذي رضيه الله سبحانه للكون والحياة والإنسان، وقد أعلن بذلك مدوياً مجلجلاً مع ذكر ما أصيب به الكفار من يأس بفشل جهودهم ضد الدين الإسلامي وحاولوا تخويف الناس بما إذا انحرفوا عن دينهم القديم ، وديانة الوثنية وعبادة الأصنام ( ٱلْيَوْمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِ ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ (وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلأِسْلاَمَ دِيناً
تلك هي الآية الأخيرة التي لما نزلت فرح بها اليهود ، فقد جاء فيما رواه الإمام أحمد في مسنده عن طارق بن شهاب قال : جاء رجل من اليهود إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، فقال يا أمير المؤمنين : إنكم تقرأون آية في كتابكم لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيداً ، قال : وأي آية ؟ قال قول : ( ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ  نِعْمَتِى ) ، فقال عمر رضي الله عنه : والله إني لأعلم ذلك اليوم الذي نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والساعة التي نزلت فيها على رسول الله صلى الله عليه وسلم : عشية عرفة في يوم جمعة ( رواه البخاري ومسلم (والترمذي والنسأي
أفهل هناك شهادة أوضح من هذه التي شهد بها اليهود بكون هذا الدين أكمل من جميع ما سبق من ديانات ونظرات وفلسفات ، وهو نعمة أتمها الله سبحانه وتعالى على بني آدم لآخر مرة ، فلا تفوقها نعمة ولا منة منّ بها الرب سبحانه ، لا على العالم البشري فحسب بل على جميع ما يعيش فيه الإنسان من الكائنات والحياة ، وهي ليست جامدة وموقوفة على طريقة واحدة ولكنها حية متحركة نشيطة تنفع المرء في كل ما هو بحاجة إليه لقضاء حياته على هذه الأرض في سعادة وهناء ، وتوفر له قلباً مطمئناً وصلة مخلصة بربه وبالعباد عن طريق الإيمان والطاعة والبر والإحسان والتورع عن الشبهات والعمل بالفرائض والواجبات ، على جميع مستويات الحياة الفردية والجماعية ، وقد جاء كل ذلك مشروحاً في كتاب الله تعالى ، مبيناً مذكوراً في سنة رسول الله صلى الله عليه  وسلم
إننا لا نمانع العمل التطوري في مجال العلم والحكمة وفيما يعود نفعه إلى الناس في حل مشكلاتهم وتربية أبنائهم ، بل الواقع أن الإنسان مفطور على طبيعة التسابق في الخير فليس التطوير في العلوم والصناعات ممنوعاً عنه في أي حال ، والتاريخ الإسلامي حافل بهذا الواقع الإنساني في فتراته كلها ، ولا يزال المسلمون يتسابقون في تطوير جوانب العمل الإيجابي في بناء الإنسان بأحسن وجه وأفضل طريق ( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ ٱللَّهِ (أَتْقَاكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ
هناك أسلوب آخر للتربية الإسلامية من خلال المناوئين للإسلام ، ذاك أنهم يتزيأون بأزياء المسلمين وقد تراهم يتعممون مثل العمامة السوداء والبيضاء ، ويتظاهرون بأنهم مسلمون ويريدون أن يقوموا بتسليح الشباب من الأمة الإسلامية بسلاح التربية الدينية والتدريب العسكري كذلك ، حتى يتخرجوا من وراء هذه التربية الجامعة شباباً جامعين ، ويتمكنوا من مواجهة أساليب الغزو الفكري والعسكري الذي يقوم به الغرب ضد الإسلام ، ويدبروا للقضاء على تميزات الحياة الإسلامية باستهدافهم شباب الإسلام الناهضين وإدخال الشبهات في نفوسهم وزرع سموم الشك والريبة ضمن التربية الجامعة التي يتناولونهم بها، ومن هنالك يتمهد الطريق نحو انسلاخهم عن العقيدة من غير شعور
إذا تفقدنا هذا السرّ في جماعات الشباب المسلم التي توجد في الجامعات الغربية وما على شاكلتها أدركنا أن هناك مؤامرة دقيقة جداً لسلخ روح الإسلام وإبقاء صورته أو تغييرها كذلك في جميع المؤسسات والجامعات والدوائر السياسية والاقتصادية ، ولتنفيذ هذه المؤامرة لدى هؤلاء المتآمرين وسائل ضخمة وذخائر مكثفة من الأموال والطاقات الإنسانية ، وهم مكبون على تدمير أمة الإسلام والقضاء عليها ، ولا تزال نار الحقد والانتقام تتأجج في نفوسهم ، وهم مستمرون في تغيير روح الإسلام واستبدالها بروح اليهودية والصهيونية
فلنكن على حذر دائم ولنعد طاقاتنا المادية والمعنوية كلها في صد هذا العدوان وإحباط هذه المؤامرات السرية ، ولنستخدم سلاح العلم والدعاء ، فإن الدعاء سلاح المؤمن ، ولا يرد القضاء إلا الدعاء
والله يقول الحق وهو يهدي السبيل

سعيد الأعظمي الندوي