الإنسان ونواميس الكون

وقتل شعب كامل قضية فيها نظر
1 سبتمبر، 2019
بين حضارة وحضارة
12 أكتوبر، 2019

الإنسان ونواميس الكون

من نواميس هذا الكون التغييرات التي تلاحق كل شيئ مما خلقه الله سبحانه في الكائنات من آيات وآثار ومن أرواح وأجسام ، يشاهدها كلٌ من ذوي البصر والبصيرة من الناس ممن يفكرون فيها ، ولكن هناك نوعاً من الناس لا يعرف أكثر من أنه إنسان يأكل ويشرب وينام ويستيقظ ، وينطق بلسان ، ويلبس لباساً يستر عورته أمام الناس ، ولعله لا يدرك أكثر من ذلك شيئاً ، أما الغاية من خلقه في صورة إنسان فلعله لا يفكر فيها ، ويعيش في الدنيا ككائن متميز فحسب ، وله الحق في أن يتمتع بما خلقه الله تعالى في هذه الأرض من متع ولذات .

ولعل هذا النوع من الناس ، وإن كان منهم من تعلم وتثقف ، ومن بلغ إلى أعلى درجة من العلم والثقافة الظاهرة ولكنه قلما يتأمل في صانع هذا الكون وما حقه عليه ، وكيف يعرفه ، وما هي تميزاته الواسعة اللامحدودة التي يعجز عن إدراك أقل شيئ منها بل أقل ذرة منها ، عقل العالم البشري بكامله ، إنه يعيش في أحلام لذيذة ويبني قصور عظمته في الهواء ليس غير ، ويقضي أيام سعادة متخيلة ثم يغادرها من غير رجعة ، هذا النوع من الناس له جولة وصولة في أجزاء من الأرض مختلفة وهو مستمر في سياسته الزائفة وفي أعماله ونشاطاته الصناعية والعلمية باستكبار ، وعلو شأن ، ويعتبر نفسه من سوابق المجتمعات البشرية وروادها نحو الازدهار والرقي مما ليس له نظير في غابر الأزمان ، وقد بلغ بالعلم والصناعة إلى آخر ذروة من الكمال !

ولكن هذا النوع ” المسكين ” لا يأتي في عداد ممن دعاهم الله سبحانه بأولي الألباب وأثنى عليهم وأشاد بمكانتهم في هذا الكون ، لأنهم يستخدمون قوى العقل والفكر في التأمل في آيات الله العظيمة الكبرى ، فقال تعالى في محكم كتابه : ( إِنَّ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفِ ٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ لَـاۤيَاتٍ لِّـأُوْلِى ٱلأَلْبَابِ . ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ رَبَّنَآ مَا خَلَقْتَ هٰذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ) ، جاء في الحديث الصحيح الذي روي عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت : ” لما نزلت هذه الآية على محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم قام يصلي ، فأتاه بلال يؤذنه بالصلاة ، فرآه يبكي ، فقال : يا رسول الله ! أتبكي وقد غفر الله تعالى لك ما تقدم من ذنبك وما   تأخر ، فقال : يا بلال أفلا أكون عبداً شكوراً ولقد أُنزل عليّ الليلة   آية : ( إِنَّ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفِ ٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ لَـاۤيَاتٍ لِّـأُوْلِى      ٱلأَلْبَابِ ) ، ثم قال : ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها ” .

إن هذه الآية وما والاها من آيات تغطي حيزاً كبيراً لأولي العلم والألباب ، وما يتميزون به من صفات ودلائل تجعلهم دائمي التفكير في الآيات الكونية وصانعها العظيم والخضوع أمام قدرته الواسعة الدائمة التي أكرم الإنسان وكل كائن من العالم البشري بالذكر والتأمل   فيها ، ثم الانتفاع بصناعة ذلك الصانع العظيم مع التعمق في كل ناحية من الخلق والأمر ، ودراسة كل زاوية من آيات الله تعالى في السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار ، وبذلك وحده يتمكن المرء من الحصول على سعادة الحياة في هذه الدنيا ، والاستحقاق بالجوائز العالية من الجنات والنعيم في آخرته التي يواجهها بعد الموت ، وفي الحشر بعد   النشر ، وسوف لا يُترك أي كائن من الجن والإنس إلا ويتعرض ليوم الحساب .

ومع هذه الحقيقة السماوية وهذه العقيدة الإيمانية الثابتة    الخالدة ، يتوافر في العالم البشري منذ أول يومه نوع من البشر لا يخضع لها ولا يتعب في التوصل إلى عمقها وإسعاد الحياة في ضوئها ، بل الواقع أنه يتمرد إزاء التأمل فيها ويعتبر أن إرهاق الفكر واستعمال العقل في مثل هذه الأمور الغيبية ليس إلا تعكير صفو الحياة ، والحيلولة في سيرها الطبيعي ، ولقد عبّر كتاب الله تعالى عن هذه الفئة من الناس بأسلوبه المعجز البليغ ، اقرأوا معي الآيات التالية التي قال الله تعالى فيها ” ( لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَآ أُوْلَـٰئِكَ كَٱلأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْغَافِلُونَ ) ، لم يكتف الله سبحانه بتشبيههم بالأنعام فقط بل أضل من الأنعام ، بل وأقل درجة من الأنعام في ضلالهم ، وأحط درجة من الأنعام الضالة وأسفل درجة منها وهي الغفلة !

وما أدراك ما الغفلة والغافلون ؟

لقد كانت الآية جواباً لهذا السؤال ، قال المفسر العظيم أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي ضمن تفسير الآية : ” ( أُوْلَـٰئِكَ كَٱلأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ) لأنهم لا يهتدون إلى صواب فهم كالأنعام ، أي همتهم الأكل والشرب ، وهم أضل من الأنعام ، لأن الأنعام تبصر منافعها ومضارها وتتبع مالكها وهم بخلاف ذلك ، وقال عطاء رحمه الله : الأنعام تعرف الله والكافر لا يعرفه ، وقيل : الأنعام مطيعة لله تعالى والكافر غير مطيع ، ( أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْغَافِلُونَ ) أي تركوا التدبر ، وأعرضوا عن الجنة والنار ” . ( تفسير سورة الأعراف ) .

إن قليلاً من الاستعراض لمجتمعاتنا التي نعيش فيها يؤكد أن هذا النوع من الناس الذي تشير إليه الآية يتغلب اليوم على العالم المعاصر ، وطالما يملك أزمة الأمور ، ويتحكم في أقدار عامة الناس وشئونهم  الحيوية ، وأوضح مثال لذلك إذا تساءلنا عنه ، الولايات المتحدة الغربية التي تحكم في القضايا المصيرية والمهمات الأساسية بصرف النظر عن الحقيقة الفطرية والمشكلة الطبيعية التي يواجهها الإنسان منذ وجوده في هذا العالم ، يوم أعلن الله سبحانه أمام ملائكته بقوله : ( إِنِّى جَاعِلٌ فِى ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ ) ولكن الله سبحانه ردّ عليهم وقال : إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ .

لأن الله سبحانه وتعالى كان قد قرر أن يجعل الأرض قاعة امتحان أوسع للكائن العاقل الذي يشمل الجن والإنس ، ويوزع فيها ورقةً ذات أسئلة مهمة جداً ، تتعلق بالإيمان والكفر بصفة دائمة باقية إلى بقاء العالم البشري .

ومما يؤسف له في عالمنا المعاصر المعاش ، أن ميزة الجمع بين الإيمان الراسخ والإخلاص القائم في النوايا والأعمال تكاد تفقد روحها ، ويقع الناس فريسة الأوضاع والظروف المادية الرعناء ، ولا تخطر ببالهم حقيقة الفرق بين العادة والعبادة والقيام بالمسئوليات الدينية كإنجاز الأعمال العادية والنشاطات الروتينية ، فالصلاة مثلاً يؤديها مع الالتزام بالجماعة أو في المسجد ، ولكنه لا يتصور بذلك أن الله يراه وهو يطيعه بهذا العمل ويكرمه بالعطاء الذي قدر له ، إنما يصلي شفاءً لعادة  تعودها ، وهكذا في جميع الأعمال والعبادات فريضةً وواجباً وسنةً   ونفلاً ، كل ذلك يتأدى ولكن خالياً عن الروح والشعور بأن الله يراه       ( فإن لم تكن تراه فإنه يراك ) .

أين ذهبت الروح وبقي الجسد بارداً خالياً عن الروح ! أليس هذا السؤال يتفق مع الواقع المعاش في مجتمعاتنا وفي مجالسنا وفي أسرنا وبيوتنا ؟ بلى ! إننا نعيش كأمة ميتتة خالية عن الروح المطلوبة والغاية المنشودة ، ألا ينطبق علينا الآية المذكورة من سورة الأعراف ، وبالأخص مبدءها ( وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ …… ) ، فهل هناك إنذار أشد من هذا ، وهل هناك تحذير أعظم من هذا الذي هو مبدء الآية ؟!

وما دمنا نحن الجن والإنس مكرمين بعظمة الإسلام ومنحة أشرف الخلق ، كيف نتناسى هذه النعمة الإنسانية والعقل البشري ، والشرف الجنسي ، والعزة الإيمانية ، وكيف تتحول حياتنا من الدعوة إلى الله والعمل لله ، والعبادة والذكر لله إلى حياة ذرأها الله لجهنم         ( والعياذ بالله ) ، إلى حياة من لهم قلوب ، وعيون ، وآذان ولكنهم يستخدمونها في غير ما وضعت له من الوظائف التعبدية ، والعيش مع الفطرة التي فطر عليها الإنسان وجعله خليفةً في الأرض ، إذ هو مسئول عن تعليم الإنسان وتربية النفس البشرية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

وإن قليلاً من التغافل يجعل الإنسان أضل من الأنعام ويحوّله إلى مادة فساد وضلال ، ويعكس مهمته من الدعوة إلى الحق والطمأنينة والأمن والسلام إلى دعوة للهدم والدمار وكفران النعمة ونشر الفساد والضلال والوحشية في عالم البشر ، وأخيراً إلى أضل من الأنعام .

ليت قادة العالم المزعومين الماديين فكروا قليلاً في هذه الحقائق الثابتة الدائمة وعرفوا قيمة الإنسان ووظيفته في الحياة ، ومصيره إلى دار الحساب التي لا مناص منها في أي حال .

( يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ . ٱلَّذِى خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ . فِيۤ أَىِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ . كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِٱلدِّينِ . وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ . كِرَاماً كَاتِبِينَ . يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ ) وصدق الله العظيم .

والله يقول الحق ، وهو يهدي السبيل .

سعيد الأعظمي الندوي