الدعوة الإبراهيمية الإمامة ، ورفع قواعد البيت وتطهيره !

فلسفة الغرب المادية تُعلن إخفاقها !
أغسطس 1, 2018
ميزة المحرم ، قبل الإسلام وبعده !
أكتوبر 8, 2018

الدعوة الإبراهيمية الإمامة ، ورفع قواعد البيت وتطهيره !

أكد الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه فقال : ( وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ) ، فكانت هذه العبادة عامةً في كل شأن من شئون الحياة ، ولم تخص بشكل منفرد وطريقة خاصة ، فإذا عاش أي واحد من هذين الجنسين بإخلاص للخالق العظيم وعاش للعبادة بجميع أشكالها وألوانها في حياته الخاصة والعامة ، وفي شئون المعاش والتجارة وفي مجالات التعليم والتربية ، وفي المسجد والسوق ، فلا ريب أنه أدى حق العبادة في ضوء تعاليم الكتاب والسنة .

ومما سجّله التاريخ أن الحياة التي عاشها الناس قبل مجيئ سيدنا إبراهيم عليه السلام إنما كانت حافلةً بأشكال متعددة من الشرك والوثنيات ، وكانت المجتمعات البشرية والمجموعات الإنسانية بكاملها ذات انهماك بالصور الشركية ، وكانت أسرة إبراهيم عليه السلام مشغولةً بنشر عبادة الأصنام والأوثان ، وتجارة أدوات الشرك بنحت التماثيل وصناعة الأصنام وتجميلها بالألوان والأصباغ المزركشة الجذابة .

وفي خلال ذلك وغضون الوثنيات والصنميات نشأ إبراهيم عليه السلام ولكن طبيعته السليمة أبت ، واستنكرت فطرة التوحيد والإسلام التي أودعها الله سبحانه في نفسه أن ينضم إلى أسرة أبيه آزر فقال له :    ( أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً إِنِّيۤ أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِى ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ) ، ومن ثم اقتنع بالتوجه إلى الله تعالى ، وأعلن مدوياً مجلجلاً : ( إِنِّى وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ حَنِيفاً وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ) ، وكان قد بحث عن الرب تعالى ، ورأى كوكباً فقال هذا ربي . . . ثم رأى القمر والشمس وظن أنهما يمثلان دور الرب ، ولكن كل التجارب فشلت في نيل مراده وتحقيق فطرة التوحيد التي فُطر عليها ، وذلك ما صرّح به الله سبحانه وتعالى فقال : ( وَلَقَدْ آتَيْنَآ إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ ) .

وبذلك أفاض الله تعالى على عبده ونبيه إبراهيم عليه السلام نعمة الإيمان وإقامة عقيدة التوحيد ومحاربة الشرك ، وابتلاه بكلمات من الأوامر والنواهي والدعوة إلى الله تعالى ومقاطعة الشرك والمشركين والمشتغلين بصناعة الأصنام ونحت الأوثان من الحجارة والأخشاب ، وقيل : ابتلاه بالطواف والسعي بين الصفا والمروة ورمي الجمار والإفاضة ، قاله ابن عباس رضي الله عنه ، فلما نجح في رفع راية التوحيد الخالص بين أوساط الشرك والوثنية ، جعله الله تعالى إماماً جزاءً على ما فعل ، يقول الله تعالى في سورة البقرة : ( وَإِذِ ٱبْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّى جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِى قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِى ٱلظَّالِمِينَ ) وكان من الطبيعي أن يمتد منصب الإمامة إلى ذريته فأبدى رغبته في ذلك ، ولكن الله تعالى أبى أن يكرم الظالمين بعهده إذا كانوا قد انحرف بهم الطريق عن عقيدة التوحيد الخالص ، بوضع طاقاتهم في غير محلها وبالفسوق والعصيان لأوامر الله ، وهم اليهود الظالمون ممن كانوا ينتمون إلى جدهم إبراهيم نسباً ولكنهم كانوا منحرفين عن طريقه وبعيدين عن جادة العدل ، في شأن التوحيد والإيمان واليقين وإن كانوا يدّعون بالإسلام كذباً    وافتراءً ، لذلك فإن الله تعالى رفض بكل صراحة أن يكون للظالمين نصيب من الإمامة والقيادة .

إن تاريخ بيت الله وإحياء رسالته في مجال ترسيخ عقيدة التوحيد الخالص في النفوس والقضاء على الوثنيات المنتشرة يوم ذاك ، يبتدئ من جديد على يد سيدنا إبراهيم عليه السلام الذي رفع راية التوحيد وقام بمحاربة الشرك واستئصال جذوره من الأعماق بإذن من الله تعالى . وقد تحدث الله سبحانه عن هذا الواقع الذي كان نتيجة لملة إبراهيم وسبباً لوجود الأمة المسلمة من ذريته ، وانتشارها في العالم البشري من خلال رسالة الإسلام ودعوته التي حملها خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وسلم، الذي بعثه الله تعالى بالدين الكامل ونعمة الإسلام الخالدة الباقية النامية إلى يوم الدين ، فكانت شريعة الإسلام منهجاً دائماً للحياة والإنسان في جميع أنحاء العالم تتفق طبيعته مع طبيعة البشر بوصف دائم عام ، رغم اختلاف المجتمعات البشرية وأحوالها وظروفها ، ولنقرأ الآن آيات تشير إلى تاريخ بناء البيت من جديد ، وتوجيه طلب إلى الله تعالى للبعثة المحمدية الدائمة الشاملة ، التي تعرف بملة إبراهيم : ( وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ ٱلْقَوَاعِدَ مِنَ ٱلْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ ، رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ، رَبَّنَا وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ ، وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ ، وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ إِنَّكَ أَنتَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ، رَبَّنَا وَٱبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ، إِنَّكَ أَنتَ ٱلعَزِيزُ ٱلحَكِيمُ ، وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ ، وَلَقَدِ ٱصْطَفَيْنَاهُ فِى ٱلدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِى ٱلآخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّالِحِينَ ) ( البقرة : 127 – 130 ) .

كل ذلك كان بقرار سماوي وتقدير إلهي ، لا لصالح الإنسان وسعادته وحده ، وإنما كان نظاماً محكماً دقيقاً لبقاء هذا الكون وما فيه من حياة وآيات ، فالبيت الذي رفع قواعده إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام كان محوراً محكماً دقيقاً تدور حوله الكائنات كلها بصفة دائمة ، والطواف حول البيت يرمز إلى دوران الكون وكل ما فيه ، حول أوامر الله ونواهيه ، فكان مباركاً وهدى للعالمين ، وفيه دلالات واضحة على أن حياة الإنسان لا يكتمل غناؤها إلا بوضع الجوارح والعواطف ، والجسم والروح ، والعقل والقلب ، كل ذلك في الخضوع أمام أوامر الله تعالى والطاعة الكاملة للشريعة التي أنزلها إليه عن طريق نبينا الذي ختم به الرسالة وجعله مثالاً أكمل من جميع النواحي للعالم البشري أجمع ، وكل ما فيه من شئون ونشاط وحياة وتحركات ، ومن حضارة واجتماع وأخلاق وسلوكيات تستوحي من حياة الرسول الأعظم الكريم صلى الله عليه وسلم ، الذي أثرى حضارة الإسلام الشاملة بتوجيهات سماوية في كل منحى من المناحي ، وذلك بتأثير الدعوة الإبراهيمية التي عمت المعمورة كلها وأقامت ميزان الحق والعدل وأزهقت أهل الباطل ممن كانوا مغترين بالزخارف والذخائر المادية ، معرضين عن تجارة رابحة دلّ عليها الله سبحانه وتعالى عباده المؤمنين ( يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ، تُؤْمِنُونَ باللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ  وَأَنفُسِكُمْ ، ذلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ . يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِى جَنَّاتِ عَدْنٍ ذلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ ) ( الصف : 10 – 11 ) .

وتمت هذه الصفقة ليلة العقبة مع عبد الله بن رواحة الذي قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : اشترط لربك ولنفسك ما شئت ؟ فقال صلى الله عليه وسلم ” اشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً ”       و ” اشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم ”    قال : فما لنا إذا فعلنا ذلك ؟ ، قال : ” الجنة ” وهنالك أعلن ابن رواحة ومن معه ” ربح البيع ولا نقيل ولا نستقيل ” ( نقلاً من ظلال القرآن لسيد قطب في تفسير سورة الصف ) .

ولا يخفى دور إبراهيم ودعوته والبيت الذي تولى رفعه هو وابنه العزيز إسماعيل (عليهما السلام ) بأمر من ربهما ، وكذلك كل من عظّم البيت ، ورفع شأنه وذلّل الصعوبات دون وصول الناس إليه ، والطواف حوله ، وقد سجّل التاريخ بمداد من نور جميع تلك الوسائل والمجهودات والقبائل والحكومات والجماعات التي نال بيت الله في البلد الأمين تعظيمها وإلباسها كسوة العز والشرف باعتبارها البيت الوحيد في عالم الكون الذي أمر الله سبحانه ببنائه ورفع شأنه ودعوة الناس إلى حج البيت والطواف والسعي ، يقول الله تعالى : ( إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِ فَمَنْ حَجَّ ٱلْبَيْتَ أَوِ ٱعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ ٱللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ ) ( البقرة : 158 ) .

ونحن في العصر الراهن نشاهد تركيز المملكة العربية السعودية على تعظيم بيت الله وتسهيل حجه ، وتيسير الطرق والمواصلات من جميع أنحاء المعمورة للوصول إلى بلد الله الأمين وأداء هذا الركن العظيم بجميع شعائره وأداء مناسكه في المشاعر بتوفير التسهيلات وأسباب الراحة والطمأنينة ، حتى يتمكن الحجيج من التفرغ لأداء هذه العبادة الجليلة بغاية من الهدوء والأمن والسلام ، وقد بلغ عددهم اليوم أكثر من ثلاثة ملايين حاج جاؤوا من أرجاء العالم كلها شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً ، وما تيسر ذلك لو لا عناية الله سبحانه بهذا الركن العظيم ، الذي تكتمل به الشخصية الإسلامية ويرتفع به صرح الإسلام عالياً ، وما ذلك إلا بتوفيق من الله سبحانه لعباده المؤمنين .

( ذلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى ٱلْقُلُوبِ ) ( الحج : 32 ) .

سعيد الأعظمي الندوي