دور أمانة الدين في بناء الإنسان

بين حضارة وحضارة
12 أكتوبر، 2019

دور أمانة الدين في بناء الإنسان

لعل خبراء العلوم والمعارف يتفقون على أن العنصر الأساسي في بناء الإنسان في كل فترة من التاريخ ، يعتبر الشعور بالمسئولية مرجعاً في توفير الوسائل الإيجابية لهذا البناء السليم ، بل الواقع أن كل بناء مهما كان لا يتم من غير توافر لهذا الشعور الغالي ، وقد يكون ذلك أول وسيلة تتولى العزيمة الصادقة على بدء العمل البنائي ، وتبعث الثقة في النفس على تحقيق الواقع الذي كان لا يعدو حلماً من الأحلام ولكنه يتمثل اليوم في صورة عملية يراها الناس ، وطالما يكون واقعاً مغبوطاً ، يثير في الإنسان دوافع النزول في ميدان العمل وبذل كل الإمكانيات في تحقيق الصورة الواقعية التي كانت حلماً فقط ، ولم يكن له وجود في ساحة الواقع من قبل ، أما إذا راودت النفوس برامج إنشاء معجزة من العمل البناء فعزمنا على تحقيق ذلك من غير تردد أو تكاسل أو تأخير ، متوكلين على الله سبحانه وتعالى بكل صدق وإخلاص وأمانة وصبر ، فلا ريب أنه يتمثل في صورة حية عملية ، ويكون مصداقاً لقول الله سبحانه : ( فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَوَكِّلِينَ ) ، وذلك طريق لا يتعبد إلا بالصبر والتقوى كما قد صرّح الله تعالى بذلك في قوله : ( وَإِنْ تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذٰلِكَ مِنْ عَزْمِ   ٱلأُمُورِ ) .

إننا نعيش اليوم في عالم مادي ، ولكن المشاهد المعلوم فيه على مستوى الجماعات والحكومات أن أصحابها والقائمين عليها لا يقصرون في تحقيق العزائم الفاسدة التي يقصدونها ، وإن كلف ذلك من الأموال والأنفس ما لا نستطيع أن نتصوره ، وليس مما يخفى على المطلعين والمهتمين بالاطلاع على مجريات المجتمعات المادية ما يُتخذ من الإجراءات الجريئة لهدم القيم الإيمانية والإنسانية في مجتمعات بلدان المسلمين رغم كثرة عددهم والتزامهم بالدين ، إلا أن المشاريع التي تنال تنفيذاً باسم الثقافات والعلوم والمصالح السياسية والنفعية لا تكون في صالح الإنسانية العامة والثقافات البشرية التي توسع المعلومات الإيجابية العلمية والصناعية أو السياسية ، بل الواقع أنها تكفي لتنخير جذور القيم من كل نوع وتحويل الإنسان إلى كائن حي يستطيع أن يودي دوره في خلع لباس الاحتشام والزينة ، فما أيسر تحويله إلى كوائن الغابات ، مسلحةً بأسلحة الجرائم الخلقية علناً وجهاراً كما تنجز السباع شهواتها أمام العالم بدون استحياء أو احتشام ، فإذا تحول هذا الكائن الذي فضّله الله سبحانه على سائر الخلق إلى أسفل درجة من البهيمية ماذا ستظهر النتائج ، ومن أي خلق يُعمر هذا العالم الذي ينتمي إلى البشر ، ذلك الذي خُلق لبناء هذا العالم بالشعور الكامل للأشرفية التي منحها من خالقه ، وذلك ما كان يعلمه الله سبحانه وكان في غيب علمه أن المهتدي إذا ضل الطريق السوي وحاد عن الخط الذي قرره الله سبحانه لأشرف خلقه فسيفقد ميزته بين الخلائق كلها ، ويعود إلى أضل من الأنعام ويعيش في غفلة أيّ غفلة ، تسلب منه الشعور بالإنسانية ، اقرأوا ما جاء في كتابه الخالد السماوي العظيم : ( لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَآ أُوْلَـٰئِكَ كَٱلأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْغَافِلُونَ ) .

هذه الآية تغنينا عن كل تبرير لسقوط الإنسان من منزلة الشرف الذي أُكرم به على كثير من خلق الله تعالى بتوفير الطيبات له من الرزق الحلال وتفضيله على الخلق الكثير ، وتنشئ فينا الشعور بأداء المسئولية العظيمة التي لا نتبرأ منها ما كان الشرف الإنساني يساير طبيعة التمييز بين الخير والشر وبين الطاعة والمعصية ، ويساعدنا على إحراز كل فضيلة والاحتراس من المعاصي التي تقضي على مكانة الشرف ، وتُغرقه في أوحال الذلة والبهيمية التي غاصت فيها كثير من الأمم البائدة   والحاضرة ، وما قصة الحروب التي دارت في هذه البلاد أيام الاستعمار الذي دام إلى مدة قرنين ، فقد كان الإنسان خلال ذلك مظلوماً مضطهداً لا يعرف مصيره ، وقد فقد الكرامة الإنسانية وعُذب بالقتل والجوع والسجن ، وعاش أذل من الأنعام ، ذاك أن ضمير المستعمر كان عامراً بالحقد على الشعب الهندي وكان مشحوناً بالاستغلال ونهب كنوز البلاد وخيراتها بأسرع وقت ممكن ، قبل أن تكون هناك ثورة أخرى ضده      ( بعد ثورة 1857م ) ، ولا يمكنه التغلب عليها بأي حال .

إن الشعور بالحرية الطبيعية التي خُلق عليها الإنسان ، والاحتفاظ بالكرامة التي أُكرم بها منذ أول يوم خُلق فيه ، يتطلب منا أن نعيش كل نوع من اليقظة البشرية التي تشمل الحياة بكاملها وتعينه على أداء واجبها باستمرارية شاملة ، وذلك هو العنصر المتميز في حياة كل إنسان ينقذه من قعر الغفلة إلى مرتفعات العلم والشعور والذكاء ، ويذكّره بمنصب القيادة العالمية التي منحته خلافة الأرض ، وهداية الأمم ، ومنذ ذلك الوقت يتبوء الإنسان هذا المنصب العظيم ، وأرسل الله سبحانه رسله لتذكيرهم بذلك الشرف وهدايتهم إلى الطريق المستقيم ، وفي آخر مطافهم بُعث رسولنا العظيم محمد صلى الله عليه وسلم لإنقاذ الناس من الجاهليات الشائنة والضلالات الفاشية ومن الخضوع والتذلل أمام الأحجار من أصنام وأوثان لا شأن لها ، وقد بذل النبي صلى الله عليه وسلم كل ما أمكنه في مجال دعوة الناس إلى عبادة الله الواحد القهار والعودة بهم إلى توحيد الرب وترك الجاهلية من الكفر والشرك ، ولم يبال في أداء واجبه بأي عائق أو عداء أو إيذاء أو تهديد و وعيد ، وقد نصره الله تعالى فأعاد إلى الإنسان الشعور بعبوديته لله تعالى وأفضليته على الخلق كله من خلال عبادة الله تعالى وتوحيده ونبذ وسائل الشرك كلها والخروج من ظلام الجاهلية الجهلاء إلى ساحة الحياة الواسعة مع اللجوء إلى الخالق جل  وعلا ، وصبغ الحياة بالإيمان وصالح الأعمال ، ونشر الأمن والسلامة بين المجتمعات الإنسانية .

( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ ) .

ولقد كان أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم ومن تبعهم بإحسان نموذجاً مثالياً للحياة التي أرادها الله سبحانه أن تملأ العالم  كله ، فتهب فيه رياح الشعور بالمسئولية التي حملها الإنسان كأفضل خلق ، ويوديها بغاية من الدقة والصدق والأمانة ، ومن ثم كان الإنسان خليفة الأرض الذي تولى نشر الخير والبر ووصل نفسه بربه تبارك وتعالى على جميع المستويات وفي جميع النشاطات والأعمال التي يمارسها في كل حين حتى يقدم مثالاً للكائنات كلها في الخضوع لربه والثقة بوعده بالاستخلاف في الأرض وتمكين الدين الذي ارتضاه لعباده المؤمنين الصالحين وتبديل كل خوف بالأمن والسلام ، كل ذلك يتحقق بشرط العبودية لله تعالى والامتناع عن الشرك بجميع أنواعه الجلية والخفية ، انظروا كيف يتحدث الله سبحانه عن ذلك في أسلوب واضح بليغ معجز : ( وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِى ٱلأَرْضِ كَمَا ٱسْتَخْلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ ٱلَّذِى ٱرْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِى لاَ يُشْرِكُونَ بِى شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذٰلِكَ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ ) .

والله سبحانه وتعالى عرض هذه الأمانة الجليلة الشأن على السماوات والأرض والجبال فلم ترض بحملها واستولى عليها الخوف ، ولكن الإنسان هو الذي رضي بحمل الأمانة وأدائها من غير نقص أو   زيادة ، فذلك هو الإنسان المطلوب لبناء هذا العالم على أكمل وجه ، وهو الخلق المتميز المؤمن بالله إيماناً صادقاً بعيداً من كل شرك ونفاق ، وهو الذي يشعر بقيمة هذه المسئولية العظيمة ويوديها بإذن ربه بكل دقة وأمانة ( وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ) .

يقول الله تعالى : ( إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصَّادِقُونَ ) .

والله يقول الحق ، وهو يهدي السبيل .

سعيد الأعظمي الندوي