أبشروا بنعمة الكمال والخلود

إنا لله وإنا إليه راجعون ! الأستاذ السيد محمد واضح رشيد الحسني في ذمة الله تعالى
3 مارس، 2019
شهر رمضان الكريم ، كيف نعيشه !
22 مايو، 2019

أبشروا بنعمة الكمال والخلود

لم يكن الإعلان السماوي الأخير عن كمال هذا الدين وتمام نعمته على الناس إلا رحمة للإنسانية جمعاء إلى آخر لحظة من حياة هذا الكون والإنسان ، فقد كان الكائن البشري منذ آدم عليه السلام يعيش حياة طفولة ونمو تحت إشراف خالق الأكوان بكاملها ، وقد قيض الله سبحانه أن ينال الإنسان تربية الحياة رويداً في ظل تربية النبوات والرسالات التي بُعثت بها الأنبياء والرسل على مدى الأعمار والقرون ، حتى جاء عصر النبي عيسى المسيح عليه السلام الذي أدرك عصر المراهقة ومبدء الشباب للجنس البشري ، وتيسرت له التربية الإنسانية في ضوء تعاليمه التي بُعث بها إلى أمته ، وإن كانت فترة العمل الواقعي والعيش في ضوء تعاليمها الأصيلة قصيرة ، وتغيرت صورتها الحقيقية بأشكال متعددة في ظرف مدة قليلة لم تكن تمت إلى دين المسيح عليه السلام بأي صلة ، وظلت المسيحية الزائفة عائشة في المجتمعات الإنسانية إلى ستة قرون ، وهنالك ظهر أمر الله تعالى وقضى بمبعث خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وسلم في بداية القرن السابع الميلادي ، حينما كانت الإنسانية قد تدلت إلى آخر المدى وكانت قد تم شبابها وشُغلت باقتراف جرائم الشباب الخلقية على جميع المستويات الفردية والقبلية ، ومثلت الضلال بأتم معانيه وأشكاله ، يقول الله تعالى : ” هُوَ ٱلَّذِى بَعَثَ فِى ٱلأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِى ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ” .

فكانت البعثة الأخيرة ثورةً عظيمةً أساسيةً واجهها العالم البشري وعرف من عرف قيمة هذا الانقلاب الذي جاء لتغيير المسارات الخاطئة التي كان الإنسان قد اختارها لنفسه يوم ذاك ، إشباعاً للشهوات التي كان يعيشها من غير رادع أو حاجز ، وانسياقاً نحو الموجات العاتية من الجرائم الخلقية والإنسانية ، وقد كانت راسخة الجذور في صميم حياة الناس الفردية والاجتماعية ولم يكن من السهل أن يفارقوها أو ينعزلوا عن كلها أو قُلّها .

فكان ذلك هو السبب الأساسي في محاربة النظام الإنساني الجديد الذي أتى به خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم ، وقد كان مبعوثاً من الله سبحانه ومؤيداً منه في إعلان الحق ضد الباطل الذي انغمس فيه الناس في هذه الفترة التي امتدت إلى ستة قرون ، نشأت خلال ذلك أمم وشعوب وقبائل وحكومات ودول قائمة على أساس النفعية والانتهازيات المنوعة ، وقد شهد العالم بكامله فشل كل نظام أو قانون وُضع لصيانة الإنسانية ونشر الأمن ومحاربة الفوضى والأنانية ، إلا أن جميع المحاولات فشلت في إعادة الأمن وصيانة حقوق الناس وأعراضهم ، وذهبت أدراج  الرياح .

ورغم أن النبي صلى الله عليه وسلم بذل لأهل الجزيرة العربية أولاً كل النصح والخير ودعاهم إلى معرفة ذلك الصانع العظيم الذي صنع السماوات والأرض وخلق الإنسان وميّزه عن كل خلق آخر وفضّله على الأنعام ، وأكرمه بقيادة الكون والانتفاع من نعمه الكثيرة التي خلقت للعالم البشري وحده ، ولكنهم كانوا منهمكين في عبادة الأصنام والأوثان ومعتقدين أنها هي التي تملك كل قدرة على استجابة دعائهم وتوفير كل حاجاتهم ، وأن الله تعالى فوّض إليها عمل الرزق والحياة بالعيش في ظل الوثنية ، وقد ركّز النبي صلى الله عليه وسلم بأمر من الله تعالى وبطريق جميع طاقاته الإيمانية وأساليب حياته على أسلوب العودة بهذه الأمة الجاهلية إلى أمة التوحيد والإيمان الحقيقي بقدرة الله تعالى ووحدانيته دون أن يكون له حد أو نهاية .

ومع اختلاف الأيام والأزمان تغير الوضع الحقيقي الأصيل بأوضاع مضادة وأصبحت المجتمعات المسلمة اسماً بلا رسم ، وكذلك المسلمون عاشوا بالاعتماد على تاريخهم القديم ، وباقتفاء آثار السلف من أب وجد وذوي القربى ، وتناسوا ما قد بناه علماؤهم القدامى من قصور المجد والفخار العالية في مجالات العلوم والتقنية والحضارة الإنسانية الإيجابية ، وكانوا قد استغلوا جميع طاقاتهم العلمية والإيمانية والعقلية في الإبداع والابتكار ، سواء في المجالات الصناعية والفلسفات التمدنية أو في استخدام الخزائن الطبيعية في صالح الحياة والإنسان والكائنات ، الواقع الذي كان قد فتح لهم طريق الحياة كجنس متميز بشري للعالم الذي كان يعيش أضل من الأنعام في ظلال الخوف وساحة الحزن والجوع ، ولكن الله سبحانه أخرجه من تلك الظلمات والمتاهات إلى ضوء العلم ونور الإيمان بفضل علماء الإسلام ودعاته المخلصين ممن بذلوا مجهودات بالغة في عملية الإخراج من أوضاع غير طبيعية إلى الوضع البشري الشفاف ، ومن حياة البهيمية إلى العيش الإنساني الذي غيّر مجرى الحياة وعاد بالنوع البشري إلى مكانته السامية ومكانة ” الأفضلية ” والقيادة العالمية .

ومما يؤسف له اليوم أن إسلامنا المعاصر أصبح إرثاً ورثناه أباً عن جد في الأشكال الظاهرة والأشكال المروجة ، إلا أن جوهرة الإيمان والثقة ودوافع التضحية والفداء غابت من غير إعلان ، وبلغ عددنا إلى أكثر من ألف وخمس مأة مليون بل العدد الواقعي أكثر في الإحصاء العالمي الحقيقي أكثر بكثير من العدد المعلن عنه من المؤسسات الإحصائية العالمية ، وهو في تزايد مستمر في العالم كله ، الواقع الذي ملأ القلوب القاسية والأفكار المتمردة غيظاً وغضباً لا يمكن أن تقدر مساحة هذه القسوة والتمرد بأتم معانيها ، ولا تزال هذه الثائرة ضد المسلمين المعاصرين تتسع على مر اللحظات واللمحات ، ولكن نطاق المهتدين إلى دين الإسلام في اتساع مستمر ولكن سلسلة الملتجئين إلى ظل الإيمان وبرد اليقين في انتشار سريع ليس له توقف ولا تكاسل ، كما هو المعلوم في ضوء الحقائق في عدد من دول الغرب والشرق ، وليس هذا الواقع الملموس في مجتمع الأميين أو المتخلفين عقلياً واقتصادياً ، بل الواقع أن ذلك مشهود في المجتمعات الثقافية العالية وأهلها العقلاء الراسخين .

وقد فُوجئت أثناء كتابتي هذه السطور بخبر مدهش للغاية ، ذاك أن جمعاً كبيراً من المصلين في صلاة الجمعة في أحد أكبر مساجد مدينة كرائست جرجChristchurch  في دولة نيوزي لاندا ، وفي مسجد آخر في نفس البلد وفي نفس الموعد ( أثناء صلاة الجمعة ) هاجم فيهما بعض الأشقياء الحاملين أسلحة من البندقيات التلقائية على المصلين واستمر في إطلاقها حتى استشهد منهم خمسون مصلياً ، وكان عدد الجرحى أكثر مما يقاس ، ووقع من هرج ومرج وفرار وسقوط على الأرض ، وقامت قيامة أثارت العالم كله ضد الهمجية وبعثت في النفوس من المخاوف والاندهاشات ما لا يقاس ، فكان من الطبيعي أن يقوم حاكم البلاد بالتفتيش عما جرى أثناء أداء صلاة الجمعة في المسجدين ، والبحث عن أسباب الحادث الشنيع المفاجئ الذي تتجلى من خلاله عداوة شديدة وشحناء خبيثة ضد الإسلام والمسلمين .

ولا غرو فإن رئيسة وزراء الدولة السيدة ” جاسيندا آردرن ” أسرعت في التفتيش عن الواقع المفاجئ المدبر والاهتمام باللقاء مع أقارب الشهداء وأزواجهم ، وعيادة المرضى في مختلف المستشفيات ، وتوفير المساعدات لورثة الشهداء والجرحى ، ونشرت بياناً حول ذم المجرمين وعقابهم ، وإعداد ظروف جدية ووسائل قوية للحد على مثل هذه الجرائم الإنسانية الخبيثة .

هذا الحادث البغيض الشنيع أثار الغيرة الإنسانية وتحدى فئة المجرمين الظالمين ، ودعا أهل الحكم إلى نقمة سريعة ضد المجرمين بالسجن والقتل ، واقتلاع جذور مثل هذه الجرائم الوحشية التي قلما يوجد لها مثيل في تاريخ العالم البشري . وقد طالبت رئيسة الوزراء المسئولين عن البرلمان الذي بدأته رئيسة الوزراء بالسلام عليكم وبتلاوة آيات من القرآن الكريم ، بالتفتيش الجدي عما جرى من الوحشية التي تندَّى بها جبين الإنسانية في العالم كله .

ومن ثم فإنني اعتقد أن هذا الحادث الوحشي سوف يثير رد فعل في محاكم العدل والصدق ويفتح الطريق بمشيئة الله تعالى نحو العودة إلى الفطرة الإلهية السليمة ” فِطْرَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِى فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ ذٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ” .

والحادث مهما كان سيئاً ومشئوماً إلى آخر المدى ومهما كان نموذجاً للنسيج من المؤامرات والعداوات التي ينسجها الأنعام الوحوش متشكلين بأشكال من الإنسان ، ولكنه في الواقع تبشير من الله سبحانه بدخول الناس في دين الله تعالى أفواجاً ، ولقد صدم آذان هؤلاء المجرمين دخول أفواج من الناس في دين الله تعالى عقب وقوع هذه الجريمة من غير تأخير ، كما أفادت الأنباء بذلك ، ولا يزال عمل الاهتداء إلى هذا الدين مستمراً بغاية من الجدية والإخلاص ، وستؤتى أرواح شهداء هذه الوحشية الإجرامية ثماراً يانعةً جنيةً بإذن الله تعالى ، ” وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ   ٱلْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ ٱللَّهِ ، يَنصُرُ مَن يَشَآءُ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ” .

والله يقول الحق وهو يهدي السبيل .

سعيد الأعظمي الندوي