قصة الإسراء والمعراج والمسجد الأقصى ، والقدس بين الأمس واليوم

الدين الكامل ، نعمة لا تساويها نعمة
مايو 21, 2018

قصة الإسراء والمعراج والمسجد الأقصى ، والقدس بين الأمس واليوم

الرحلة من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى لم تكن عفواً أو ارتجالياً ، إنما كانت بتقدير دقيق من الله العزيز الحكيم ، فكلما قارب موعد ليلة 27/ من شهر رجب تتمثل أمام العيون قصة الإسراء والمعراج التي كانت فارقةً بين أسطورة الوساطة بين الله والعبد ، والاتصال المباشر بين العبد والمعبود ( إِنَّنِيۤ أَنَا ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاۤ أَنَاْ فَٱعْبُدْنِى وَأَقِمِ ٱلصَّلوٰةَ لِذِكْرِيۤ ) والصلاة هي أول وأغلى هدية جاء بها رسولنا العظيم ( صلى الله عليه وسلم ) من عند ربه في هذه الليلة المباركة ، فكانت الحجر الأساسي في صرح الإسلام الشامخ ، وفي بناء الحياة الإسلامية الكاملة ، وقد تمت هذه الرحلة السماوية التاريخية العظيمة من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ، ثم المعراج إلى السماوات العلى ، في أقل وقت مما يتصوره أهل هذه الدنيا ، إنما هو الإسراء والعروج إلى السماوات السبع بأمر من الله تعالى ، وقد تم فيهما للرسول صلى الله عليه وسلم من العطاء الرباني ، واللقاءات والمناجاة مع الله سبحانه ما لا يتصور إنجازها في مدة طويلة بالنسبة إلى أزمان الدنيا وساعاتها ، وبالمناسبة نقرأ الآيات التي تفتتح بها قصة الإسراء والمعراج :

( سُبْحَانَ ٱلَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ إِلَىٰ ٱلْمَسْجِدِ ٱلأَقْصَى ٱلَّذِى بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَآ إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلبَصِيرُ ) .

تلك هي القدس التي كانت منطلق هذه المعجزة الكبرى التي لا ينساها التاريخ البشري على طول مداه ، وقد استولى عليها اليهود من خلال إسرائيل ، وأعلن الرئيس الأمريكي الجديد بقرار الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ، الأمر الذي أدان هذا القرار الأمريكي وأكد أن القدس إنما هي عاصمة دولة فلسطين ، ليس غير .

وقد صدر إعلان قمة الظهران في ختام مؤتمر القمة العربية الذي أقيم في مدينة الظهران بالمملكة العربية السعودية ، تؤكد أن القرار الأمريكي بشأن القدس كمقر لعاصمة إسرائيل مرفوض من جميع الدول المسلمة العربية ومستحيل أن يجد إلى التنفيذ طريقاً في أي حال ، وقد جاء في قرار القمة أنها ترحب قرار الجمعية العامة التابعة للأمم المتحدة ، وتؤكد رفض جميع الخطوات اليهودية الإسرائيلية الأحادية التي تهدف إلى تغيير الحقائق التاريخية على أرض القدس ، كما تؤكد تنفيذ جميع قرارات مجلس الأمن مما يتعلق بالقدس مع إبطال جميع الإجراءات الإسرائيلية لتغيير معالمها ومصادرة هويتها العربية الحقيقية .

وجاء في ضمن قرارات قمة الظهران ، الاستنكار الشديد لما تقوم به مليشيات الحوثي الإرهابية من إطلاق الصواريخ الباليستسة على الحرمين والرياض وعدد من مدن المملكة العربية السعودية ، وقد بلغ عدد هذه الصواريخ الباليستية التي أطلقها الحوثيون على المملكة أكثر من 119 صاروخاً دمّرتها القوات السعودية قبل أن يصل إلى الهدف   المنشود ، وقد تم ذلك بمجرد العناية الربانية التي تراقب الحرمين الشريفين والمملكة بكاملها من أي اعتداء أو عدوان .

ولو لا أن للقدس تاريخاً مقدساً منذ خمسة آلاف سنة ، وتكون قد مرت عليها عصور كثيرة ، سكن خلال ذلك واستوطنها أمم وشعوب متعددة الأسماء والانتماءات ، لو لا ذلك التاريخ المقدس لها لما كانت للقدس تلك القدسية التي تمت لها في عام عشرة من الهجرة حيث شهدت القدس زيارة النبي صلى الله عليه وسلم بمناسبة الإسراء ليلاً ، كما تحدث عنها كتاب الله تعالى في مفتتح سورة الإسراء ( سُبْحَانَ ٱلَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ إِلَىٰ ٱلْمَسْجِدِ ٱلأَقْصَى ٱلَّذِى بَارَكْنَا حَوْلَهُ ) ثم عرج به إلى السماوات العلى وشهد التاريخ البشري هذا الحدث العظيم باسم الإسراء والمعراج ، ومنذ ذلك الوقت يبتدئ العصر الإسلامي في هذه المدينة المقدسة .

ولما تولى الخلافة الإسلامية الخليفة الراشد الثاني أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، دخل مدينة القدس في العام الخامس عشر الهجري ( عام 636م أو في عام 638 الميلادي ) على اختلاف القول ، وذلك بعد انتصار الجيش الإسلامي بقيادة أبي عبيدة عامر بن الجراح ، وكان البطريرك صفرونيوس قد سلّم مفتاح المدينة بنفسه إلى الخليفة الثاني واتفق على ذلك بكتابة العهدة العمرية ، الوثيقة التي منحت الخليفة الإسلامي الحرية والاستقلال الديني الإسلامي ، وغيّر اسم المدينة من إيلياء إلى القدس ، وقد نصت الوثيقة العمرية أن لا يساكنهم أحد من اليهود .

فظلت القدس منذ ذلك الوقت مدينة إسلامية مقدسة وأخذت طابعها الإسلامي الذي اهتم به الناس كثيراً في العهد الأموي طوال بقاء الخلافة في أيدي الأمويين إلى مدة تقارب تسعين عاماً ، ولكنها في الخلافة العباسية شهدت نهضةً حضاريةً وعلميةً في مجالات متعددة ، فقد وفق الخليفة عبد الملك بن مروان إلى بناء مسجد عرف بجامع قبة الصخرة في الفترة ما بين ( 682 – 691 ) من الميلاد ، وبعد ذلك بنحو ثمانية عشر عاماً أعيد بناء المسجد الأقصى بإدخال تحسينات معمارية فيه ، رحب بها المسلمون في كل مكان ، وقد حكم فيها المسلمون إلى أكثر من خمسة قرون ، ولكن القدس المقدسة استولى عليها الصليبيون في عام 1099م مع نهاية القرن الحادي عشر الميلادي نتيجة الصراعات التي قامت بين السلاجقة والفاطميين ، وعلى إثر هذه الحوادث المشئومة تمكن الصليبيون من دخول القدس وانتهاك المقدسات الإسلامية فيها ، وقتلِ سبعين ألف مسلم ، الواقع الذي سجّله التاريخ بمداد أسود من الظلم الذي لا يعدله ظلم في تاريخ القدس يوم ذاك .

ولقد أتاح الله سبحانه وتعالى فرصةً للعودة إلى القدس بواسطة الملك العادل صلاح الدين الأيوبي ، وذلك في عام 1187م بعد ما كسب الفوز في معركة حطين ، فدخلها وعامل أهلها معاملة العدل والخلق الجميل ، واستطاع أن يزيل الصليب عن قبة الصخرة وأن يقوم بتحصين المدينة ويهتم بعمارتها ، ومع وفاة الملك العادل سيطر الصليبيون على القدس وظلوا فيها إلى أحد عشر عاماً حتى جاء الملك الصالح نجم الدين أيوب واستردها من هؤلاء الأنجاس المناكيد في عام 1244م ، وكان الغزو المغولي على هذه المدينة في نفس هذا العام فهزمهم المماليك تحت قيادة سيف الدين قطز والظاهر بيبرس في معركة عين جالوت المعروفة ، في عام 1259م فاستمر حكمهم إلى عام 1517م ، وفي خلال هذه المدة الطويلة استطاعوا أن يحكموا فلسطين بما فيها القدس ومصر والشام إلى عام 1517م .

أصبحت مدينة القدس في عهد الإمبراطورية العثمانية ضمن فلسطين في الحكم ، وقد اهتم بذلك السلطان سليمان القانوني ، ورغم مرور أدوار وتغييرات سياسية طارئة في الحكم العثماني ، بقيت مدينة القدس تحت أيدي العثمانيين حتى الحرب العالمية الأولى ، واحتلها الجيش البريطاني في شهر ديسمبر 1917م ومنحت ( عصبة الأمم – الأمم المتحدة اليوم ) بريطانيا حق الانتداب لها على فلسطين فأصبحت القدس عاصمة  فلسطين ، ثم أحيلت قضية القدس بعد انتداب بريطانيا على فلسطين إلى الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية ، وصدر قرار تدويل القدس في عام 1947م ، ولكن الانتداب البريطاني في فلسطين وعاصمتها القدس انتهى ، ومع نهاية الانتداب البريطاني وسحب قواتها من فلسطين حدث فيها فراغ ، فسرعان ما استغلت العصابات الصهيونية حالة الفراغ السياسي والعسكري وأعلنت قيام ” دولة ” إسرائيل ، فأصبحت لها         ” حكومة مزعومة ” ووزراء ورئيس الوزراء الذي كان هو بن غوريون ، ذلك الذي أعلن بكل وقاحة بكون القدس الغربية عاصمة إسرائيل ، وما أن حدثت هزيمة يونيو 1967م وخسر فيها المسلمون بسوء حكمهم ما خسروا إلا وقد أعلنت إسرائيل بكون القدس الغربية والشرقية بكاملهما عاصمة الكيان الإسرائيلي .

ومنذ ذلك العهد نشبت الصراعات الفلسطينية اليهودية ، وعاش المسلمون في فلسطين بين فكي العدو الإسرائيلي والعدو الأمريكي ، واستولى اليهود الإسرائيليون على المسجد الأقصى الذي يحتلونه بغاية من الجراءة في حالات لا يرضاها الإنسان في بيته الخاص ، ويأتون فيه بكل منكر من القول والعمل ويحولون دون أداء الصلوات والعبادات التي يقوم بها المسلمون ، ولم يتركوا أي حيلة للفساد والإتيان بالمنكرات غير الإنسانية إلا وقد نفذوها ، ولا يزالون يفعلون في المسجد الأقصى ما يشاؤن ، رغم استنكارات شديدة من العالم الإسلامي بكامله ، وإنذارات من الدول الإسلامية في الوطن العربي ، إلا أن تنجيس المسجد الأقصى ، وتهويد القدس ، يتمثل بارتكاب جرائم دينية وخلقية وإنسانية يساندها بعض الدول الغربية بجميع الوسائل المادية دون أن تعترف بحق المسلمين والفلسطينيين على الأقصى والقدس .

ولتثبيت دعائم الاحتلال الصهيوني وسيادة البيت الأبيض والولايات المتحدة ، والإيذان بأن المقدسات الإسلامية كلها تحت السيادة الأمريكية التي تتزعم وتتحكم فيها ، والتي كانت تترقب الفرصة المناسبة لتأكيد أن القدس عاصمة إسرائيل ، أعلنت بهذا القرار    المشئوم ، ولذلك لم يكن الإعلان الأمريكي عن القدس بقرار إجرامي : أن القدس عاصمة إسرائيل ، وليس لأحد أن يغير هذا القرار ، لم يكن ذلك إلا احتلالاً إجبارياً وإجرامياً في الوقت نفسه ، ومعلوم أن هذه العملية الإجرامية الأحادية ليست إلا لرفض وحدة الإسلام وقوته السماوية الخالدة وتوزيع الأمة الإسلامية إرباً وقطعاً ، ولم يكن إلا إعلاناً أخيراً بانعدام أمة من الناس تسمى خير أمة أو الأمة الإسلامية ، وبأن دين الإسلام انتهى دوره وليس له أي شأن في مصاف النظرات والفلسفات والديانات في العالم البشري ، ولم تعد للمسلمين أي قيمة في الإحصاءات العالمية الإنسانية .

( يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَٱللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَافِرُونَ ) .

والله يقول الحق وهو يهدي السبيل .

سعيد الأعظمي الندوي