إنا لله وإنا إليه راجعون ! الأستاذ السيد محمد واضح رشيد الحسني في ذمة الله تعالى

الإسلام ، فطرة الله التي فطر الناس عليها
7 فبراير، 2019
أبشروا بنعمة الكمال والخلود
2 مايو، 2019

إنا لله وإنا إليه راجعون ! الأستاذ السيد محمد واضح رشيد الحسني في ذمة الله تعالى

رجعت بي الذاكرة إلى ذلك اليوم الحزين الذي غشيت فيه سحابة حزن سوداء على العالم الإسلامي بكامله ، يوم استأثرت فيه رحمة الله تعالى بشيخنا وإمامنا العلامة السيد أبي الحسن علي الحسني ، يوم جمعة مباركة من نهاية الأسبوع الثالث لشهر رمضان عام 1420هـ ، وكان النبأ مفاجئاً ومفجعاً للجميع ، وكان يبدو كأن دقات القلب تتوقف ، وكأن اللسان قد اعتراه البكم ، والقلم أصيب بالجفاف ، إنما هو الحزن الذي أفقد كل حركة ونشاط ، وأصيب سير الكون بنوع من الجمود فتوقف لمدة ، يعبر عن تألمه الشديد ، ولكن قدر الله كان مقدوراً .

وهناك حادث مفاجئ آخر استبق الحادث الأول بمدة لا بأس بها ، وهو حادث ارتحال صديقي الحبيب العبقري الكريم الأستاذ محمد الحسني ( رحمه الله تعالى ) يوم 8/ من شهر رجب العام المنصرم 1399هـ المصادف 13/ من يونيو عام 1979م من القرن المنصرم الماضي ، وقد صدرت جملة عاجلة فور وفاته بقلمي العاجز قائلاً :

” إنها مفاجأة أليمة تتصدع بها القلوب وتخترس منها الألسن ، ولا نجد من كلمات نعبر بها عن الأسى والحزن البالغين على وفاة صديقنا الأثير الأستاذ محمد الحسني ( رحمه الله تعالى ، مؤسس مجلة البعث الإسلامي ) من غير مرض مسبق طال به ، فقد كنا نعيش حسب العادة وكل شيئ على حاله وما كان يخطر ببال أنه يفارقنا ويلبي نداء رفيقه الأعلى ، ويتركنا في حيرة وتيه وظلام ” .

لم يكن محمد الحسني شاباً عادياً ، إنما كان يتميز بفكر   سليم ، ويفكر فيما لا يفكر فيه الشباب المسلم بوجه عام ، كان يتطلع إلى مستقبل بعيد وهو في عنفوان شبابه ، ويدرس أحوال المسلمين في العالم الإسلامي بوجه خاص ويتابع قضايا الفكر الإسلامي والدعوة الإسلامية بالاطلاع عليها باهتمام كامل ويبدي فيها آراءه ووجهات    نظره ، كما يفعل كبار المفكرين وأصحاب الدعوات ، والباحثون عن الفلسفات الحضارية القديمة والحديثة ، فوجدت فيه بغيتي وأيقنت أن الغرض الذي أتوخاه من دراستي ومن إقامتي في جامعة علمية عتيدة كجامعة دارالعلوم لندوة العلماء لا يتحقق إلا بمتابعة هذا الفكر السليم وزمالة شاب ناهض له قيمته في الانصراف عن سفاسف الأمور والارتفاع إلى القمة العالية التي لا يحلم بها كثير من أصحاب المبادئ والاختصاصات العالية فضلاً عن شاب لا يتجاوز 18/ سنة من عمره .

هنا نموذج قصير كمثال لفكره العالي المتزن وأدبه العالي المغبوط :

” على هذه الكرة الأرضية طائفة تحب الواقعية وتتغنى بها ولكنها تهرب من ” الواقع ” هروب السارق المفرور ، أو تتناساه وتتجاهله كالنعامة التي تدفن رأسها في الرمال كلما داهمها خطر ، وتظن أنها صارت في مأمن ، إنها طائفة المتجددين والعصريين والمتغربين في أصح تعبير ، فيهم علماء الحياة ، وعلماء النفس ، وعلماء الطبيعة وخبراء الحضارة وعمالقة التاريخ ، ونوابغ الفن والموسيقى والأدب والبيان ، والتصوير والنحت ، إنهم يتلهون بكل نوع من أنواع اللهو واللعب ، والعبث والفضول ، واللامعقول واللامبالاة ، وكل لون من ألوان الحياة             و ” الوجودية ” و ” البوهيمية ” و ” الهبية ” وما فوقها وما دونها ، وذلك بحجة الواقعية والخضوع أمام الحقائق والاعتراف بحتمية التطور والاستفادة من التجربة والاستقراء ” .

ويدعو إلى بناء شخصية إسلامية مستقلة فيقول :

” ندعو إلى تكوين شخصية إسلامية قوية بارزة تتجلى في دوائر الحكم كما تتجلى في دور العبادة ، تتجلى في البرلمان ، كما تتجلى في المسجد ، وتتجلى في أوساط التربية وأجهزة الإعلام ، كما تتجلى في كلام الواعظين ، وجهاد المصلحين وجهود الدعاة والعاملين .

وحينئذ يكون العالم الإسلامي كله كتلةً واحدةً ذات شخصية إسلامية مستقلة لا يصنع مؤسسةً ، ولا يقيم إدارةً ، ولا يقف موقفاً إلا وهو وفيٌ بمبدئه ، حريص على شخصيته ، محافظ على سماته    وملامحه ، متمسك بأهدافه وغاياته ،مسلم في السلم والحرب ، مسلم في الغنى والفقر ، مسلم في الحكم والإدارة ، مسلم في الإعلام والتربية ، مسلم في الصناعة والعلم ، مسلم في السياحة والفن ” .

ولكن هناك حادثاً آخر مباغتاً فُجعنا به صباح يوم الأربعاء التاسع من شهر جمادى الأخرى 1440هـ المصادف 16/ من شهر يناير 2019   الميلادي ، ذاك نبأ وفاة صديقنا الصالح الكريم الأستاذ السيد محمد واضح رشيد الحسني الندوي الذي توفي مع آخر لمحات الفجر ، من غير مرض سابق إلا أنه أحس بألم في صدره وعاده الطبيب الحاذق بعد منتصف الليل وطمأن الجميع أنه لا بأس به ووصف له علاجاً ، ولكنه غادر قبل ذلك إلى ربه الكريم راضياً مرضياً وترك الناس في حيرة بالغة وحزن عميق ، فإنا لله وإنا إليه راجعون .

إن الراحل الكريم لم يكن من الشخصيات التي يعرفها الناس بأعماله العملاقة وإنجازاته الفذة فحسب ، إنما كان يعيش في عزلة عن كل شهرة أو عن جميع تلك الصفات التي تعلو بالرجل إلى مكانة عالية من الصيت الحسن ويذكره الناس بألقاب عالية وأوصاف بارزة ، إنما عاش كرجل خاشع متواضع وكداعية مخلص وكعالم كبير وأديب ألمعي يحب الاستمرارية في أعماله قابعاً في ركن من غرفة المكتب أو مقر النوم .

عرفته منذ أيام دراستي في جامعة ندوة العلماء يوم كنت في مرحلة التخصص في الأدب العربي في عام 1952م للقرن المنصرم    الميلادي ، ولكنه لما عاد إلى الجامعة الندوية كأستاذ للآداب العربية وتاريخها في عام 1973م وحصلت لي معه زمالة في الدراسات العربية وفي مجال الصحافة العربية ، وتسنت له الكتابة باللغة العربية الحديثة الفصيحة حول قضايا العالم بألوانها والسياسات الانتهازية التي تتلاعب بها الدول الكبرى والشعوب العالمية بكاملها ، وتتنافس في الصناعات والتقنيات ، ففضح خفاياها بكتاباته العملاقة وقلمه البليغ ، وكشف عن النوايا الإجرامية التي كانت تعيشها مع دول العالم الثالث ، ذاك أنه كان يدرس الأحوال السياسية والاقتصادية التي كانت تتجدد مع الأغراض الشخصية والظروف المتجددة من خلال الغايات المادية الاستعمارية التي كانت تنصب على فصل الدين عن السياسة ، أو بتعبير آخر إقامة الحواجز بين الشرق والغرب ، واعتبار أنفسهم أساتذة الشعوب الشرقية المتخلفة التي لا تكاد تخرج من أوكارها الضيقة ومن تخلفها الصناعي والاقتصادي من غير خضوعه أمام الغرب المادي ، كالمتسولين الفقراء والعبيد الأذلاء .

انظروا كيف يشير إلى هذه النقطة السرّية :

” كانت فترة قرن كامل لاتصال الغرب بالشرق ، وهي الفترة التي أتيحت فيها للعلماء والمفكرين والساسة في الغرب فرصة    للاختلاط ، ومتابعة واقع الحياة ودراسة التراث العلمي ، والثروة الفكرية للمسلمين ، تكفي لإزالة الأباطيل والشبهات التي كانت قد نفثتها أقلام المستشرقين والمبشرين الذين صنعوا التاريخ وزوروه لخدمة المصالح الاستعمارية في بداية القرن العشرين ، ولكن الذي يتابع الحركة العلمية فيما يتصل بالشرق الإسلامي ، وبالمواضيع الإسلامية ، يصل إلى نتيجة حتمية وحيدة وهي أن الغرب لا يزال يعيش في أفكار اختلقها المبشرون الصليبيون والمستشرقون الحاقدون قبل اتصالهم بالشرق ، وأن الكتاب المعاصرين يسيرون على نفس الخط التبشيري الاستعماري الحاقد بالنسبة للإسلام والمسلمين .

يرجع ذلك إلى فكرة تكونت في ظروف فرضها الاستعمار الغربي على الشرق ، فقد كان قادة الفكر في الغرب يعتقدون أن استيلاءهم على الشرق لا يدوم إذا لم تصحبه حملة فكرية عامة لاقتلاع ارتباط الجيل المعاصر والأجيال القادمة بماضيها الذي تعتبره الماضي المجيد ، وتحاول استرداد شرفه التليد ، ولتتلاءم طبيعتها بطبيعة الحياة التي فرضها عليها الاستعمار ، لا بد من قطع الصلة القائمة بتاريخها وبأمجادها وتجريدها عن خصائصها القومية والخلقية وصهرها في بوتقة جديدة ” . ( البعث الإسلامي ، العدد/ 24 لعام 1980م ) .

ويتألم عن افتراق المسلمين في تمثيل الإسلام وتعاليمه وانحياز كل جماعة أو منظمة إلى جانب متعين خاص بها دون التركيز على اتحاد الغاية وضم الصوت إلى الصوت ، الأمر الذي أضر بالدعوة الإسلامية وفرّق الأمة بين جماعات وفرق شتى ، حتى استخف وزن الوسطية التي يدعو إليها الإسلام ، وفقدت الكلمة قيمتها في عيون الناس ، وساء ظنهم بمن يقومون بالعمل الدعوي أو بتمثيل الدين الذي أكمله الله سبحانه وصرح بذلك مدوياً مجلجلاً ( ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلأِسْلاَمَ دِيناً ) .

يقول في مناسبة ولكـنه يتألم بهذا التفرق والشتات بين العلماء والدعاة ويعتبر ذلك مشكلة المسلمين في العالم المعاصر ، يقول :

” ليست مشكلة المسلمين اليوم أن الإسلام غير ممثَّل في حياتهم ، ولا توجد نماذج للتعاليم الإسلامية ، وإنما المشكلة هي أن هناك نماذج ، وهناك جهوداً لتمثيل جوانب مختلفة من التعاليم الإسلامية ، لكنها متفرقة ، وإذا وجدت فهي غير متناسبة ، فيوجد الدعاة إلى عقيدة   صافية ، ومتمسكون بها ، وتوجد عناية بالعبادات والأخلاق ، وعناية بالدعوة إلى الإسلام ، وتوجد أفراد وجماعات تقوم بالتضحية والفداء في سبيل الإسلام ، وكل جانب من جوانب الحياة الإسلامية ممثَّلٌ في الحياة المعاصرة ، ولكن هذه الجهود مفرقة وملتزمة بجوانبها الخاصة التزاماً يمنعها من العناية بجوانب أخرى للعمل ، وقد يقتنع فريق بعمله والتزامه بجانبه بطريق لا يجد وقتاً ولا داعياً إلى التعرُّف على النشاط الإسلامي في الجانب الآخر والإسهام فيه ، فإذا كان هذا الفريق مثلاً مهتمّاً بالتعليم فلا يهمه أن وقعت ردّة في منطقة مجاورة له ، أو في أي جزء من أقطار العالم ، وإن كان مهتماّ بالدعوة فلا يهمه إذا انتشر الجهل والفقر في المسلمين فيصبحون عالة على غيرهم ، وإذا كان مشغولاً بخدمة الناس ، والعناية بأعمال الإغاثة ، وحل مشاكل اجتماعية واقتصادية فلا تلتفت عنايته إلى جانب إصلاح النفس وتوثيق الصلة مع الله ، والتخلُّق بالأخلاق الإسلامية ، وبأعمال الدعوة ، وبالجهاد وردّ الظلم في غير مجتمعه الذي يعيش فيه ، فتبقى كثير من المسائل والمشاكل والأمراض الاجتماعية والانفرادية غير معالجة ، لأنه ليس هناك من يهتمُّ بها .

فإن سبب خيبة الجهود الدعوية والإصلاحية والحركات الإسلامية في هذا العصر هو التقصير في تمثيل الإسلام الكامل ، والتفرُّق في العمل ” .

ويحسن بنا أن نسجل أخيراً ما كان يراه نحو الصراع بين الدول والشعوب في العالم ، وذلك في آخر ما كتبه من مقال نُشر في صحيفة الرائد ( التي رأسها إلى آخر حياته ) ، تحدث فيه عن قوة الحكومات التي تدعي بأن سياستها إنما تقوم على أساس الجمهورية ولكنها لا تراعي هذه الدعوى ، وتعامل مع شعوبها معاملة الحكومات المستبدة ، يقول :

” تحرر الشرق بكامله تقريباً من براثن الاستعمار وتولى أبناء الحكم ، وتركزت السلطة في أيديهم لرسم سياسة البلاد الداخلية والخارجية ، ولكن الاتجاه الفكري في هذه الدول المتحررة وموقف التكلتلات السياسية لا يزال يتمسك بالطبيعة التي كانت تسود قبل الحرية ، فلا يوجد الاشتراك في عمل بناء الوطن ، والمساهمة الشعبية في الاحتفاظ بسلامة البلاد وتوحيدها وتمكينها من تحقيق الاعتماد على النفس ، لأنها تواجه صراعاً داخلياً بين الأحزاب السياسية ، أو نضالاً بين المواطنين المسالمين والسلطة المسلحة للحكومة .

إن هذا الوضع يسود في معظم البلاد النامية ، أو البلاد التي تسلمت زمام الأمور حديثاً فيوجد هذا الصراع في الدول العربية والإسلامية أيضاً التي كانت تحت الاستعمار الأجنبي بما فيها الدول ذات الأغلبية الإسلامية في إفريقيا ” .

هذا غيض من فيض ذلك العمل والفكر الإسلامي المعتدل الذي عاشه فقيدنا رحمه الله تعالى ، فقد كان يمثل نماذج خير الأمة الوسط ، الأمة التي تحدث عنها ربنا العظيم في كتابه الخالد فقال : ” كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ ” .

رحم الله تعالى أخانا الكريم وتغمده بجوائز الرحمة والمغفرة ويسكنه فسيح جناته ويسد بفضله العميم الفراغ الذي نشأ برحلته إلى دار الآخرة ويلهم الجميع الصبر على المصاب .

( ومَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ ) .

والله يقول الحق وهو يهدي السبيل .

سعيد الأعظمي الندوي