شهر رمضان الكريم ، كيف نعيشه !

أبشروا بنعمة الكمال والخلود
2 مايو، 2019
مزاملة العلم والصناعة مع الذكر والإنابة
1 يوليو، 2019

شهر رمضان الكريم ، كيف نعيشه !

إن الشهر العظيم الذي أنزل فيه القرآن بشهادة ربانية سماوية ، وبأمر من الله سبحانه تعالى لأداء عبادة الصيام فيه ، وانتهاز كل لمحة من الشهر المبارك في مجال الاتصال بالله تعالى والعيش لبرهة من الوقت مع ما أودع الله سبحانه في هذه اللمحات من خير كثير ، لا نكاد نتصور اتساع مساحته ، ولا يمكن أن نحرز جوائزه كلها بمجرد الصور الظاهرة التي نمثلها في أيامه ولياليه ، ونودي بذلك ضريبةً من العبودية !  لا حاجة إليها لله تعالى وهو في غنى عنها بكل ما في هذه الكلمة من معنى .

ولكن الله سبحانه أرسى قواعد الشريعة الإسلامية على أساس من تنظيم دقيق للغاية ، وجعل حياة الإنسان قائمةً على ذلك البنيان المرصوص الذي وافق أهل الطبيعة الإنسانية الإيجابية وغطاهم ببَرد الإيمان واليقين ، ولكن العائشين في الظروف المعاكسة التي تضاد الطبايع السليمة فإنهم حُرموا نعمة السعادة والعلو في هذه الدنيا ، وتسفلوا إلى آخر درك من الكفر والبلادة ، حتى كانت هناك فئة قامت بمحاربة الطبيعة الإنسانية السليمة ، واستبدالها بالضلال والغفلة .

ولقد كان تخطيط شهر رمضان في كل عام جزءاً أكيداً من كمال الطبيعة الإنسانية السليمة إذ لا تكتمل بدون ذلك ، دورة أفضلية الإنسان على الخلق كله ، ولا يتخرج من مدرسة الإنسانية التي شيدها الله سبحانه لبناء الشخصية الإسلامية وأداء دورها في مجال العلم  والمعرفة ، حيث يستطيع أن يباشر الروابط التي تقرب العالم البشري إلى خالق هذا الكون الواسع الذي لا نهاية له ، ويربط العبد بالمعبود الحقيقي برباط من الإيمان الخالص واليقين الصادق ، فلا ينفك عنه للحظة واحدة في مسارات الحياة بجميع أنواعها ، ولا يُغفله في خضم الحياة الدنيا مهما كانت الظروف .

هذا الشهر الفضيل يعد وسائل العيش مع الله في كل حين ، ويتيح فرصاً سانحةً للتطلع إليه والتعرف معه من غير انقطاع أو نسيان ، وإن تحريم الأكل والشرب والاستمتاع من لذات العيش في ساعات متتالية من نهار اليوم لن يتحقق إلا بتأكد المراقبة الإلهية في جميع أوقاته النهارية التي تمتد من طلوع الفجر إلى غروب الشمس ، وبالتخطيط الكامل فيما بينهما من أوقات غالية لأداء ركعات غالية من التراويح والنوافل ، وتنظيم الذكر ، والتخلي مع الله تعالى يقظةً ونياماً ، ثم الاستراحة وتهيئة النفس والروح لأداء الفريضة لمدة شهر كامل ، إنما يتحقق للروح غذاء دَسِم يقوي الصائم على الاستمرارية في الاستمتاع من نفحات الرحمة والحب واللين مما لا يتوافر في غير الشهر الميمون المبارك ، وهذا هو الغذاء الذي يتكفل لصاحبه بالجمع بين الروح والمادة على السواء ، وبأداء واجبات الحياة فرديةً وجماعيةً بزاد نقي من الإخلاص والاتصال بمركز القوة الأصيل ، والثقة الكاملة به في جميع الأحوال والمناسبات .

يقول الحافظ ابن كثير مبيناً منافع الصيام : ” لما فيه من زكاة النفوس وطهارتها وتنقيتها من الأخلاط الرديئة والأخلاق الرذيلة ” ، ويزيد فيقول : ” لأن الصوم فيه تزكية للبدن وتضييق لمسالك الشيطان ” .

وبالرغم مما بذل زعماء الحضارات المادية من جهود فاشلة ، ووضعوا عوائق من كل نوع للحيلولة دون منافع الصيام بدليل أن هذا التدريب على منع الإنسان عن أداء مسئوليات الحياة والمجتمع بالحد على حاجاته الطبيعية الإنسانية الأساسية من الأكل والشرب وبفرض الجوع والعطش عليه من غير مبرر ، يؤدي إلى إذابة الحياة وإماتة النشاط ، والمنع عن كل تقدم حضاري واجتماعي ويهدد فناء العالم البشري في نهاية المطاف ، ولكنهم رغماً من كل ما استطاعوا في سبيل إلغاء فرضية الصيام المنصوص عليه في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، لم يتمكنوا من فرض مؤامرتهم الخسيسة ، ومحاولاتهم الدنيئة ضد عبادة الصيام ومنافعه الاجتماعية والحضارية في المجتمعات المسلمة ، بل تزايد صمود المسلمين على الاهتمام بشهر رمضان والانتفاع بصيامه ومنافعه الصحية والعقلية سواء في حالة السلم أو الحرب ، أو في ظروف المجاعة والجفاف ، ألم يكونوا يخرجون في دحض أعداء الإسلام في أيام رمضان في شدة الحر وفي ظل من الموت ، فوقهم الشمس في غاية من الحرارة ، وتحتهم الرمضاء والرمال الساخنة في غاية من السخونة .

إنها واقع تاريخي مسجل في كتب التاريخ قديماً وحديثاً ، فكيف يمكن أن تمتنع الأمة عن أداء هذه الفريضة التي فرضها على الإنسان خالق الإنسان وصانع الكون والحياة والحضارات .

أما الطبقة المثقفة بالثقافات الغربية التي تنكر أهمية الصيام وتعتبره مشقةً يفرضها ” رجال الدين ” على المسلمين فهي في الحقيقة صنيع الاستعمار العدو الذي لا يترك فرصةً إلا وينتهزها لتشويه صورة الإسلام الناصعة ، وهي خطة مدبرة ينفذها الأعداء في بلاد المسلمين ومجتمعاتهم عن طريق عملائهم وتلاميذهم البلداء الأشقياء ممن ليس لهم شأن في أي زمان ومكان .

يقول شيخ الإسلام أحمد بن عبد الرحيم الدهلوي في كتابه        ” حجة الله البالغة ” وهو يتحدث عن أسرار الصوم : ” والصوم حسنة عظيمة يقوي الملَكية ، ويضعف البهيمية ، ولا شيئ مثله في صيقلة وجه الروح وقهر الطبيعة ، ولذلك قال روايةً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : قال الله تعالى : ” الصوم لي وأنا أجزي به ” ، ويكفر الخطايا بقدر ما اضمحل من سورة البهيمية ويحصل به تشبه عظيم بالملائكة فيحبونه ” . [1]

وقد جربت المجتمعات الإسلامية جميع تلك التجارب التي مر من خلالها البشر في تاريخه الطويل في العالم الحديث والقديم ، ورأت كيف أن هذه الفلسفات وتلك الدعوات المادية فشلت في توفير الأمن والهدوء إلى الأرواح والأموال وتهيئة العدالة الاجتماعية والانسجام الفكري والعاطفي بين مختلف طبقات البشر والشعوب التي ذاقت مرارة الشقاء الذي شمل كل جزء من أجزاء الحياة ، والتي عاشت خاوية القلب فارغة العواطف ، بين ضجيج الماكينات وصخب الآلات وروتينات الأعمال ، فلا نظام للأسرة ، ولا علاقة بين الأولاد والوالدين وبين البنات والأمهات ، ولا تربية من الآباء للأبناء ، ولا مسئولية يشعرون بها نحو تعليم وتربية الأبناء والبنات الخلقية ، بل كل واحد مشغول بنفسه يحلم بمستقبل لمّاع يختص بنفسه ، مجرداً عن كل واجب إنساني ومسئولية اجتماعية أو أسرية ، إنما هي الفوضى تعمل في الحياة الاجتماعية والفردية ، والكل فيها حر طليق يمارس ما يشاء من الجرائم والشنائع ويبني ويهدم بوحي من النفعية الموهومة .

وأحست بمرارة هذا الشقاء بعض الحكومات المسلمة في الأقطار الإسلامية ، فأقبلت على وضع نظام جديد للحياة وصوغ سلوكيات جديدة في ضوء الشريعة الإسلامية ، وطالبت الجماعات الإسلامية ، والمجالس الدينية بتحكيم الشريعة في الحياة ، وتنفيذ الأحكام الإسلامية فيها .

فإذا كانت الأمة الإسلامية تستقبل الصيام بقلوب متفتحة وعقول واعية ، وترى فيه ما يوفر لها بعض الطمأنينة والراحة من شقاء المادية التي تحيط بها من كل جانب ، وإذا كانت تجد فيه شفاءً لآلامها وجروحها التي أصابتها في زحمة السباق المادي ، فلا جرم أنها خاضعة للطبيعة التي أودعها الله فيها ، وممثلة للفطرة التي فطرها الله عليها ولا تبديل لها في أي حال .

ولا بد من انتصار الروح على المادة وتغلب الفطرة على قوة العلم والصناعة وعلى الأشكال الواهية ، ولا مناص من رجعة الإنسان إلى التعاليم السماوية فراراً عن التعاليم الوضعية المنهارة ، وهنالك يتم الانتصار ، ويستبشر المؤمنون : ( بِنَصْرِ ٱللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَآءُ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ) ، وذٰلِكَ هو ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ .

والله يقول الحق وهو يهدي السبيل .

[1] حجة الله البالغة ، ج 1/221 ، دار إحياء العلوم بيروت ، الطبعة الأولى 1410هـ – 1990م .

سعيد الأعظمي الندوي