مزاملة العلم والصناعة مع الذكر والإنابة

شهر رمضان الكريم ، كيف نعيشه !
22 مايو، 2019
الوضع العالمي للمسلمين
2 يوليو، 2019

مزاملة العلم والصناعة مع الذكر والإنابة

إذا كان رواد الفكر الإنساني في عصورهم المختلفة ، يصفون لحياة الإنسان في العالم البشري مواصفات إيجابية للعيش في سعادة   وهناء ، والقيام بمسئولية الاتصال بالقدرة الهائلة وتركيز الفكر في اتساعها وشمولها ، حيث يعجز العقل البشري وجميع العقول الأخرى التي تتوافر في مختلف أنواع الخلق ، عن تصور تلك القوة الخلاقة التي تتصرف في جميع الكائنات بألوانها وصفاتها وباختلاف أجناسها وأشكالها .

منذ أن اكتشف وجودها في الكائنات البشرية الدنيوية التي أُنزل إليها أبو البشر آدم عليه السلام وعُلّم طريق العيش فيها وأساليب الحياة التي تتنوع باختلاف سكانها العائشين فيها من الإنس والجن ، وجميع ألوان الخلق والموجودات صغيراً وكبيراً ومع الإيمان بهذه الحقيقة  الكونية ، منذ ذلك تتجه المسئولية إلى كل مسلم بل إلى إنسان أن يعمق فكره في معرفة تلك القوة التي أمرت ببناء هذا العالم ، ويبحث عن الأسباب التي يقوم عليها عالم الخلق والأمر ، وعن الغرض الأصيل الذي توخاه الله تعالى وراء ذلك   فقال : ( وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ . مَآ أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَآ أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ . إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلرَّزَّاقُ ذُو ٱلْقُوَّةِ ٱلْمَتِينُ ) ، وبيّن الخالق سبحانه ما قد توخاه من خلال هذا العمل العظيم ، ومن وراء هذا الكون الواسع الهائل ، فلتكن هذه الحقيقة التي أرادها الله سبحانه ماثلةً أمام عيوننا لدى كل عمل ونشاط ، فإنها رائد الإنسان الذي يعيش لتحقيق الغاية السماوية في هذه الدنيا في ضوء ذلك النظام الخالد الدائم الذي صنعه الله سبحانه وأنزله إليه عن طريق رسول الإنسانية الأخير سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين .

ومن هنا فإن البشرية لم تعرف في أي فترة من تاريخها أن الخط الذي قررته الطبيعة المنزلة من السماء لإنسان كل عصر في كل زمان ومكان ، يقبل أي تغيير أو إصلاح ، ذاك أنه الطريق الطبيعي الوحيد والخط القديم الذي سيتيح للعالم البشري كل ما هو بحاجة إليه في تسيير ركب الحياة ، والاستقامة في السيرة والعمل ، وبناء مستقبل أفضل للحياة القادمة التي لا مناص منها لأي إنسان مهما كان ، وهي في الواقع تكون نتيجةً واقعيةً لما عاشه كل فرد من الناس في ممر حياته في الدنيا .

ورغم أن عالمنا اليوم قد بلغ قمة الحضارة الصناعية والعلمية ، وأبدع فيه الإنسان عجائب من التطورات الإنسانية التي لم تكن البشرية تحلم بها قبل مدة من الزمن وكانت سراً من أسرار الكون والحياة ، رغم كل ذلك نفقد ما هو الشيئ الأصيل في الحياة التي خلقها الله سبحانه وتعالى ، ولا نستطيع أن نستغني عنها في أي حال ، ما دامت الحياة باقيةً والشعور حياً والتفكير فيما يستقبله المرء بعد الممات   حاضراً ، وذلك هو في الواقع السعادة بمعناها الشامل الكامل ، ولكن السعادة التي يتمناها كل من يتمتع بقلب سليم وعقل مستنير لا تتحقق من غير الطاعة للخالق القادر العظيم الذي يتمثل في شعوره وعمله وفي ظاهر حياته وباطنها وفي كل لحظة من حياته ، وقد عبّر عن ذلك ربنا تعالى فتحدث عن الرزق الذي يحتاج إليه كل حي من خلقه ، وهو الذي يوفر له كل ذلك بقدر الطاعة وحاجته إليه ويوسعه لمن يشاء ويقدره لن يشاء من الناس ، ممن يفرحون بالحياة الدنيا ، يقول العلامة ابن كثير في تفسير هذا المعنى في سورة الرعد ( ٱللَّهُ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَنْ يَشَآءُ وَيَقَدِرُ وَفَرِحُواْ بِٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَمَا ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا فِى ٱلآخِرَةِ إِلاَّ مَتَاعٌ ) : ” إن الله تعالى هو الذي يوسع الرزق لمن يشاء ويقتر على من يشاء ، لما له في ذلك من الحكم والعدل ، وفرح هؤلاء الكفار بما أوتوا من الحياة الدنيا استدراجاً لهم وإمهالاً ” .

هذه الجوائز من الرزق يُعطاها المؤمن المنيب الذي هداه الله سبحانه إلى الصراط المستقيم في الحياة الدنيا التي عاش فيها حياة الطاعة والإنابة ، ولنقرأ الآن الآيات بكاملها ( ٱللَّهُ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَنْ يَشَآءُ وَيَقَدِرُ وَفَرِحُواْ بِٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَمَا ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا فِى ٱلآخِرَةِ إِلاَّ مَتَاعٌ . وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِيۤ إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ . ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ ٱللَّهِ أَلاَ بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ ) .

يتبين الفرق واضحاً بدراسة سريعة لهذه الآيات بين الرزق المبسوط والرزق المقدور ، وقد ينخدع من لا يذكر الله ولا يرجع إليه في حال النعمة ، وقد يفرح بما أوتي من بسط الرزق فيعيش في غفلة عمن آتاه نعمة الرزق ومتاع الحياة وينسى أن هناك قوة خارقة تراقبه ليل نهار ، ويملي له حبال كيده للمحات قليلة يعيش فيها في دنياه في غفلة ولكنه يذوق بذلك عذاباً وعقاباً حين يرجع إلى ربه في الآخرة ، أما الكافرون الذين يتظاهرون بكفرهم فهم أشد منهم عقاباً منذ خروجهم من الدنيا بعد الموت من غير تأخير ، ذاك أنهم كانوا يقولون بوقاحة سافرة : ( لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ ) فرد عليهم الله سبحانه قائلاً : ( إِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِيۤ إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ ) .

وقد صرّح الله سبحانه بأن الإيمان وذكر الله تعالى هما الباب الوحيد الذي يدخل منه الإنسان إلى جو واسع نزيه من الهدوء النفسي ومن الطمأنينة القلبية التي لا ينالها العبد المؤمن إلا بذكر الله ، وأكد أن ذكر الله تعالى هو في الواقع علاج القلوب المريضة وشفاء للروح المتكاسلة في جسم الإنسان .

يقول سيد قطب ( رحمه الله ) في تفسير هذه الآية في ” ظلال القرآن ” ( أَلاَ بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ ) : ” ذلك لأن الاطمئنان بذكر الله في قلوب المؤمنين حقيقة عميقة يعرفها الذين خالطت بشاشة الإيمان قلوبهم فاتصلت بالله ، فيعرفونها ، ولا يملكون بالكلمات أن ينقلوها إلى الآخرين الذين لم يعرفوها ، لأنها لا تنقل بالكلمات ، إنما تسري في القلب فيستروحها ويهش لها ويندى بها ويستريح إليها ويستشعر الطمأنينة والسلام ، ويحس أنه في هذا الوجود ليس مفرداً بلا أنيس ، فكل ما حوله صديق ، إذ كل ما حوله من صنع الله الذي هو في حماه .

وليس أشقى على وجه الأرض ممن يُحرمون طمأنينة الأنس إلى الله ، ليس أشقى ممن ينطلق في هذه الأرض مبتوت الصلة بما حوله في الكون ، لأنه انفصم من العروة الوثقى التي تربط بما حوله في الله خالق الكون ، ليس أشقى ممن يعيش لا يدري لِمَ جاء ؟ ولِمَ يذهب ، ولِمَ يعاني ما يعاني في الحياة ، ليس أشقى ممن يسير في الأرض يوجس من كل شيئ خيفةً ، لأنه لا يستشعر الصلة الخفية بينه وبين كل شيئ في هذا الوجود ، ليس أشقى في الحياة ممن يشق طريقه فريداً وحيداً شارداً في فلاة ، وعليه أن يكافح وحده بلا ناصر ولا هاد ولا معين ” . ( في ظلال القرآن ، سورة الرعد ) .

إننا نشاهد في دنيا الناس أن هناك عدداً هائلاً يملك من كل ثروة نصيباً ، من ثروة العمر والمال والقوة ولكنه يعيش في قلق واضطراب وخوف وحزن وألوان من الهموم ، وكم منهم من يملك مقاليد الحكم والسلطة الواسعة ولكنه يكون محاطاً بأنواع من مخاوف الحروب والمجاعة والخلاف والعداء ، ولا يكاد ينال هدوءاً نفسياً ولا استقراراً على كراسي الأمر والنهي ، بل يتوجس خيفةً من كل ناحية ، رغم أن هناك وسائل كثيرة للعيش الهنيئ في هذه الكرة الأرضية ، ولكنها تبوء بالفشل إذا حان وقت الاستفادة منها .

إن هذا العالم البشري حافل بالآلات والوسائل الغنية ، والناس على اختلاف أجناسهم ومناصبهم يستغلونها وقد يعتزون بتوافرها ، إلا أن ذلك لا يغني عنهم إذا حان وقت الجد والحزم ، فيتأسفون ويعيشون أشقى أيام الحزن والأسف على ما واجهوه من نتائج سيئة لم تكن مرجواً ، وهكذا فإن استعراضاً سريعاً لما يصيب المرء من شقاء ويأس رغم توافر وسائل غنية للعيش السعيد والتمكن منها للحصول على الراحة والهناء ، يقنعنا بأن الطمأنينة القلبية والسلام المطلوب لا يكاد يتحقق إلا بالالتجاء بذكر الله وصبغ الحياة بهذه الصبغة الثابتة الدائمة من الذكر والإيمان بالله وبقدرته الكاملة الدائمة بجميع الحواس الظاهرة والباطنة ، وقضاء كل لمحة من الحياة في ذكره وحبه وزيادة الإيمان الراسخ بأن الكائنات كلها بظواهرها وبواطنها إنما هي مسخرة للخالق العظيم ومدينة للقدرة الخارقة التي لا يتصور عمقها وسعتها أي قوة مهما كانت عظيمةً ، وإن اجتمعت لذلك جميع ما في هذا الكون من عقول وذكاء وفطانة ، لا لذوي العقول فحسب بل لجميع ما في الكون من حاسَّة وحركة وحياة .

دع الحضارات والعلوم الطبيعية ، والوسائل الجديدة من الابتكارات والصناعات تُعدّ نفسها في التفكير في صانع هذا الكون الهائل ومانح الإنسان قوة العلم والإبداع ، ويتأكد أن هناك قوة كبيرة خارقة للخلق والأمر ، مهما تقدم الإنسان وبلغ إلى أقصى درجة من الابتكار والإبداع ولكنه لا يكاد ينفع نفسه بكل ما أوتي من علوم ومعارف ، ما لم يذكر الله ويؤمن بأن الله سبحانه هو الذي يأخذ بيده ويشد ظهره للقيام بجميع هذه الأعمال ويوفقه لكل علم وحضارة وصناعة وابتكار وإبداع ، وهو يفتح له الباب إلى كل جديد ، ما دام العالم البشري قائماً بالتقدم في مجالات الحياة كلها ، بوحى من خالق الأكوان والحياة والإنسان ، فإن كثيراً من لحظات الحياة لا يكاد يصمد أمامها إلا من أوتي القوة بذكر الله تعالى رغم ما يملكه من أسباب ووسائل مادية قوية متسعة ، فإنها إذا اتصلت بقوة ذكر الله تعالى تكون أقوى من كل سلاح ومعدات مادية ، ومن ثم يكون هدفنا مزاملة العلم والصناعة مع الذكر والإنابة ، والله سبحانه يقول :

( ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ ٱللَّهِ أَلاَ بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ ) .

والله يقول الحق ، وهو يهدي السبيل .

سعيد الأعظمي الندوي