أفضل الخلق ، يحمل الأمانة !

قصة الإسراء والمعراج والمسجد الأقصى ، والقدس بين الأمس واليوم
يونيو 5, 2018
فلسفة الغرب المادية تُعلن إخفاقها !
أغسطس 1, 2018

أفضل الخلق ، يحمل الأمانة !

قضى الله سبحانه وتعالى إعمار هذه الأرض بخلق سماه الإنسان وربطه بنظام إنساني عالمي خالد يتفق وطبيعته الإنسانية في جميع الأحوال والأوضاع ويقوم بتوفير كل ما يفتقر إليه لقضاء الحياة من كل نوع ، فردية وجماعية وأسرية وعائلية ومع جميع مستلزمات هذه الحياة من العلم والفكر والأدب والدين ، لكي يتم رفع صرح الحياة عالياً من جميع النواحي الخلقية والإنسانية ، حتى يعيش هذا الخلق الأفضل بأكمل طريق وأشمل نظام ، ويحكم في ضوء شريعة السماء بما يوفر له السعادة    والهدوء ، وينور له الطريق نحو الاستمتاع من نعم الكون ويمهده للخروج من متاهات الكفر وظلام الجهل والانحراف ، ومن دياجير الشقاء  والظلم .

كل ذلك كان أمانة عرضها الله سبحانه وتعالى على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان ، انظروا كيف يبين الله تعالى هذه الحكمة التي آثر بها الإنسان ، والغرض الذي كان يختفي وراء هذه الأمانة ( إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً . لِّيُعَذِّبَ ٱللَّهُ ٱلْمُنَافِقِينَ وَٱلْمُنَافِقَاتِ وَٱلْمُشْرِكِينَ وَٱلْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً ) .

وقد جاء فيما رواه ابن كثير في تفسير هاتين الآيتين ، روايةً من مقاتل بن حيان : ” إن الله تعالى حين خلق خلقه ، جمع بين الإنس والجن والسماوات والأرض والجبال ، فبدأ بالسماوات فعرض عليهن الأمانة وهي الطاعة ، فقال لهن : أتحملن هذه الأمانة ، ولكن على الفضل والكرامة والثواب في الجنة ؟ فقلن : يا رب ، إنا لا نستطيع هذا الأمر وليس بنا قوة ولكنا لك مطيعون ، ثم عرض الأمانة على الأرضين فقال لهن : أتحملن هذه الأمانة وتقبلنها مني ، وأعطيكن الفضل والكرامة في الدنيا ؟  فقلن : لا صبر لنا على هذا يا رب ولا نطيق ، ولكنا لك سامعون ومطيعون ، لا نعصيك في شيئ أمرتنا به ، ثم قرب آدم فقال له : أتحمل هذه الأمانة وترعاها حق رعايتها ؟ فقال عند ذلك آدم : ما لي عندك ؟  قال : يا آدم إن أحسنت وأطعت ورعيت الأمانة ، فلك عندي الكرامة والفضل ، وحسن الثواب في الجنة ، وإن عصيت ولم ترعها حق رعايتها وأسأت فإني معذبك ومعاقبك وأنزلك النار ، قال : رضيت يا رب  وأتحملها ، فقال الله عز وجل عند ذلك : قد حملتكها ، فذلك قوله :     ( وحملها الإنسان ) ” ( تفسير ابن كثير ، سورة الأحزاب ) .

هذا هو الحوار الذي أجراه الله سبحانه مع السماوات والأرض والجبال ثم خاطب الإنسان فلم يتلكأ في حمل هذه الأمانة العظيمة وقبلها بكل رحب وسعة ورضي بما يقدر الله له من الجنة في حال الطاعة والإحسان ، ومن النار في حال الإساءة والعصيان .

تلك هي البنية التحتية لحياة الإنسان في هذه المعمورة ومن خلال ذلك يستطيع أن يختار دوره في البناء والسير على درب الأمانة التي حملها ورعاها ، وتلك هي في الواقع مركز النتائج التي يعيشها ويبني عليها المستقبل الذي يتوقف عليه السعادة والشقاء والجزاء الذي يتلقاه في الدنيا والآخرة ، ( فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ . وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ) .

ولا مراء فيما إذا كانت عملية التعليم والتربية ذات عماد متين في التمييز بين الحق والباطل ، وبها وحدها يمكن توزيع المسئوليات بأنواعها بين المجتمعات الإنسانية ، ولولاها لما قدم الله سبحانه ذكر وسائل العلم والمعرفة في أول وحي نزل على رسوله النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم ، وقد أخذ بهذا المبدأ الأساسي من أدرك ذلك وتعمق في تحليل معاني العلم ووسائله ونتائجه الإيجابية وتبين عليه بعض ما أريد من افتتاح الوحي من توجيه الإنسان إلى البحث عن معاني العلم والحكمة التي تصل العبد بالمعبود وتصونه عن جميع المزلات والمعاصي التي تؤدي إلى المهالك مع توافر بعض الملذات السريعة الزوال ، كما هو المشاهد اليوم في معظم أجزاء العالم ومراكزه التعليمية المعاصرة مع الزمان .

وقد أدت رغبة العلم والمعرفة ، المجردة من روح الأمانة إلى أمراض نفسية ، وأفكار مريضة ، ورغم أن التركيز على تلقي المعارف العلمية والاكتشافات السريعة في مجالات العلم والمعرفة يتزايد على مر الأيام والليالي ، والجامعات العالمية مكبة على افتتاح الأقسام والكليات بأسماء ورموز ذات انتماء إلى العلوم الحديثة والابتكارات الفنية ولكن المجتمعات البشرية غير مطمئنة القلب والروح .

فمثلاً وسائل الإعلام بأسمائها ومصطلحاتها المتعددة التي تملأ العالم اليوم ، وقد تطورت وسائل الإعلام والقنوات الفضائية ( Satellite Channels ) وموقع التواصل الاجتماعي فيس بوك ( Facebook ) والتويتر ( Twitter ) والواتس أب ( WhatsApp  ) ، وكذلك الإعلام الاجتماعي الذي يعتني بكافة القضايا الاجتماعية ويُعني بوسائل التواصل الحديثة التي توفر الوقت ، وتسهل عملية تبادل المعلومات ومناقشتها ، وتتميز بالسرعة العالية في نشر الأنباء والأخبار ، وبعملية تبادل المعلومات ومناقشتها ، هذه كلها من تميزات وسائل التبادل والتواصل الحديثة التي ضل بها الطريق البناء كما هو المشاهد المعلوم .

ولا ريب أن علماء الإعلام والتواصل الاجتماعي وفقوا إلى إنجاز أحدث المعلومات لتسهيل الحياة والمجتمعات الإنسانية ، وقد أفاد العالم البشري على المستوى العالمي من هذه الوسائل الجديدة في جميع مجالات الحياة وتحقيق الغرض النزيه الذي أريد باستخدام هذه الابتكارات ، وتطورت الإنسانية في التواصل الاجتماعي والسياسي بجميع ألوانه إلا أن طائفة من المغرضين استولت على هذه الإنجازات الإعلامية وقامت باستغلالها فيما يهدم أساس الأخلاق والضمير الإنساني الصالح ، وبذلك فقدت هذه الوسائل الإعلامية في جميع المجالات البشرية تأثيرها    المطلوب ، وأصبحت لعبة بأيدي العابثين الظالمين .

وهكذا أثرت النفعية وفقدان الاجتماعية الصالحة في إسعاد الحياة وتسهيل عملية التبادل الإعلامي ، وعادت العلوم والمعارف أداة هدم وفساد قبل أن تكون وسيلة التواصل الاجتماعي المتميز النموذجي ، ولنأخذ مثلاً ذريعة التبادل التجاري ” أون لائن ” (Online  ) فإنها شاعت اليوم على المستوى الجماهيري ، ومن خلالها يتم التبادل التجاري فيتوافر الوقت والجهد وتتم شئون البيع والشراء بواسطة الهاتف الجوال ، وهي تعتبر الآن ذريعةً سهلةً وذكيةً ، إلا أن عناصر الفساد تتربص التدخل فيها وتلويثها باتجاهات مغرضة تؤدي إلى خسائر إنسانية ، وتعكر صفو الحياة التجارية الشعبية ويداخلها الخيانة والخداع .

كأن الخيانة تكاد تسيطر على جميع شئون الحياة الفردية والجماعية ويعود الإنسان الأمين متلاعباً بين الأمانة والخيانة ويفقد نزاهة المنصب الإيماني الذي رفع مكانته على جميع الخلق ، وعلى السماوات والأرض والجبال التي أدركت ثقل الأمانة واعتذرت عن حملها وصرحت بضعف قوتها عن أداء مسئولية هذه الأمانة العظيمة ، مع السمع والطاعة الكاملة وامتثال جميع الأوامر إلا أننا لا نقوى اليوم على حملها وأداء حقها بكل دقة وأمانة كاملة .

وأراد الله سبحانه أن يكرم الإنسان بشرف الأمانة وقد أقر بها وحملها ، رغم أنه كان لا يدري كيف يقوم بالمسئولية وكم يكلف أداء هذه المسئولية من جهد وإخلاص ، ومن تضحية بالنفس والمال ومن الثبات على جادة العبودية لله تعالى والخضوع أمام جميع تعاليمه التي يشرحها   الإسلام ، ذلك الدين الخالد الأخير الذي نزل على الرسول الخاتم والنبي الأخير محمد صلى الله عليه وسلم ، وقام عليه أساس هذا الكون والإنسان والمجتمع ( يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً . وَدَاعِياً إِلَى ٱللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُّنِيراً ) .

ومن ثم كان الإنسان أفضل الخلق كله ، وعادت عليه مسئولية البلاغ لهذا الدين الكامل الأكمل والدين القائم من غير نقص أو زيادة إلى يوم الدين ، وذلك هو دين كل من يُدعى بالإنسان الذي تحمَّل أمانة الإنسانية بجميع معالمها ومقاييسها وآدابها وحِكمها ، وعرف أهمية وجوده في هذا العالم البشري ، وتعرّف مسئولية الأمانة التي حملها ، ولم يقصر في أداء تبعاته ووظيفته الإنسانية التي تمنحه القيادة ، قيادة العالم من الضلال إلى الهدى ، وقيادة الإنسانية في كل عصر ومصر من مهالك الظلم والذل إلى منارة العلم والعدل ، ومن دياجير الكفر والشرك إلى نور الإيمان والتوحيد الخالص .

ولكن لما قلت الأمانة أو ضاعت ، وأصبح الإنسان يعيش في غفلة عن واجبه ، ويتناسى ما أكرم به من الأمانة التي حملها بإذن من الله تعالى ، وأصبح الأمين خائناً والخائن أميناً فلننتظر الفتنة التي أشار إليها الله سبحانه في محكم كتابه فقال : ( وَٱتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ ) ( الأنفال : 25 ) .

وجاء في الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إنكم سترون بعدي أثرة وأموراً تنكرونها ، قالوا : فما تأمرنا يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : أدوا حقهم وسلوا الله حقكم ) ، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ستكون فتن ، القاعد فيها خير من القائم ، والقائم فيها خير من    الماشي ، والماشي فيها خير من الساعي ، مَن تشرَّف لها تستشرفه ، فمن وجد منها ملجأ أو معاذًا فليعذ به . ( صحيح البخاري ، كتاب الفتن ) .

أليس كل هذه الفتن والمحن مما إذا تناسى الإنسان الأمانة التي حملها من عند ربه تعالى وأغفلها وتناسى مسئوليتها ؟! فلنتذكر الأمانة التي حملناها ، ونصونها من كل خيانة ، لكي لا تغشانا الفتن التي تسبب ضعف الإيمان وذهاب الأمانة التي تحملنا مسئوليتها العظيمة أمام الله تعالى الذي أعلن بذلك وقال : ( وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ ) ، والله بصير بعباده ، وخبير بكل ما يُسرّه ويُعلنه ، وهو على كل شيئ قدير .

والله يقول الحق وهو يهدي السبيل .

سعيد الأعظمي الندوي