أمة الكلمة بحاجة إلى وحدة الكلمة !

جيل الشباب ، بين السلب والإيجاب
2 نوفمبر، 2018
الإسلام ، فطرة الله التي فطر الناس عليها
7 فبراير، 2019

أمة الكلمة بحاجة إلى وحدة الكلمة !

لم يعرف التاريخ البشري على طول مداه فترةً تمثلت فيها أمة نموذجية تؤمن بكلمة واحدة ، وتدور حولها في جميع نشاطاتها الفردية والجماعية وفي مجالاتها المعيشية والسياسية وفي مشاكلها الداخلية والخارجية إلا أمة ظهرت على الساحة في صورة مصغرة في مطلع القرن السابع الميلادي ، وظل يتوسع نطاقها رويداً من خلال ظروف صعبة وعقبات قبلية ، وبحكم عقلية ضيقة لم تكن ترضى بالخروج من دائرة العوامل المادية الوثنية ، ولولا أن الكلمة التي فوجئ بها أبناء الجزيرة العربية ، كانت أجنبيةً بالنسبة إلى الناس الذين لم يسمعوا بمثلها ولا عرفوها في سابق تاريخهم لم تكن منهم ثورة ضد الكلمة التي دعاهم إليها خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم ، ولكن هذه الدعوة كانت حدثاً عظيماً بالنسبة إلى ما ألفوه من عادات جاهلية ، ومن تقديس أصنام وأوثان ورثوه أباً عن جد ، فكيف كان يمكن أن يتركوا تراثهم   القديم ، ويقتنعوا بكلمة التوحيد والرسالة التي لم يكن لها وجود في أي فترة من تاريخ الجزيرة .

لم يترك سادة قريش ولا رجال مكة البارزون أيما حيلة للصد عن هذه الدعوة الجديدة وصرف الناس عنها ، ولما فشلت تدابيرهم المرذولة وباءت بالخيبة رغم جميع المحاولات التي بذلوها في عرقلة كلمة التوحيد وتمزيق الوحدة التي توخاها النبي صلى الله عليه وسلم في مجتمع الشرك والشهوات ، جاءوا إلى عمه موفدين وقالوا : إننا نحبك ونعظمك ولكن ابن أخيك محمداً ( صلى الله عليه وسلم ) لا يمتنع عن تفريق الجماعة وتمزيق صفوفنا في عبادة أصنامنا ، فعليك أن تأخذه بالتربية وتمنعه عما يفعل ، وإلا فنحن نحاربه بكل قوة مهما كانت العاقبة ، وتأثر العم الكريم بهذا التهديد وتناول ابن أخيه بالنصح وطلب منه الامتناع عن هذا العمل ، فكان الجواب في غاية من الصمود وبكل أدب :

( يا عم لو وضعت الشمس في يميني والقمر في يساري لما تركت هذا الأمر حتى يظهره الله تعالى أو أهلك في طلبه ) .

وهكذا نال العمل الدعوي توسعاً وبدأت أمة الكلمة تنسج خيوطها وتقوي هيكلها في هدوء وجدية وصموت ، وظلت تتقدم نحو وحدة الكلمة في جو من الظروف القاسية وفي ضوء التوجيهات النبوية ، فكان ذلك عهد المحن والشدائد الذي امتد إلى ثلاث عشرة سنة ، أسلم خلال ذلك عدد وجيه من كبار مكة وتوسعت دعوة الكلمة إلى نواحي مكة والجزيرة ، نشأت أمة الكلمة بالدعوة إلى كلمة الإسلام الذي نال بهم قوة وسنداً وتزايد عدد الداخلين في الإسلام أفواجاً بعد ما فتح الله سبحانه مكة على يد المسلمين وبقيادة النبي صلى الله عليه وسلم بعد هجرته إلى المدينة في العام الثامن من الهجرة ، فكان ذلك في الواقع بداية الحكم الإسلامي وافتتاح العهد السعيد للإسلام والمسلمين وبشارة غلبة الدين الإسلامي على كل باطل وانتصار الإسلام بمعناه الأصيل في العالم كله ، ووجود الدولة الإسلامية بقيادة رحمة للعالمين ، ثم آلت الخلافة الإسلامية بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم إلى الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم ، ولعل دراسة الآيات التالية من سورة الفتح تلقي أضواءً على ما قرره الله سبحانه للمسلمين في تلك المناسبة من تحقيق قيادة الرسول صلى الله عليه وسلم واتباع مسيرة الدين العالمي الخالد الكامل الذي أكمله رب العالمين وأتم نعمته ورضيه للناس ديناً ودولةً إلى آخر يوم الدين :

( لَّقَدْ صَدَقَ ٱللَّهُ رَسُولَهُ ٱلرُّؤْيَا بِٱلْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لاَ تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُواْ فَجَعَلَ مِن دُونِ ذٰلِكَ فَتْحاً قَرِيباً . هُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً . مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِى وُجُوهِهِمْ مِّنْ أَثَرِ ٱلسُّجُودِ ذٰلِكَ مَثَلُهُمْ فِى ٱلتَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِى ٱلإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَٱسْتَغْلَظَ فَٱسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ ٱلزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ ٱلْكُفَّارَ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً ) . ( سورة الفتح )

وتحققت نبوءة الفتح المبين التي كان قد تلقاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية ، وإن كان هذا الصلح بقبول تنازل عن بعض الأمور المهمة ، ويبدو كأنه هزيمة ولكن كان يكمن فيه الفتح المبين الذي تم بفتح مكة بعد مدة قليلة في العام الثامن للهجرة ، ذلك هو الفتح المبين الذي فتح الأبواب على مصاريعها لدخول العرب والقبائل العربية كلها في الإسلام ، فكان كسيل يتدفق من كل جانب ، ونال به الإسلام والمسلمون من القوة والاتساع ما لا يخفى ، وذلك مما بشر به الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم حيث يقول : ( لَّقَدْ صَدَقَ ٱللَّهُ رَسُولَهُ ٱلرُّؤْيَا بِٱلْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ آمِنِينَ ……. ) .

من هنالك مثل المسلمون أمة كلمة الإسلام خير أمة أخرجت للناس ، ومن خلال هذه الكلمة كانوا أمةً واحدةً وتمثلت بها وحدة الكلمة التي آذنت بأن المسلمين كلهم منخرطون في سلك واحد ، وأجزاء وحدة لا انفصام لها ، فكان النموذج الأمثل لوحدة الكلمة وأمة الكلمة أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم الذين وصفهم الله سبحانه وتعالى في الآية المذكورة أعلاه  : ( مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِى وُجُوهِهِمْ مِّنْ أَثَرِ ٱلسُّجُودِ ) ، ولذلك فمن اقتفى أثر الصحابة رضي الله عنهم فهو في حكمهم ، ولهم الفضل والسبق والكمال الذي لا يلحقهم فيه أحد من هذه الأمة ( تفسير ابن كثير في سورة الفتح ) ، وجاء فيما رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” لا تسبوا أصحابي فو الذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه ” .

ومثل رسول الله صلى الله عليه وسلم ترابط المؤمنين المسلمين بالحب والمودة والعطف فقال : ” مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد ، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر ” ، وهذا مثل ينطبق على جميع المؤمنين المسلمين على اختلاف طبقاتهم وأجناسهم وأوطانهم وألوانهم ولغاتهم ، ومن ثم فإن وحدة الكلمة وأمة الكلمة تقومان على أسس ثابتة من وحدة العقيدة والإيمان والتشريع ، ووحدة الصف والهدف ، ووحدة الأخلاق والسلوكيات العالية التي علمها الرسول صلى الله عليه وسلم وعاشها مع صحابته الكرام .

فاسمحوا لي أيها القراء الكرام ! بالتعبير عن وحدة الأمة واعتبارها ، بالوحدة المفقودة المسروقة فأصبحت هذه الوحدة هي ضالة المسلم اليوم ، وقد سرقها أقوام مادية بغاية من السرية والخفاء من أمة الإسلام وتبنتها ، حتى تحقق لها من الانتصار والغلبة في جميع مجالات الحياة المادية من السياسة والاقتصاد والصناعات والتقنيات الحديثة ، والكلمة الحاكمة في مجالس الأمم المتحدة ، واستعباد الأمم الحرة الشريفة من أهل الدين والعقيدة والدعوة والرسالة واعتبارهم أضعف أمة لا قيمة لها ولا أهمية في مصاف الأمم العالمية .

ومن لا يدري أن المسلمين هم صانعو الحضارة الإنسانية العالمية في زمن لم يكن للحضارة أي تصور في الغرب ، وكانت أوربا تعيش في الغابات الوحشية ولم يكن لها شعور بإنسانيتها ، ولا كانت تعرف معناها ، فلما فتح المسلمون أوربا ودخلوا في الأندلس بقيادة علماء المسلمين ممن كانوا على قمة عالية من الثقافة الواسعة والحضارة الإنسانية التي تلقوها من تعاليم الإسلام ، وأسسها العلمية والحضارية وكانت أوربا عالة عليهم ، فأسسوا مراكز التعليم والتربية وأقاموا معالم العلوم الاجتماعية والقيم الحضارية وأخذوا الأوربيين بالتربية من كل   نوع ، وأخرجوهم من غابات الجهل والأمية ونقلوهم إلى عالم إنساني ذي ثقافة إنسانية وحضارة حية ذات معان رفيعة من السلوكيات والثقافات العالمية الإنسانية ، لم يكن لأوربا أي شعور بها .

ولكن الغرب اليوم يرفض حضارة الإسلام الراقية الباقية بإزاء حضارته المادية البحتة ، كما يصرح ” توينبي ” في كتابه عن الإسلام والغرب بخوفه من قيام حضارة إسلامية جديدة من نوافذها التاريخية القديمة ، وسيطرتها على المجتمعات الإنسانية ، فهو لا يرضى بانتصار الغرب الشيوعي أو الرأسمالي ولكن يسعده كثيراً أن لا ينهض المسلمون من سباتهم العميق الأخير ، فيخسر الغرب غلبته وهيمنته على العالم الإسلامي .

من هنا تتجه المسئولية الكبرى على قادة ودعاة الدين وعلماء الإسلام أن يقوموا بتجديد أمة الكلمة ووحدة الكلمة ، ويبذلوا مجهودات مخلصة في سبيل إعادة الأمجاد في مجتمعات المسلمين وإحياء حضارة الإسلام بالدعوة إلى التوحيد الخالص والتمسك برسالة خاتم النبيين الذي أرسل رحمة للعالمين .

يقول الله عز وجل : ( ٱدْعُ إِلِىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ ) .

والله يقول الحق وهو يهدي السبيل .

سعيد الأعظمي الندوي