الإسلام ، فطرة الله التي فطر الناس عليها

أمة الكلمة بحاجة إلى وحدة الكلمة !
5 يناير، 2019
إنا لله وإنا إليه راجعون ! الأستاذ السيد محمد واضح رشيد الحسني في ذمة الله تعالى
3 مارس، 2019

الإسلام ، فطرة الله التي فطر الناس عليها

لم تكن الديانات التي سبقت الإسلام ذات انسجام كامل مع طبيعة الإنسان الذي ظهر على ساحة الوجود في نهاية القرن السادس الميلادي ، ذاك أن العالم البشري كان يجتاز فترة الطفولة التي بدأت منذ آدم عليه السلام وظلت تتربى في عهود الأنبياء السابقين في ظل الرسالات السماوية على أيدي الأنبياء والمرسلين الذين قاموا بتعليم آداب الحياة لأتباعهم في ضوء الوحي السماوي من أول درس أساسي حول الإيمان بقدرة الله الذي خلق السماوات والأرض والشمس والقمر لتيسير حياة الإنسان في هذا الكون ، ومن خلال هذا الدرس الأول الأساسي تدرج الأنبياء ، كل في عهده ، إلى دروس باقية مما كان له صلة بالتربية والتوجيه الخلقي بقدر ما كان يستسيغ الإنسان في عهود النبوات السابقة مع قضاء عمره من الطفولة البدائية إلى عهود الشباب ، وقد تم شبابه وشعوره العقلي ووعيه الفكري لجميع آداب الحياة وحاجاتها ومتطلباتها ، تخلل ذلك تلك الفترة الطويلة التي كانت فرصةً للتوعية الكاملة والبلوغ إلى النضج العقلي ، والتمييز العلمي والمعرفي حتى ظهر في أحسن تقويم بعد ما اكتمل عهد الشباب ، ولكنه كان يعيش مغروراً بربه الكريم الذي خلقه فسواه فعدله ، وذلك ما ينادي به الرب تعالى وهو يهدد الإنسان :     ( يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ . ٱلَّذِى خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ ) ، كأنه يسأله : يا ابن آدم ما غرك بربك وبماذا أجبت المرسلين ؟ وقد خاطب الإنسان بجميع ألوانه وأجناسه وشعوبه وقبائله وهو يسائله قائلاً : ( يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوۤاْ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ ٱللَّهِ أَتْقَاكُمْ ) ، ولا ريب أن هذا الخطاب كان بعد ما بلغ الإنسان مرحلة التعقل وإدراك الحقائق الكونية ، بعد بعثة خاتم النبيين وإكمال الدين عن طريقه الذي سماه الإسلام .

ومع بدء جنس الإنسان مرحلة البلوغ العقلي في إدراك حقائق الحياة والكون ، أكرمه الله سبحانه وأنعم الله عليه بالدين الكامل الذي أتم نعمته على يد خاتم النبيين والمرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، وبذلك كان هذا الدين بتعاليمه وأحكامه وشرائعه أعظم قوة استوعبت العالم البشري كله ، وقامت بدور مثالي في دحر الدولتين العالميتين الرومية غرباً والفارسية شرقاً ، ولم يكن هناك من يستطيع أن يحلم بانهزام أي واحدة منهما ،حكما باستيلائهما الكامل على مصير الإنسان يوم ذاك ، فكان الإسلام منذ أن جاء به خاتم النبيين قوةً هائلةً كبيرةً لا تقوم أمامها أي قائمة من الحكم والمال والمنصب والسلطان ، وهي من الحقائق التاريخية الملموسة التي تؤكد أن الإسلام سيطر على العالم في مدة قليلة وأصبحت له غلبة على القلوب وهيمنة على النفوس ، وذلك بحكم الطبيعة الإيمانية التي أودعها الله سبحانه في الإسلام وأتباعه ، ودعاته وقادته ، ممن أدركوا هذا السر المودع فيه ، ورأوا أن يفشوا هذا السر العظيم بين العالمين بالثقة واليقين ، وفي صورة عملية  حية ، فمثلوا هذه الصورة الحية في واقع الحياة والمجتمع ، ورخصوا كل متاع الدنيا ، فشهد العالم البشري أمثلةً نادرةً من عجائب التاريخ الإنساني التي حدثت في فجر تاريخ الإسلام وظهره وعصره ، وحتى في صباحه ومسائه ، وهي مسجلة في صفحات هذا التاريخ ، ويطلع عليها الناس ولا يزالون ، وقد جمع الله تعالى في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم جميع الصفات العالية والنماذج الفذة من الحب والإخلاص والطاعة ، والخضوع الكامل لأوامر الله تعالى ونواهيه ، وسارت على ذاك الدرب جماعة الصحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم من المسلمين المثاليين الذين مهدوا الطريق بصفة دائمة في كل عصر وزمان بالدعوة إلى الله ، لكل من أراد أن يدخل في دين الله ويتبع الرسول صلى الله عليه وسلم .

ألم يكن العهد الجاهلي شقياً من خلال العادات والتقاليد التي كانت تضاد طبيعة الإنسان وتعاكس الفطرة ( فِطْرَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِى فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ ) في كل حال مهما كانت الظروف ، ولكن معاكسة الفطرة بذرت في نفوس الناس في ذلك العهد بذور الفرقة والشقاق والمعاداة والخلافات ، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالتحابب والتآخي ، والاعتصام بحبل الله جميعاً كما تحدث بذلك كتاب الله تعالى بصيغة الأمر وقال : ( وَٱعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ ٱلنَّارِ فَأَنقَذَكُمْ مِّنْهَا كَذٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ) ، يقول القرطبي رحمه الله في تفسير هذه الآية : ( أمر الله تعالى بتذكر نعمه وأعظمها الإسلام ، واتباع نبيه محمد عليه السلام فإن به زالت العداوة والفرقة ، وكانت المحبة والألفة ) ، ولولا نعمة الإسلام العظيمة لما تلاشت العداوة التي كانت راسخة الجذور بين القبائل العربية ولم تعد متحابةً متناصحةً حيث يحب الرجل لأخيه ما يحب لنفسه ، ولكنها هي نعمة الله التي خص بها أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، وقد تحدث عن كمالها وبقائها ، مع استغناء العالم البشري عن كل ديانة أو نظام أو حكم : سماحة العالم الكبير الإمام العلامة السيد أبي الحسن علي الحسني الندوي ( رحمه الله ) يقول : ( إنه دين حي ورسالة خالدة ، إنه حي كالحياة نفسها ، وخالد كخلود الحقائق الطبيعية ونواميس    الحياة ، إنه تقدير العزيز العليم ، صنع الله الذي أتقن كل شيئ وقد ظهر في شكله النهائي وطوره الكامل وأعلن يوم عرفة ” ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلأِسْلاَمَ دِيناً ” فهو يجمع بين الكمال الذي لا انتظار بعده لدين آخر ، ولا حاجة معه إلى رسالة جديدة ، وبين الحيوية التي لا نفاد لها والنشاط الذي لا آخر له ، ولذلك استطاع أن يساير الحياة ويراقبها في وقت واحد ، ويتابعها في صلاحها واستقامتها ، وينكر عليها في انحرافها وزيغها ، فلا هو مساير مايع ككثير من الفلسفات النظرية ، وذلك مثل الدين الكامل ، ومثل الدين الحي للإنسان الحي ، الذي يشعر بشعوره أو يعترف بحاجاته ، ويرشده في مشاكله ويعارضه في اتجاهاته الفاسدة ) .

ومن هنا كان الإسلام مستوعباً لجميع النشاطات الإنسانية والحاجات المادية والمعنوية بصفة دائمة مستمرة ، وما أنزله الله سبحانه كدين محدود أو نظام محصور في ركن أو بقعة من الأرض ، إنما يقود الإنسان والكون والحياة إلى هدف واحد ، وهو الجمع بين سعادتي الدين والدنيا بغاية من التوازن والانسجام الكامل وبالجمع المتزن السوي بين حسنة الدين وحسنة الدنيا ، وبذلك كان هذا الدين القيم حاجة الإنسان في كل جانب عملي وفي كل حاجة إنسانية ، فبذلك هو النسيج الوحيد لجميع المنطلقات الحيوية والنشاطات الفردية والجماعية ، يصل العبد بربه تعالى ويصل العباد بالعباد ، فكل شخص مسئول عن أعماله وعلاقاته المخلصة ، والكل راع ومسئول ، فالإمام راع وهو مسئول عن رعيته ، والرجل راع وهو مسئول عن رعيته في بيته ، والمرأة راعية في بيت زوجها وهي مسئولة عن رعيتها ، والخادم راع وهو مسئول عن مال سيده .

وبذلك نستطيع أن نقدر شمولية الدين الأخير على جميع أجزاء الحياة وآدابها ومتطلباتها بصفته الدين الأخير الكامل الباقي إلى بقاء العالم البشري ، ودوام الإشراف السماوي عليه مهما تطورت الظروف العالمية ، وذلك على جميع المستويات من غير نقص أو زيادة في أي جزء   منه ، ومعلوم أن مثل هذا النظام السماوي الذي ليس إلا من صنع الله العليم الخبير ، يتكفل بجميع احتياجات الإنسان ومطالبه ، فلا يفتقر بعد ذلك إلى أي مسمى حضاري فلسفي ، ولا إلى أي نظرية مادية أو ديانة بائدة أو مزعومة ، إنما هو فطرة الله التي أعلن الله سبحانه عنها مدوياً مجلجلاً ( فِطْرَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِى فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ ذٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ) .

إذن فإن نعمة الدين الكامل الخالد الباقي إلى بقاء الإنسان وإلى نهاية هذا العالم البشري ، نعمة مستمرة خلقها الله سبحانه لسعادة الحياة الإنسانية ، فليس لها تبديل ولا تغيير .

وقد يتوافر عدد كبير من الناس ممن لا يعرفون قيمة هذه النعمة المستقلة الدائمة على صورتها الأصيلة دون نقص وزيادة ، إن الإيمان الراسخ بهذه الحقيقة الربانية ومعرفة حرمتها العظيمة لمن مهمات الحياة والإنسان والكائنات بكاملها ، وعليها يرتفع صرح الحياة الإنسانية ، وبها تتحقق غاية الاتصال بالخالق العظيم ، والعيش في أكناف رحمته التي تعمل بدورها في إرضاء الضمير وتوفير الهدوء والطمأنينة للنفس والاستمتاع من نعم الحياة ومعطيات الدين ، والعمل بأحكام الشريعة السماوية السمحاء .

يقول الله تعالى وهو يخاطب الرسول صلى الله عليه وسلم : ( ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ) .

والله يقول الحق وهو يهدي السبيل .

سعيد الأعظمي الندوي