فلسفة الغرب المادية تُعلن إخفاقها !

أفضل الخلق ، يحمل الأمانة !
يوليو 6, 2018

فلسفة الغرب المادية تُعلن إخفاقها !

حضارة الغرب المادية بمناحيها المتعددة أوشكت على نهايتها الأخيرة ، ومالت شمسها نحو الغروب ، وهي لم تجن مع ذلك إلا شقاءً وتعاسةً ، ولم تتمكن من معالجة القلوب المريضة ، ولا وفّرت لأهلها راحةً نفسيةً ولا طمأنينةً قلبيةً ، بل الواقع المعلوم أن العائشين في هذه الحضارة تزايدوا ياساً وقلقاً من جميع النواحي ، ولم يتمكنوا من العيش في أمن ودعة وحب ووئام ، رغم توافر كل الوسائل المتضافرة من العلم والمال ، ومن الوسائل الحضارية بألوانها والتيسيرات التقنية إلى آخر مداها .

إن الرجل الغربي الذي بظاهره جميل للغاية ، ولكن باطنه مظلم لا يجد إلى النور والإشراق سبيلاً ، يعيش في مصانع الآلات والمخترعات الحضارية ، وفي المتاجر وأسواق الأدوات والحاجيات الإنسانية ، لا يتطلع إلى مستقبل يوفر له الراحة من عناء المسئوليات الوظيفية ، والاستمرارية من الإنجازات التجارية التي يتطلبها السباق في الإبداع في مجالات الصناعة والاختراع ، وبناء المعارض الفنية التي تلفت أنظار الدول التي تتطلع إلى التقليد من غير وعي أو شعور بالحقيقة .

وقد تأكد هذا الواقع المعلوم من خلال الاضطرابات النفسية وقلق الأوضاع السياسية التي تمر بها الدول المادية الكبرى في الغرب المادي ، وتواجه شعوباً وجماهير معارضة بشدة ضد الإجراءات التي تنفذها بقوة وإجبار ، ومن ثم نستطيع أن نعرف نهاية القيادة العالمية للسياسة العالمية التي تولتها تانك الدول الكبرى ، والتي فرضت قيادتها المنحرفة على المستوى العالمي ، وقد شاهد العالم كله شرقاً وغرباً فشل هذه القيادة وانحيازها إلى ركن ضيق ، والالتجاء إلى أسلوب اعتذاري مشين .

إن الإبداعات التواصلية التي اخترعتها الدول الكبرى العالمية لجمع العالم كله في حي واحد ، واتصال البعض القريب مع الآخر   البعيد ، بأقل من ثواني ولمحات ، ومنها موقع التواصل المعروف              ( WhatsApp ) الذي كان يُعتبر وسيلة التواصل الاجتماعي الأصيل والسريع ، لم يُغن عنها شيئاً إيجابياً ، ولكنه أصبح اليوم ذريعةً لارتكاب الجرائم الوحشية ، والمآسي الإنسانية والغوغاء الهجومي ، وقد كان يُعتبر من أوثق وأزكى مواقع التواصل الاجتماعي ، ونستطيع أن نقيس على هذا جميع الأعمال والإنجازات التي تجعلها ضمن خدمة الجماهير العالمية والدول التابعة لها .

ومن لا يعلم أن تنظيم داعش من مواليد السياسة العالمية   الحاضرة ، وهو دائماً يتربص نقاط الضعف في صفوف المسلمين والسياسيين ، ويُعلن إقامة الخلافة الإسلامية ، ولكنه فشل في جميع أهدافه وبدأ الآن يركز على التغلغل التكنولوجي في الدول الغربية المعادية له اليوم ، وجاء في جريدة الشرق الأوسط : ” اتفق عدد من الخبراء الأمريكيين الذين عملوا أو يعملون في مجال الحرب ضد الإرهاب على أن خطر تنظيم داعش لن ينتهي بنهاية دولة ما يسمى الخلافة التي كان الداعشيون قد أقاموها في أجزاء من سوريا والعراق ، وأشار هؤلاء  الخبراء : إلى أن موجات مؤامرات وتفجيرات وعنف صارت تعم العالم تقريباً ” . أما ما تقوم قناة الجزيرة القطرية من نشر أنباء بشأن قرصنة     ( بي أوت كيو ) بأنها تتخذ من المملكة السعودية مقراً لها فإن ذلك ما لا صحة له وإن المملكة تنفي المزاعم والادعاءات الكاذبة بشأن هذه القرصنة وكون المملكة مقراً لها ، ولا يخفى أن مثل هذه الأنباء والادعاءات الكاذبة لا تتولاها المملكة في أي حال ، بل ليس ذلك إلا تشويه سمعة المملكة التي تتزعم النزاهة في جميع شئونها الدولية والسياسية ، ولا علاقة لها بمثل هذه المزاعم الفاسدة في أي حال ، والواقع أن تبادل الاتهامات بين الدول الشقيقة يؤدي إلى زعزعة ثقة الشعب بالزعماء السياسيين ، ولكن الأوضاع الدولية التي تعيشها الدول العالمية الكبرى تجعلها على هامش السياسة العالمية وتكون موضع الكراهية وعدم الثقة بها على جميع المستويات ( وَمَن يَكُنِ ٱلشَّيْطَانُ لَهُ قَرِيناً فَسَآءَ قِرِيناً ) .

ومن لا يدري بواسطة وسائل الإعلام ومواقع التواصل التقنية الحاضرة ما قد حدث من تبادل الإدعات والشتائم بين الولايات المتحدة ودولة كوريا الشمالية من خلال رئيسيهما منذ مدة قليلة فقط ، وقد تبادلت كلتاهما تحديات للقضاء على كل واحدة منهما ، وقد أحست الجهات العالمية بالخطر وحاولت إيجاد مصالحة بين الدولتين على عدم استخدام الوسائل النووية ، وبذلك انتهى التوتر السياسي الذي أصيب به زعماء الدول في العالم كله ، وقد اضطر الرئيس الأمريكي إلى مد يد الصداقة إلى رئيس كوريا الشمالية والاتفاق بينهما على اللقاء في العاصمة الكورية وزيارة الرئيس الأمريكي لها والجلوس مع زميله الرئيس الكوري ، وإن كانت خطوة الرئيس الأمريكي مبعث خير لإزالة التوتر بين العلاقات ، ولكن إيجابية النتائج ظلت مغمورةً ، رغم اتفاقية موقعة من الجهتين كلتيهما على عدم استعمال الطاقات النووية بينهما .

كما كانت هناك اتفاقية بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية على عرض مناورة عسكرية مشتركة بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية ولكنها ألغيت من أجل تكلفتها الباهظة التي تتولاها الولايات المتحدة ، وكذلك توقفت عملية تدريب ( فريدم غارديان ) العسكري ، وكانت لدعم قمة سنغافورة بين ترمب والزعيم الكوري الشمالي ” كيم جونغ أون ” ، وذلك توفيراً للنفقات التي سيكلفها هذا التدريب العسكري ، بهذا نستطيع أن نقدر الأوضاع المخيفة لهذه الدولة العالمية الكبرى التي كانت أقوى وأغنى دول العالم كلها ، وكان لها احتواء على جميع المشكلات والقضايا السياسية والصناعية والحضارية ، ولكنها مع الأسف في تدهور مستمر مع النظام الحالي الذي بلغ بها إلى العجز المالي ، والانحطاط الاقتصادي وإلى حالة من الفقر ووجود طائفة كبيرة من الفقراء من الأمريكيين البائسين الذين يعانون من الجوع والعري ما يثير العجب ، وذلك مع ما تنال البنوك الأمريكية من أوامر لتوفير الديون المالية بأرقام هائلة للحكومة إنجازاً للمشاريع وتغطية للمصاريف الحكومية التي تتزايد على مر الأيام ، ومقاومة المنظمات العدائية ورد حملات الإرهاب والقضاء على خلايا الجرائم الإرهابية التي تكمن في مكان دون مكان ، أليس كل ذلك نتيجةً للفلسفة المادية الاستغلالية التي تبناها الغرب وزعماء أمريكا والدول التابعة لها ، فقد نرى أن الإنسان المعاصر في كل مكان شرقاً كان أو غرباً يعاني اليوم من مشكلات الحياة ما يضيق عليه الخناق وطالما يؤديه إلى الانتحار للخلاص من معاناة الحياة ومصائبها من الفقر والأمراض النفسية واليأس من المستقبل ، وقد توصل إلى هذه الحقيقة كثير من علماء الغرب وأهله المثقفين ممن درسوا فلسفة الحياة والمجتمع لجميع الديانات والنظرات والأيدلوجيات التي تحتوي عليها ، وتحقق لهم أن الحضارة التي يقدمها الإسلام للحياة البشرية ومناحيها المختلفة إنما تتفق طبيعتها الحضارية مع طبيعة الإنسان ، فإذا بها تفتح له الطريق نحو السعادة والسلام في العالم المادي وتمهد له نحو النجاح والقبول في الآخرة ، ( وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ) .

ومن هنا نستطيع أن ندرك السرّ في إخفاق فلسفة الغرب المادية التي روّجها علماء الغرب بإزاء فلسفة الإسلام الحضارية الكاملة ، الشاملة حياة الإنسان الفردية والجماعية في جميع ربوع العالم وإلى يومه الأخير المقدور من خالقه العظيم الجليل .

وما هذا القلق الذي يعيشه العالم بجميع ألوانه وأجزائه ، وما هذا الاضطراب في الأقوال والأعمال الذي نشاهده في المجتمعات الإنسانية دولاً وشعوباً ، وفي العقول والأفكار ، ليس كل ذلك إلا نتاج تلك الفلسفة المادية التي تبناها الغرب ، وحاول أن يهزم فلسفة الإسلام للحياة والعالم البشري في كل جزء من الأرض ، وقد ركز على تحقيق هذا الهدف المشئوم جميع وسائله وآلياته بألوانها المختلفة ، ولكنه لا يزال يواجه الإخفاق في كل ما يستخدمه من طاقات مادية أو علمية ، يقول الله   تعالى : ( يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوۤاْ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ ٱللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ) .

والله يقول الحق وهو يهدي السبيل

سعيد الأعظمي الندوي