دور اللفظ والمعنى في مجال التعليم والتربية

الوضع العالمي للمسلمين
2 يوليو، 2019
صفقة القرن أو فرصة القرن ؟
8 أغسطس، 2019

دور اللفظ والمعنى في مجال التعليم والتربية

إذا درسنا مفاهيم اللفظ والمعنى الذي يُعتبر البنية الأساسية لحياة الإنسان ، وتعمقنا إلى جذورهما التي لها دور كبير في تأسيس المجتمعات الإنسانية على اختلاف بقاعها وبلدانها لَتَيسر لنا الوصول إلى أن المعاني إنما هي غاية الإنسان في كل مجتمع ، وما الألفاظ إلا أوعية بأشكالها وصورها وألوانها وشكلياتها للتعبير عن المقاصد والمعاني التي تقوم بإنجازها عملية النطق والبيان ، سواء في حالة الرضا والغضب أو في أحوال الحب والمودة وألوان السخط والغيظ .

هذه هي نفسية اللفظ والمعنى باختلاف الأجناس والمناخ ، ورغم توافر القبائل والقوميات وتغير الفصول والأجواء أو تغاير المصالح والاتجاهات ، فالإنسان محصور بين اللفظ والمعنى في كل زمان    ومكان ، حتى إنه يفتقر إلى ترجمان ينقل معنى اللغة التي لا يعرفها الفريق الآخر ، سواء باختلاف البلدان والأجناس أو من جهل أو من خلال أمية أو ما أشبه ذلك من ظروف ، إلا أنها حاجة أكيدة لا ينكرها أحد ، وضرورة فردية وجماعية من جميع النواحي ، يواجهها بل يعيشها كل إنسان مهما كان ، وقد تحدث علماء البلاغة عن الحاجة إلى اللفظ والمعنى بتفصيل للغاية ، وفي مقدمتهم العلامة عبد القاهر الجرجاني في كتابه : ” دلائل الإعجاز ” بوجه خاص من خلال فلسفته البلاغية التي انفرد بها بين علماء هذا الفن العظيم ، وأكد أن البلاغة للمعاني لا للألفاظ .

ولذلك فإن تبادل العلم والثقافة والتعاون على توسعة هذا المجال من أهم واجبات الحياة الإنسانية ، وبذلك يقدر كل إنسان أن يعرف غاية خلقه ويدرك حقيقة خالقه العظيم الذي خلقه فسواه فعدله ، ويتوصل إلى نتيجة واحدة فقط ، وهي أن الله سبحانه لم يخلقه إلا لكي يعرف ربه ، ويعلم ما يعود عليه من حق عظيم نحو عبادته وطلب مرضاته بصفة مستمرة في جميع الأوقات والحاجات والأنشطة ، وفي كل الأعمال التي لا مناص له منها ، سواء كانت ذات علاقة بذاته أو بعائلته أو أعضاء أسرته ومجتمعه أو بمن تقيد بقيود زائدة لا علاقة لها بالآداب الإنسانية المعلومة .

ومن هنا نال العلم بجميع مراحل التعليم والتعلم ، وتبعته الثقافة بألوانها وأنواعها ، كل عناية وتركيز على جميع المستويات الإنسانية والعالمية ، وأقبل الناس على توسعة نطاق العلم وتوزيعه بين أنواع ودرجات كثيرة ، وإن كان في أول أمره نوعاً واحداً أشار إليه الله سبحانه في أول سورة أنزلها على النبي صلى الله عليه وسلم : ( ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ . خَلَقَ ٱلإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ . ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلأَكْرَمُ . ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ . عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ) ، إلا أن قوله تعالى : ( عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ) يشير إلى أن هناك علوماً لا نهاية لها وقد علمه منها ما قدر عليه أو أراده الله تعالى ، لكي يأخذ منها ما قُدّر له . وفي الحديث الذي رواه أبو الدرداء رضي الله عنه في بيان فضل العلم وأهميته ، نعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحث الناس على طلب العلم بشيئ كثير من العناية والاهتمام ، وبيان فوائده في كل من الدنيا والآخرة ، فعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ” منْ سَلَكَ طَريقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ علْمًا سهَّل اللَّه لَه طَريقًا إِلَى الجنةِ ، وَإنَّ الملائِكَةَ لَتَضَعُ أجْنِحَتَهَا لِطالب الْعِلْمِ رِضًا بِما صَنَعَ ، وَإنَّ الْعالِم لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ منْ في السَّمَاواتِ والأرْضِ حتَّى الحِيتانُ في الماءِ ، وفَضْلُ الْعَالِم عَلَى الْعابِدِ كَفَضْلِ الْقَمر عَلى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ ، وإنَّ الْعُلَماءَ وَرَثَةُ الأنْبِياءِ ، وإنَّ الأنْبِياءَ لَمْ يُورِّثُوا دِينَارًا وَلا دِرْهَمًا وإنَّما ورَّثُوا الْعِلْمَ ، فَمنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحظٍّ وَافِرٍ ” .

ولكن العلم العام لا يختص بالمسلم فقط بل المسلم مسئول عن الحصول على العلم الأساسي الذي هو منبع كل علم ومعرفة ، ولا يصلح لذلك إلا الشخص الذي يجمع بين أنواع العلوم والمعارف فيما يتعلق بشئون الدنيا والدين ، لذلك كانت حياة المسلم مرآة لكل ما هو بحاجة إلى إصلاح جسمه وتزكية قلبه ، ومن ثَم أقبل المسلمون في كل بلد بإقامة المدارس العلمية والجامعات ، وخاصةً أمة العرب توجهت عنايتها إلى بناء المدارس وتأسيس الجامعات العلمية والتقنية ، وقد شهد المؤرخ المشهور ” بنيامين الطليطلي ( م 1177م ) ، أنه رأى عشرين مدرسةً من مثل هذه المدارس في مدينة الإسكندرية فقط ، وعدا مدارس التعليم البسيطة ، فإن المدن الكبرى مثل بغداد ، القاهرة ، وطليطلة ، وقرطبة كان فيها جامعات علمية مجهزة بجميع أدوات المراصد والمكتبات الفنية ، ومجهزة بكل المواد الضرورية للبحوث العلمية ( محاضرات في فن التدريس : ص/22 ) ” .

فلو لا المدارس التعليمية والمراكز التربوية الموجودة في المجتمعات الإنسانية منذ فجر التاريخ الإسلامي وقبل ذلك في القرون الميلادية  السابقة ، لم يكن هناك أساس قويم متمكن لبناء الحضارات الإنسانية في عالم البشر ، فإذا كان ذلك النشاط التعليمي قبل الإسلام مؤسساً على أرض من الغايات الرخيصة والمطالب المادية فقط ، فأصبح مع بدء التاريخ الإسلامي قائماً على أسس راسخة متينة وقواعد ذات غايات   بعيدة ، قام عليها بناء الحياة ثم المجتمع والحضارة ، حتى تركزت باجتماع هذه الأركان طاقات العاملين في تمثيل حضارة إنسانية شاملة عُرفت فيما بعد بحضارة الإسلام التي قامت على الواقعية والطبيعة البشرية السليمة التي اتفقت مع طبيعة الإنسان التي فطر الله عليها الإنسان من أول يومه ، فكان أشرف خلق الله تعالى في الكائنات الأرضية والسماوية كلتيهما .

وقد تحدث ” غوستاف لوبون ” أحد فلاسفة الغرب في القرن الماضي ( 7 مايو 1841م – 13/12/1931م ) ، وكان قد درس حضارة الإسلام بعمق وجدية أثنى عليها وعلى الأمة العربية التي عُرفت بالشغف الزايد بالعلم ، يقول في كتابه ” حضارة العرب ) : ” لقد بلغ شغف العرب بالتعلم مبلغاً عظيماً جداً ، حتى إن خلفاء بغداد كانوا يستعملون كل الوسائل لجذب العلماء وأشهر الفنانين في العالم إلى قصورهم ، وإن أحد هؤلاء الخلفاء بلغ الأمر منه إلى حد إعلان الحرب على قيصر القسطنطينية ، وذلك ليجبره على السماح لأحد الرياضيين المشهورين بالمجيئ إلى بغداد والتعليم فيها ، ولقد ازدحم في هذه المدينة الكبرى الفنانون والعلماء والأدباء من كل الأديان ، وكل البلاد ، من فرس ويونان ، وأقباط وكلدان ، وجعلوا من بغداد المركز العلمي الحقيقي في العالم ، ولقد كان الخليفة المأمون بن الرشيد ينظر إلى العلماء كما قال أبو الفرج : كأنهم مخلوقات اختارهم الله لإكمال العقل ، فهم مشاعل العلم ، وهداة الجنس البشري ، وبدونهم تعود الأرض إلى البربرية الأولية .

وتقدم لوبون خطوةً أخرى فقال : إن العرب لم يقتصروا فقط على ترقية العلوم باكتشافاتهم ، بل عملوا على نشرها بواسطة جامعاتهم ومؤلفاتهم ، وإن التأثير الذي أحدثوه في أوربا من هذه الناحية الأخيرة قد كان عظيماً جداً ” .

أما معلم الإنسانية خاتم الأنبياء والرسل محمد صلى الله عليه وسلم ، فقد أشار في حديثه الصحيح إلى أن المعلم الخبير يحظى برضا الله تعالى ، والخلق كلهم يصلون عليه ويدعون له ، ويحبونه إعجاباً بما يقوم به من تعليم الناس وتربيتهم ، ومثَّل رسول الله صلى الله عليه وسلم فضل مكانة العالم بفضل مكانته على أدنى الصحابة رضي الله عنهم فقال :  ” فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ ” ، ثم قال : ” إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْض حَتَّى النَّمْلَةَ فِي جُحْرِهَا ، وَحَتَّى الْحُوتَ لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِي النَّاسِ   الْخَيْرَ ” ( رواه الترمذي ، وقال حديث حسن ) .

ولا يتم معنى التعليم بمجرد تعلم العلم ، أو تحلية النفس بالفضائل ومكارم الأخلاق ما لم يقم المرء بتعليم غيره معاني الكتاب والسنة وتحلية من هم بحاجة إليها بالأخلاق الكريمة وتزكية النفس ، وتصحيح العقيدة ، فإن ذلك من أعظم المعاني التي يتوخاها العالم بعلمه ، وبذلك يتميز العالم عن غير العالم ، فلا يستويان في أي حال ، يقول الله سبحانه مخاطباً نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم : ( قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ ) [ الزمر : 9 ] ، ويرفع الله العالم المؤمن درجات عاليةً ، حيث لا يستطيع أحد أن يُقدّر مدى هذا الارتفاع والعلو ، انظر إلى قوله تعالى : ( يَرْفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ) [ المجادلة : 11 ] .

والله يقول الحق ، وهو يهدي السبيل .

سعيد الأعظمي الندوي