ميزة المحرم ، قبل الإسلام وبعده !

الدعوة الإبراهيمية الإمامة ، ورفع قواعد البيت وتطهيره !
سبتمبر 10, 2018
جيل الشباب ، بين السلب والإيجاب
نوفمبر 2, 2018

ميزة المحرم ، قبل الإسلام وبعده !

كان معظم المجتمعات الإنسانية في القرنين الخامس والسادس من الميلاد ، متوزعةً بين اليهود والنصارى ، ورغم أنهم كانوا ينتمون إلى ديانتين كبيرتين معروفتين ، كانت لهما رسالة دينية تمثلانها حسب معتقدات لم تكن تمت إلى الأصالة بصلة ، وكانت تغاير وحي السماء وتعارض الأسس العقدية التي اختارها الله سبحانه لأتباع هاتين الديانتين الكبيرتين في عصرهما ، ومن خلال ذلك اشتدت الخلافات بين اليهود والنصارى بلهَ الخلافات المعاكسة التي أثارت أجواء المعاداة بينهما التي أدت إلى حروب ومعارك عنيفة ، نتيجة مصادمة الأفكار والنظرات التي تبوأت إلى كل منهما ، وتجددت في أوائل القرن السابع الميلادي من الحوادث والوقائع ما جرّ إلى التباغض بين اليهود والنصارى وتفاقم ذلك إلى أبعد المدى ، ومع بدء القرن السابع الميلادي في عهد فوكاس الإمبراطور البيزنطي ( 602 – 610م ) أوقع اليهود بالمسيحيين في أنطاكيا التي كانت مقر البطاركة المسيحيين في القرون الأولى من الميلاد وازدهرت فيها الآداب والفنون ، وخربها الفرس في القرن السادس  الميلادي ، وتولى القضاء على الثورة بين اليهود والمسيحيين التي كانت استمرت إلى سنين في أيام ملك الروم ” فوقا ” وملك فارس كسرى ، الذي بعث جيوشه إلى مصر والشام فخربوا كنائس القدس وفلسطين وعامة بلاد الشام ، وكانت الحرب سجالاً بين اليهود والنصارى في عهد هذين الملكين ، ولولا حكمة هرقل ملك النصارى في التغلب على الفرس لكانت النكاية أشد مما وقع . ( مستفاد من كتاب ” ماذا خسر العالم بانحطاط  المسلمين ” لسماحة العلامة الندوي رح ) .

وفي مثل هذه الأوضاع العالمية من الفساد والدمار والوحشية الحضارية وبتأثير منها كانت جزيرة العرب تعيش جاهليةً لا مثيل لها في التاريخ ، فكان وأد البنات وثوران الحروب الطاحنة بين القبائل لأدنى سبب ، ميزة الجاهلية الأولى ، وقد أراد الله تعالى تطهير العالم البشري بكامله ، والإبقاء على الأفضلية البشرية التي أكرم بها الإنسان ، فبعث نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم كخاتم النبيين ورحمة للعالمين في الجزيرة العربية التي كانت تعيش في ظلام مطبق وفساد وجهل وفوضى ، كان كل إنسان له حرية كاملة في جميع شئون الحياة فكانوا يتقاتلون ويستبيحون الأنفس والأرواح لمجرد إشباع شهوتهم من العزة والكرامة المزعومة ، فكانت الحروب الطاحنة تستمر وقد تستغرق عقوداً من السنين ، وما حرب داحس والغبراء والأوس والخزرج والحروب القبلية والمعارك العائلية ، ما هي بسرّ .

إلا أن هؤلاء العرب الجاهليين كانوا يمتنعون عن القتال في الأشهر الحرم التي كانت تُعظم على عهد سيدنا إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام وقد استمر العرب الجاهلي على تعظيمها ، فحرموا القتال في هذه الأشهر ، في ذي القعدة وذي الحجة والمحرم ، ورجب مضر ، الذي هو بين جمادى الأخرى وشعبان ، وكانت لشهر محرم الحرام ميزة ، لأن الحجيج إنما يرجعون فيه إلى أوطانهم آمنين ، وقد عدّه بعض العلماء السلف أفضل الأشهر الحرم ، وروى وهب بن جرير عن قرة بن خالد عن الحسن قال : ” إن الله تعالى افتتح السنة بشهر حرام ، فليس شهر في السنة بعد شهر رمضان أعظم عند الله تعالى من المحرم ، وكان يسمى بشهر الله الأصم من شدة تحريمه ” ، وعن أبي ذر رضي الله عنه قال :     ” سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم : أي الليل خير وأي الشهر    أفضل ، فقال : خير الليل جوفه ، وأفضل الأشهر شهر الله الذي تدعونه المحرم ” ، في هذا الحديث دلالة واضحة على فضل صيام شهر الله  المحرم . وقال الحافظ ابن رجب رحمه الله ” وقد سمى النبي صلى الله عليه وسلم المحرم شهر الله ، وإضافته إلى الله عز وجل تدل على شرفه وفضله ” ، ومن ثم كان صوم يوم عاشوراء في الجاهلية مستمراً في قبيلة قريش وغيرها في بعض القبائل ، واستمر النبي صلى الله عليه وسلم على صوم عاشوراء ، وهذا يدل على قدسية هذا اليوم .

وهناك طائفة من الناس تقوم بإحياء ذكرى شهادة الإمام الحسين بن علي رضي الله عنهما في العاشر من شهر محرم عام 61هـ ، وتبدأ بعقد المآتم من طلوع هلال محرم كل عام ، وتعيش الشهر بكامله في حزن وبكاء ، فكان هذا الشهر معظما من خلال ذلك ، وكان ناس في الجاهلية يصومون يوم عاشوراء فقد جاء في الحديث عن عائشة رضي الله عنها قالت : ” كان يوم عاشوراء يوماً تصومه قريش في الجاهلية ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصومه ، فلما قدم المدينة صامه وأمر الناس بصيامه ، فلما فرض رمضان ، قال : من شاء صامه ومن شاء تركه ” . ( صحيح البخاري )

ولا ريب فإن شهر محرم الحرام عندما يذكرنا بقصة الهجرة التاريخية لكونه أساساً لمبدأ العام الهجري الجديد على مدار الأيام والليالي ، وحينما يبعث فينا الروعة بذكرى مِنَح الهجرة التاريخية على الإنسانية جمعاء ، ويعيد إلى ذاكرتنا تلك الظروف الصعبة المخيفة التي عاشها النبي صلى الله عليه وسلم في الغار ، وبعث الوحي الإلهي في نفسه الهدوء والطمأنينة والثقة بنصر السماء في سبيل التغلب على جميع تلك الأوضاع القاسية ( لاَ تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا ) ، هنالك يذكرنا ويسجل في ذاكرة التاريخ الإنساني قصة اتصال السماء بالأرض ، وصدق وعد الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم بإحداث ثورة عالمية ضد طواغيت الكفر والوثنية ونجاح رسالة التوحيد ضد الشرك وعبادة الأصنام والأوثان .

كذلك يحمل هذا الشهر الجليل في طيه أحداثاً مؤلمةً وذكريات حزينة ضمن معركة كربلاء وشهادة حبيب رسول الله صلى الله عليه وسلم أبي عبد الله الحسين بن علي رضي الله عنهما ، وهي تتطلب منا أن نستوحي منها دروساً وعبراً ، ولا ننسى أن للشيطان جولة وصولة مع كل شخص ، وهو يتربص بنا الدوائر في كل حين وآن ، ولا يقصر في انتزاع أغلى ما يتمتع به المسلم في حياته من جوهرة الإيمان والإخلاص والطاعة لله والرسول عليه ألف ألف تحية وسلام ( وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً   عَظِيماً ) .

كما أن هذا الشهر الجليل يطالب منا أن نتذكر الأحداث التي وقعت ومرت بسيد الشهداء رضي الله عنه ، والتي تحتم علينا أن لا نألو جهداً في الدعاء والاستغفار والترحم له ، وأن نكون على حذر كامل من كل بدعة أو سيئة دخلت في مجتمعات المسلمين في هذه المناسبة .

فما أغفل الإنسان الذي يحتفل بميلاد عام جديد ، ويتفنن في إبداء الفرح والسرور بالمناسبة ، ويتناسى أنه نقص من عمره عاماً كاملاً ، وخسر في أخذ الإعدادات اللازمة لتحسين أعماله وتقديم إنجازاته الإنسانية في مستقبل أيامه ، نعمة العمر التي مضت لمدة 360/ يوماً ، وقد قال الله تعالى : ( وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ ) .

والله يقول الحق وهو يهدي السبيل .

سعيد الأعظمي الندوي

24/12/1439هـ

5/9/2018م