شجرة إيمانية ، لا شرقية – ولا غربية !

دعوني أتعلم في مدرسة الصيام !
يوليو 5, 2017

شجرة إيمانية ، لا شرقية – ولا غربية !

من المقرر المعلوم أن الله سبحانه وتعالى أودع في الإنسان كل نوع من الطاقات التي تميزه عن كل خلق آخر ، وتمنحه ميزة التكريم والتصنيع ، والوعي العلمي والعقلي ، وهو بذلك حقيق للقيام بتنظيم الحياة والمجتمع على هذه الكرة الأرضية على اختلاف البقاع والتقاليد وافتراق الأجواء والعادات والشعوب والقبائل ، ومن هنالك كانت المسئولية التي يتولاها من خلال الطبيعة البشرية إنما هي في غاية من الضخامة والدقة الفائقة ، وبذاك هو مسئول عن أداء هذه الأمانة أمام ربه وضميره والكون والإنسان جميعاً ، وكانت هذه الأمانة العظيمة قد عُرضت على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها خشية أن يفشلن في أدائها ، ولكن الإنسان الذي أكرمه الله تعالى بالعلم والعقل إنما حملها بتوفيق من ربه الكريم الذي رفع قدره وفضله على جميع الخلق وشرفه بالعلوم والأفكار وفق المقتضيات التي أرادها منه ، جاء هذا المعنى في آخر سورة الأحزاب حيث قال تعالى : ( إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً ) .

وأشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا المعنى في حديثه الشريف المروي في جميع دواوين السنة فقال : ( كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ، فَالْإِمَامُ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا فِي بَيْتِ زَوْجِهَا ، وَالْخَادِمُ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ مَالِ سَيِّدِهِ ، فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ) .

كيف رفع الله سبحانه مكانة الإنسان في هذا العالم البشري الذي ليس إلا أثراً صغيراً من آثار لفظ ” كن ” ، بل وليس إلا إشراقاً ” من حرف الكاف ” في هذا اللفظ ، وهل يمكن عقول العالم كلها إذا اجتمعت في مكان واحد وتركزت في مركز واحد ثم حاولت إدراك قدرة الله تعالى الواسعة الهائلة ، لَما توصلت إلى ذرة منها ، ولم تتمكن من أقل معرفة لما يملكه الله تعالى من القدرة الكبيرة على كل شيئ ظاهر أو خفي صغير أو كبير ، من غير تقيد بزمان أو مكان فردي أو جماعي ، وقد وصف الله تعالى نفسه فقال : ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ ) .

فما من شيئ في الأرض أو في السماء أو في جزء من الكائنات إلا وهو خاضع أمام قدرة الله الواسعة التي لا حد لها ولا نهاية ، وفي كل ذلك آية تؤشر إلى عظيم قدرته ، وتوفر دلائل على علمه وكبريائه ووحدانيته ، لأولئك الذين يتمتعون بالعقل السليم والقلب المنير ، وسماهم الله سبحانه بأولي الألباب ” ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ رَبَّنَآ مَا خَلَقْتَ هٰذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ” .

كأن الله سبحانه قد عيّن لنا مقياساً للتوصل إلى معرفته والشعور بعظمته وجلاله ، وصرح بنفسه فقال : ” تَبَارَكَ ٱلَّذِى بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ” وقال : ” هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِى لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ هُوَ ٱلرَّحْمَـٰنُ ٱلرَّحِيمُ . هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِى لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْمَلِكُ ٱلْقُدُّوسُ ٱلسَّلاَمُ ٱلْمُؤْمِنُ ٱلْمُهَيْمِنُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْجَبَّارُ ٱلْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ . هُوَ ٱللَّهُ ٱلْخَالِقُ ٱلْبَارِئُ ٱلْمُصَوِّرُ لَهُ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِى ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ” .

وإن مجرد تفكير في ذات الله تعالى وصفاته يفتح لنا الطريق نحو معرفة حقائق الكون والإنسان قدر المستطاع ، ويمهد الطريق إلى أن يدرس الإنسان سرّ وجوده في هذه الكائنات ويعرف دوره في الإسهام في بناء العالم البشري على تلك القاعدة الصلبة التي عبَّر عنها لسان النبوة بالتوحيد والرسالة وأركانها الأربعة في الحديث النبوي الشريف الذي يقوم عليه صرح هذا الدين الأخير ، وذلك ما جاء على لسان النبي صلى الله عليه وسلم بوحي من ربه : ” بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ : شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ، وَالحَجِّ ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ ” .

على هذه القاعدة يقوم الدين الذي اختاره الله سبحانه ، وهي تتفق وطبيعة الإنسان من غير تغيير وبصورة مستقلة دائمة ، ولقد عاش الرعيل الأول من المسلمين مع طبيعة الدين فخططوا طريق الحياة في هذه الدنيا مع جميع المخلوقات والكائنات ، وحلوا محل الأستاذية للعالم  كله ، وقد بينوا الحق من الباطل ، وميزوا بين الطاعة والمعصية بتمثيل النماذج العملية وتوثيق صلاتهم بالله تعالى وبالعمل بما أمر الله به والامتناع عما نهى الله عنه ، فخلع الله سبحانه عليهم لقب خير أمة لم يسبق لها نظير في أي أمة أو ديانة ، أو مدنية ، أو فلسفة اجتماعية ، وثبت على جبين هذه الأمة لوحة خير أمة أخرجت للناس جميعاً إلى يوم الدين فقال :  ( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ      بِٱللَّهِ ) ، وقد شرحه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : ” والذي نفسي بيده لتأمُرنّ بالمعروف ولتنهوُنّ عن المنكر أو ليوشكنّ الله أن يبعث عليكم عقاباً منه، ثم تدعونه فلا يستجاب لكم ” ، كأن النبي صلى الله عليه وسلم قام بتأكيد هذه الأمة أنها إذا ضعفت في أداء وظيفها أو أصيبت بخور أو يأس فإنها تفقد مكانتها التي أكرمها الله تعالى بها ، مكانة خير الأمة ، وقد تكون أمة لا قيمة لها ، وتقع فريسة العطل والاستكانة .

واقع الأمة اليوم ليس عن خرص أو قياس ، إنما فقدت تميزاتها وابتعدت عن خصائصها الأصيلة التي طبعت عليها منذ أول يومها ، فبينما كانت تفسر كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بحياتها العملية وأعمالها النموذجية ، وكانت موضع غبطة واحترام لدى الناس جميعاً ، أصبحت اليوم فريسة الزيغ والانحرافية وذات تقليد للآخرين الذين يعبث بهم العابثون من الناس فيتأثرون بانحرافاتهم وأضاليلهم ، بل الواقع أنهم يعجبون بهم في كثير من أعمالهم ونشاطاتهم التي تبعدهم عن الدين ، وتجرفهم في تيار الذلة والضلال ( يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَٱللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَافِرُونَ ) .

ألم يروا أن الله تعالى أنزل لعباده المسلمين وغيرهم وللإنسانية جمعاء إلى آخر يوم الدين دستوراً محكماً وخالداً وباقياً ، وفيه كل ما يحتاج إليه الإنسان من علاقاته بعالم الأرض والسماء ، وهو يشرح إيجابيات الحياة وسلبياتها وما يحبه الله تعالى من عباده وما يبغضه    منهم ، بغاية من التفصيل والوضوح ، وذلك في ضمن بيان للأمم البائدة والأنبياء السابقين وأقوامهم ، فكانت سيرة النبي صلى الله عليه وسلم مثالاً عملياً لهذه الأمة باختلاف الأزمنة والأمكنة والشعوب والقبائل ، ومع اختلاف البلدان والبقاع والأوطان ، فلم يكن هناك عذر لأي فرد أو جماعة من الناس فيما لم يتيسر لهم العمل بأوامر الله تعالى ، ذاك أن طبيعة الدين متناسقة مع الطبيعة البشرية من غير اختلاف أو تمييز ، بل الواقع أن الطبائع تتغير ، والتصورات والأفكار تختلف وتتعارض ، فيحدث بذلك فساد في كثير من أساليب الحياة السليمة ، وقد يؤدي ذلك إلى نزاع أو صدام في بعض الأحيان .

إن نظرة واحدة على ما حدث من مخالفات ومنازعات في تاريخ الإنسان القديم والحديث إنما هي نتيجة الصراع بين الإيجابيات والسلبيات في الحياة والمجتمع ، ولم تكن حروب الأمم والأقوام المنصرمة في التاريخ إلا من نتاج الفكر السلبي وعاقبة الكبر والغرور ، وما يوم حليمة بسرّ ! وقد شهد العالم البشري في القرون المنصرمة حروباً داميةً سببت خراب العالم والبشرية ، وكانت نتيجة الفكر السلبي والغرور والخداع  والصلف .

أما الإسلام فإنه يحارب الكفر والشرك ، بعد ما يدعو الناس إلى الدين الحنيف ويذكر دور الإنسان في بناء العالم ، فإن رفضوا وأصروا على محاربة طبيعة الإيمان وإنكار حقيقة الدين وألحوا على الزيغ والفساد في الأرض ، فإنه – لكي يردهم إلى منصبهم الحقيقي ومركزهم الطبيعي – يحاربهم ويعيدهم إلى الحقائق الإيجابية وإلى بقائهم على طريق الإنسانية السليمة ، وتنفرهم عن جميع السلبيات والأمراض الخلقية والرذائل النفسية والسيئات ، ويعلن الله سبحانه مدوياً مجلجلاً لعباده المؤمنين : ( نَحْنُ أَوْلِيَآؤُكُمْ فِى ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَفِى ٱلآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِيۤ أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ . نُزُلاً مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ ) .

إننا أمة محمد صلى الله عليه وسلم بأمس حاجة إلى تثمين الإيجابيات التي لا تحلو الحياة بدونها ولا تثمر شجرة الإيمان بثمار يانعة بغير ذلك ، ولا شك أن نفي الباطل وإثبات الحق من أساس الدين ، وبذلك يتوضح الحق المبين الذي لا يستغني عنه الناس في اي زمان ومكان ، ولا سيما إذا كان للباطل غلبة وازدهار في الحضارات المادية التي أوغلت في إفساد الحياة في الدول والحكومات ، وظل الإنسان المؤمن والجماعات الداعية إلى دين الحق في تهميش وتجنيب ، والناس يلتفون حول لمعان الحضارات الزائلة والفلسفات الزائفة ، ومن خلال هذه الانحرافات التي يتعمدها زعماء الإرهاب والتطرفات البشعة في العالم اليوم ، لقد حدثت أمس يوم الجمعة 28/ رمضان 1438هـ محاولة إرهابية استهدفت الحرم المكي الشريف والكعبة المشرفة من مكان قريب من الحرم الشريف ، ولكن الله سبحانه أحبط عملية المتآمرين التي أرادوا بها خرق حرمة البيت العتيق والإصابة بالمعتمرين والاستيلاء على الأمن والاستقرار بالحرم المكي الشريف وفي أمكنة متعددة من بلد الله الحرام .

وقد أعربت دول العالم الإسلامي وغيره عن إدانتها واستنكارها الشديدين لهذه المحاولة الإجرامية التي فشلت بأمر من الله تعالى ورحمة منه ، ( ويمكن أن نطلع على بعض التفاصيل في الصفحات الأخيرة لهذا العدد ) .

فما أحوجنا اليوم إلى عرض الذهب الخالص اللماع من حقيقة الدين ، إلى هذا العالم المادي الذي لا يكاد يميز بين الإبريز الخالص والحديد المزخرف بماء لماع تقليدي زائف ، وليس إزاء ذلك إلا الأسف البالغ والحزن الشديد .

فإلى إيجابيات الإيمان والعقيدة وإلى نور الكتاب والسنة ، لا إلى سلبيات اللمعانات الكاذبة والزخارف الخادعة ، والأعمال الإجرامية .

( ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ٱلْمِصْبَاحُ فِى زُجَاجَةٍ ٱلزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيۤءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ يَهْدِى ٱللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ ) .

( والله يقول الحق وهو يهدي السبيل ) .

سعيد الأعظمي الندوي

29/9/1438 هـ

25/6/2017 م