دعوني أتعلم في مدرسة الصيام !

إعدادات هائلة للقضاء على الأمة !
يونيو 1, 2017
شجرة إيمانية ، لا شرقية – ولا غربية !
أغسطس 5, 2017

دعوني أتعلم في مدرسة الصيام !

كان الصيام فريضةً على أتباع الديانات السابقة ثلاثة أيام من كل شهر ويوم عاشوراء ، كما كان موضع عناية في بعض المجتمعات البشرية التي سبقت الإسلام ، نتيجة شعور بأوهام وأحلام ، وكان الصائم يؤدي نذوره دفعاً للأخطار المزعومة بواسطة الصوم متمكناً من عدد أيامه ومتخيراً ، من غير تقييد بالوقت والزمان ، فلما جاء الإسلام فرضه لمدة شهر كامل وفق التقويم الإسلامي بين شهري شعبان وشوال ، وجعله ركناً مهماً من أركان الإسلام الأربعة ، بعد شهادة التوحيد والرسالة ، وأكده بالنص القطعي الذي تحويه سورة البقرة في الآية 185  ( شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ ٱلْهُدَىٰ وَٱلْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ) ، والصيام أحد أركان بناء الإسلام ، أكده رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعلن عن بنيته التحتية التي هي قاعدتها الأصيلة ، ألا وهي الشهادة بالوحدانية والرسالة ، والصيام ركنها الثالث الثابت الذي ليس فيه تحويل ولا تخفيف كما كان أصحاب بعض الديانات السابقة يفعلون حسب أهوائهم وأغراضهم .

جاء في الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ” بني الإسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والحج وصوم رمضان ” .

الصيام وإن كان معروفاً لدى أصحاب الديانات وفي المجموعات البشرية للحد على الرغبات والشهوات وبناء السد على متطلبات النفس الأمارة بالسوء ، ولكنه كان علاجاً للأمراض الخلقية والأعراض الشريرة التي تحول دون التوصل إلى الغاية الأسمى التي أرادها الله سبحانه من خلق الجن والإنس ، فقال : ( وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ . مَآ أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَآ أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ . إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلرَّزَّاقُ ذُو ٱلْقُوَّةِ ٱلْمَتِينُ ) .

وللصيام دور كبير في صيانة الاتزان بين جوانب الحياة المختلفة فلا تطغى نفسية الشر على طبيعة الخير ، فيكون من السهل جداً أن يعيش المرء في وضع الاعتدال في الشئون كلها مادية كانت أم معنوية ، ويذوق لذة الجوع والعطش رغم الثراء والغنى ، ويتأكد بأن الله سبحانه إنما هو المعطي والمانع ، وليس له خيار في التصرف فيما يملكه ما لم يأذن به الله سبحانه وتعالى ، وبذلك تتعمق جذور الإيمان في قلبه ويمتزج اليقين بقدرة الله واتساعها بلحمه ودمه ، كأن هذا الشهر الصيامي فترة تدريب للأمة الإسلامية على أداء واجبها بأحسن طريق ، ومرحلة حاسمة لشحن بطارية الإيمان بالقوة والحرارة والإخلاص والثقة بوعد الله سبحانه وتعالى ، وذلك أمر مهم إلى أقصى درجة في عالمنا المعاصر الذي تعيشه الأمة وهي بالغة في ضعفها وانحطاطها وتجردها عن طاقة الإيمان بالله تعالى وطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وفي عجزها عن الخضوع أمام الأوامر والنواهي مع الالتزام بآداب الحياة وفضائلها التي تساعد في عرض نموذج كامل لحياة الإنسان المسلم ، بالغة في كل ذلك إلى آخر حد من الانحطاط .

ولكن مدرسة الصيام تعلم المرء أسلوب العيش بروح التكامل الاجتماعي في المجتمعات التي تستند إلى منهج كامل للدروس الإنسانية من غير تمييز بين الأفراد والجماعات ، وما هي إلا درس العقيدة والإيمان بالله والرسول صلى الله عليه وسلم ، ودرس الخضوع أمام القوة الخلاقة والسير على درب الحياة بالحب والمساواة والثقة الكاملة بأن الإنسان رغم جميع ما يملكه من وسائل الحكم والمال والغلبة ولكنه لا يستغني عن مد يده لطلب العون إلى ربه تبارك وتعالى والاستعانة منه في كثير من الأوقات ، ويرى نفسه عاجزاً عن الوصول إلى كل ما يحتاج إليه من الرزق الذي يأتي إليه من الرزاق ذي القوة المتين ، فقد يتوافر لديه ما يقويه ويعززه بالطاقة المطلوبة ولكنه لا يجد إلى ذلك سبيلاً ( يَا أَيُّهَا ٱلإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ . ٱلَّذِى خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ . فِيۤ أَىِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ ) .

فطوبى لمن دخل عليه شهر الصيام وانتهز لمحاته المباركة للتوصل إلى الله تعالى مباشراً والمناجاة معه والالتجاء إليه ، حتى توجهت رحمة الله إليه فأصبح في كنفه وعاش مع الله تعالى ، ووجد في نفسه طمأنينة الذكر والعبادة ونعمة العز والسعادة ، واستبشر بالمغفرة وصفاء قلبه كالمرآة النيرة ، ولقد جاء في كتب السنة ودواوينه الصحاح ما معناه أن الرجل المسلم الذي دخل عليه رمضان وانتهى ثم لم يُغفر له ، فهو كالميت والهالك ، وظل على ما كان عليه من التلوث المعيب ولم يستفد من المناداة التي أعلن عنها مناد من السماء مع دخول الشهر الفضيل فقال : ” يا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر اقصر “، وجاء فيما رواه البخاري وأكثر كتب الحديث الصحيحة ( عن كعب بن عجرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أحضروا المنبر فحضرنا ، فلما ارتقى درجة قال : آمين ، فلما ارتقى الدرجة الثانية قال : آمين ، فلما الدرجة الثالثة قال : آمين ، فلما نزل قلنا : يا رسول الله لقد سمعنا منك اليوم شيئاً ما كنا نسمعه ، قال : إن جبرئيل عرض لي فقال : بعد من أدرك رمضان فلم يُغفر له ، قلت : آمين ، فلما رقيت الثانية قال : بعد من ذُكرت عنده فلم يصل عليك  فقلت : آمين ، فلما رقيت الثالثة قال : بعد من أدرك أبويه الكبر أو أحدهما فلم يدخلاه الجنة ،  قلت : آمين ) .

إنها أمور ثلاثة ذات أهمية قصوى أمر الله سبحانه وتعالى ببلاغها إلى أمة محمد صلى الله عليه وسلم لكي لا يكون هناك نقص في حياة الإنسان المسلم من خلال جائزة الرحمة والمغفرة من الله تعالى التي يوزعها في مدرسة الصيام يوم نهايته ، وجائزة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم كلما ذُكر اسمه ، وجائزة الدعاء للأبوين وقضاء حوائجهما وخدمتهما أيام الشيخوخة والكبر لأحدهما أو كليهما ، فإذا تأملنا تبين لنا أن هذه الجوانب المهمة من كوامل الإيمان وشروط المثالية التي تتحلى بها حياة المسلم ، وفيها ما يحل الدرجة الأولى إنما هي في الصيام في شهر رمضان ، وهي مغفرة الذنوب التي طالما يرتكبها المرء المسلم بشعور أو من غير شعور ، وكذلك الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام من أهم المهمات من قبيل أداء الشكر على نعمة الإسلام والإيمان التي أدركها من طريق رسولنا العظيم صلى الله عليه وسلم ومن خلال تحمله المشاق التي قلما يحملها الجبال ، ( وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّى غَنِيٌّ     كَرِيمٌ ) ، أما خدمة الوالدين والخضوع أمامهما لأداء واجب الشكر ، فإن مدرسة الصيام يمهد لنا الطريق للتوصل إلى رضا الوالدين وشكر النعمة التي أنعم الله سبحانه بهما عليه ضمن الدعوات التي يدعو بها ربه تعالى في جوف ليالي هذا الشهر الكريم .

إن المتأمل في منهج هذه المدرسة الشهرية التي تقام لمدة شهر واحد في كل عام ليجد أنها تمهد الطريق إلى الاتصال بالله اتصالاً مباشراً وثيقاً لا يحول دونه شيئ من مهمات الحياة رغم أن طلاب مدرسة الصيام لا يجتمعون على مائدة الأكل والشرب طول النهار بدءاً من الفجر إلى غروب الشمس ، ولكنهم يتقوون على العبادة والإنابة والذكر والدعاء والإنابة وتلاوة كتاب الله تعالى والتأمل في معاني الآيات ومفاهيمه ، إنهم يوفقون لكل ذلك من خلال القوة التي توفرها لهم مدرسة الصيام ، وطالما تبتدئ هذه المدرسة في أيام القيظ والحر والصيف ، وقد يصعب على النفس أن تعيش بدون كمية من الأكل والشرب ، ولكنها لا تكل ولا تسأم ، وإنما تلمس قوة ومناعة ، وترفض كل ما يتمثل أمامه من نقاهة وأثر من عدم الصبر على الجوع والعطش ، فور ما يتفكر فيما جاء في أول خطبة للرسول صلى الله عليه وسلم ألقاها في آخر يوم من شعبان ، وتضمنت بشارات عظيمة ، ( يا أيها الناس قد أظلكم شهر عظيم مبارك، شهر فيه ليلة خير من ألف شهر ، شهر جعل الله صيامه فريضة وقيام ليله تَطَوُّعًا ، من تَقرب فيه بخصلة كان كمن أدى فريضة فيما سواه ، ومن أدى فريضة فيه ، كان كمن أدى سبعين فيما سواه ، وهو شهر الصبر ، والصبر ثوابه الجنة ، وشهر المواساة ، وشهر يزاد في رزق فيه ، من فطر فيه صائمًا كان مغفرةً لذنوبه ، وعتقَ رقبته من النار ، وكان له مثل أجره من غير أن يُنقص من أجره شيءٌ ) .

هذه هي المدرسة التي يتنافس فيها طلابها في صالح الأعمال والبر والإحسان ( فإن الله تعالى ينظر إلى تنافسكم ويباهي بكم ملائكته ، فأروا الله من أنفسكم خيراً ) وهل يمكن أن يتقدم الإنسان بأحسن أعماله إلى الله تبارك وتعالى من أن ينجز العمل بروح من السباق ، فيتسابق غيره في تحسين عمله وشحنه بالإخلاص لله تعالى ، والواقع الذي لا ينال رفضاً أو إنكاراً أن نسبة الإخلاص والورع تتوافر في الصيام ما لا يوجد في الأيام الآخر ، بل الواقع أن الصيام عبادة تخلو من الرياء والتظاهر بالفخر والمباهاة بالكلية ، ولذلك قال الله تعالى في الحديث القدسي : ( الصيام لي وأنا أجزي به ) .

هذه هي المدرسة الوحيدة التي تزكي النفوس من الأخلاق والأخلاط الرذيلة وتستمر في تطهير حياة الصائم إلى مدة شهر كامل ، وهي مدة تكفي لاقتلاع الجرثومة الفاسدة التي تسربت إلى النفس من غير شعور ، ومن خلال الغفلة التي يعيشها جمع من الناس ، فإذا بها تقوم بتزكية القلوب وتطهير الحياة من الأفكار والأخلاط الفاسدة ، وقد قامت هذه المدرسة بسدّ مسالك الأهواء المغرضة ومنعها عن الدخول إلى النفوس البشرية ، مثل ما يُرى اليوم من آثار الفساد المنوعة التي تعمل في هدم كيان الحياة الاجتماعية والدينية من التخويف والتهديد والإرهاب وما أشبه ذلك .

وفي هذا الشهر أنزل القرآن ( هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ ٱلْهُدَىٰ      وَٱلْفُرْقَانِ ) ، إن الله سبحانه وتعالى يمدح شهر الصيام حيث إنه اختار هذا الشهر من بين الشهور الأخرى لإنزال القرآن الكريم واختصه بالقرآن ، وقد ورد في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن شهر الصيام هذا هو الشهر الذي كانت تنزل فيه الكتب الإلهية على الأنبياء ، فأنزلت التوراة لست مضين من رمضان ، والإنجيل لثلاث عشرة خلت من    رمضان ، وأنزل الله تعالى القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان ( رواه أحمد ) .

وكذلك تتضاعف الأجور للأعمال التي ينجزها الصائم في هذا الشهر ، الذي أوله رحمة ، وأوسطه مغفرة ، وآخره عتق من النار .

هذا غيض من فيض شهر الصيام ، مما جاء في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فهو بحر لا ساحل له ولكننا ما أردنا إلا الإشارة فحسب لكل من يريد أن يلتحق بهذه المدرسة الربانية .

( والله يقول الحق وهو يهدي السبيل ) .

سعيد الأعظمي الندوي

16/8/1438 هـ

14/5/2017 م