جيل الشباب ، بين السلب والإيجاب

ميزة المحرم ، قبل الإسلام وبعده !
أكتوبر 8, 2018
أمة الكلمة بحاجة إلى وحدة الكلمة !
يناير 5, 2019

جيل الشباب ، بين السلب والإيجاب

جيل الشباب ، بين السلب والإيجاب !

ظل جيل الشباب منذ عهد التاريخ الأول مركز آمال الأمة إلى إيجابية الحياة ، وبناء المستقبل السعيد اللامع للمجتمع البشري ، ومن ثم كان التركيز على تربيته الأساسية في المجتمعات والعائلات على جميع المستويات ، وأقيمت له مراكز التعليم والتربية في كل مكان ووضعت المناهج العملية والبرامج التربوية لتنشئة الشباب والمراهقين على خلال السلوكيات الجميلة والأخلاق الفاضلة باعتباره الحجر الأساسي في بناء صرح العز والسعادة للعالم البشري .

وقد أولت الأسرة الإنسانية العالمية اهتماماً بالغاً لتحقيق هذا الغرض فتخرج الشباب من هذه المدرسة التربوية وتهيأ للخوض في معركة الحياة ، وأخذ لذلك إعدادات لازمةً ، بعثت فيه روح الثقة والقوة والتعاون على الخير ، والطموح لصناعة المعجزات ، مهما كلّف ذلك كل ما يملكه من النفس والمال ، فرُزق همة وشجاعة بتوفيق الله سبحانه وتمكن من تحقيق مهارات كبيرة في مجال العمل الدائب والجهد المتواصل وفي تسجيل قصص البطولات الرائعة وفتح العباد والبلاد وإنشاء الدول والحكومات ، فهذه هي جماعة من الشباب ممن سجلوا على صفحات التاريخ البشري من روائع قصص الشجاعة والبسالة ما حيّر الألباب ، والتاريخ البشري حافل بأمثلة من الفتيان ذوي الطموح والرؤية السليمة البعيدة النقية ، صنعوا التاريخ وغيروا مجرى الحياة ومنحوا العالم البشري هديةً غاليةً من الحضارة الشاملة وجدارة المقاومة في مجال الصراع الحضاري ، حتى أنقذوه من براثن الانتهازية والأثرة البغيضة ومن قطع الطريق على القائمين لصيانة الأمانة التي حملها الإنسان ، وكثير من الجنايات التي كانت تعاني منها البشرية على وجه الأرض ، وهم شباب الإيمان الراسخ بالله تعالى والاهتداء الكامل إلى منهج الحق والهدى ، الذي تكفل ببقائه على الوسطية الإيمانية وصانه من التجاوز عن القصد ، والانحراف عن الاعتدال الذي أراده الله سبحانه لعباده  المخلصين ، وذلك ما دعا به الصالحون من عباده وقالوا : ” رَبَّنَآ آتِنَا فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِى ٱلآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ ” ، فاستقاموا على الطريق العادل وقدموا مثالاً لأمة وسط ، ( وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ) .

أولئك هم الشباب الذين كانوا ضالة الإنسان في كل مكان ، ومنذ أن خلق الله سبحانه آدم وذريته وعمر بهم العالم البشري ، وكانوا بغية الأنبياء والرسل في عصورهم لكي يحملوا رسالة السماء إلى أهل الأرض ، كل في عهده ، ومن ثم كان الشباب والفتيان في مقدمة الصفوف ونالوا من رسالات السماء ما كانوا يحتاجون إليه من سعادة الحياة وحسنة الآخرة ، يقول الله سبحانه في سورة الكهف وهو يتحدث عن فتية الإيمان والهدى ممن كانوا صادقين أقوياء القلوب ولم يمنعهم أي مانع من مخاوف الكفر والشيطان أن ينادوا بكل شجاعة وقوة ويعلنوا بأعلى صوت ( رَبُّنَا رَبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ لَن نَّدْعُوَاْ مِن دُونِهِ إِلـٰهاً لَّقَدْ قُلْنَا إِذاً  شَطَطاً ) ، وقال الله عز وجل في كتابه عن سيدنا إبراهيم عليه السلام :    ( قَالُواْ سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ ) .

وقد وُجد هذا النوع من الشباب المؤمن في كل زمان ومكان ، عاش حياة الإيمان وصالح الأعمال والدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فرافقه نصر السماء حيثما حل ونزل ، وساعده التوفيق من الله تعالى ، بكل مناسبة وفي كل حال ، ولذلك فإن شباب هذا النوع اعتزوا بدينهم وشريعتهم ، ونادوا ببناء مستقبلهم الإيماني المشرق اللامع ، وتغنّوا بذلك في أقوالهم وأشادوا به في أعمالهم ، وقد سمع الناس وسمعت الملائكة بما يعتزون به من نعمة الشباب وبناء صرح الإيمان والمجد والفخار :

نحن الشباب لنا الغد              ومــجــده المـخـلـد

الــديــن في قـــلـــوبـــنـا               والنور في عيوننا

والـــحـــق في يــمــيـننا               والغار في جبيننا

نحن الشباب لنا الغد              ومــجــده المـخـلـد

وأثنى عليهم كتاب الله تعالى قائلاً : ( إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُواْ بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى . وَرَبَطْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُواْ فَقَالُواْ رَبُّنَا رَبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ لَن نَّدْعُوَاْ مِن دُونِهِ إِلـٰهاً لَّقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً ) ، فكان دور الشباب في غاية من الأهمية إذ كان له أن يجمع بين رسوخ الإيمان والتزود بالهدى الإلهي ، وأن يكون رابط الجأش في دعوة الناس إلى رب السماوات والأرض ، وقوي العزيمة في إبلاغ رسالته إلى العالم ، ولذلك كان الأنبياء من الشباب ، منهم سيدنا يوسف وموسى عليهما السلام ، كما أن قادة جيوش رسولنا العظيم محمد صلى الله عليه وسلم كانوا من الشباب ، والذي حارب التتار واسمه قطز كان شاباً طموحاً ومن أشهر أقواله : ( من للإسلام إذا لم نكن نحن     الشباب ) .

هذا في جانب ، وهناك جانب آخر مضاد من نوع الشباب ، ذاك لأنهم لم يتلقوا عناية الأسرة ولا المربين والأساتذة فأحاطت بهم أعداؤهم من أهل الشر والفساد والكفر والظروف المعادية ، بأنواعها واختلاف أسمائها فلم يخطر ببالهم أي خطر من روح ” الهدفية ” ولا عرفوا قيمة الوقت والحياة واقتنعوا بالحرمان العلمي والخبرة المعرفية ، فإذا هم يقعون فريسة الانهيار الخلقي والممارسات الإجرامية من القتل والإبادة والجرائم الشنيعة مما لا يقترب إليه الوحوش والبهائم ويفر منه الضواري ، فهم يعيشون حياة الغفلة التي هي أضل من أي عملية وحشية حيوانية ، ولقد صرح كتاب الله بأمثال هؤلاء المنحرفين الضالين فقال : ( لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَآ أُوْلَـٰئِكَ كَٱلأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْغَافِلُونَ ) ، فكيف يستطيعون أن يفكروا في عمل بناء ، وكيف يعرفون دورهم في الحياة والمجتمع ، وكيف يميزون بين الخير والشر ، والفساد والصلاح ، فإذا قُدر لهم أن يعودوا إلى الوراء قليلاً ويعرفوا أهمية الوقت وقيمة الشباب والطموح ، فسوف لا يلبثون أن يفكروا في طرق المعاش فحسب ، وكسب المال بأي طريق ممكن .

وأشنع ما يعيشه نوع آخر من الشباب هو ترخيص حياتهم على أيدي تجار الجرائم الإنسانية ، والمبايعة على أيديهم على الامتثال الكامل لأوامرهم وإشاراتهم حول تنفيذها رغم كل الموانع والعوائق ، فهذا قتل شخص من غير أن تكون له جريمة ، وهنا جثة إنسانية مرمية في مزرعة بعيدة أو على شاطئ قناة ونهر ، وهناك اختطاف بنية صغيرة من بيت أبويها وفرض الفاحشة عليها إجبارياً وهي المسكينة تصيح وتبكي ولكن دون جدوى ، وما هي إلا مدة قليلة إذ هي تقع فريسة ظلم من المجرمين الوحوش فإذا شبعوا . . . قتلوها بتدمير أعضائها ورميها في مكان ما ، وكذلك حدثت هناك طريقة تُمهد للعدو المختفي الفائز على كراسي الحكم والأمر ، ولكنه يبقى وراء الستار ويستأجر قاتلاً يقتل الشاب فيُطفئ نار غيظه دون أن يطلع على هذا السر أحد ، وقد تقوم طائفة من أشباح الحكام بوضع برنامج لدحر حزب المعارضة فتخلق جواً من الإرهاب بواسطة أُجراء من الشباب المنحرفين ممن يبيعون الضمائر بثمن بخس دراهم معدودة ، وهم يُستخدمون لكل غرض إجرامي ، وتحقيق كل مؤامرة سرّية من غير خوف ولا همّ ، وقد شهد المجتمع المعاصر اليوم نوعاً عجيباً من استخدام الشباب الممارسين للجرائم الإنسانية أنهم يضربون أعضاء الجماعات التي تختلف عنهم في الدين والعقيدة من المسلمين بالعصي والأيدي حتى الموت ، وذلك ما يسمى بالعنف الهجومي يوماً ، وبالغوغائية الاغتيالية تارةً (Mob Lynching  ) ، كل ذلك يشير إلى استخدام قوى الشباب في أمور منكرة ، وهكذا تُستغل الطاقات الشبابية في أغراض حقيرة ومقاصد رذيلة ، يفعل ذلك من حُرم رحمة الإنسانية وعاش حيواناً ضارياً بل أضل منه ، وهبط إلى آخر المدى من البهيمية وإن كان يحمل صورة إنسان ( أُوْلَـٰئِكَ كَٱلأَنْعَامِ بَلْ هُمْ   أَضَلُّ ) .

ولا ريب فيما إذا كان المراد من الإنسان في قوله تعالى : ( إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً ) ، ذلك الذي يكون في مستهل حياته جديراً بحمل هذه الأمانة العظيمة ، وهو الإنسان الذي يكون في جيل الشباب الذي خضع أمام هذه المسئولية العملاقة وقال : ( بين أذني وعاتقي ) ، فأعانه الله تعالى على هذه الإجابة وقال له : ( أما إذا تحملت فسأعينك ) ، وأشار إلى أنه كان غرّاً قبل ما عرض عليه من غير تأخير .

إن فيه دلالة واضحة على أن ثقل هذه الأمانة الجليلة العظيمة الواسعة لا يتحمله إلا من يكون ذا قوة وشباب ، وهي أمانة الدين والأحكام والوفاء والشكر والخضوع لجميع أوامر الخالق وإنجازها بالعمل بها في ضوء الوحي الذي أنزله سبحانه على عباده المختارين من الأنبياء والرسل ، ولكن الذي يُؤسف له والذي يُبكي العيون دماً هو أن الإنسان تناسى اليوم هذه الأمانة التي رفع الله سبحانه بتفويضها إلى الإنسان مكانته في هذه الدنيا وجعله أفضل خلقه ، وادخر له في الآخرة من النعم والجوائز الغالية ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر .

وجاء في الحديث الصحيح : ” لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع ، عن عمره فيما أفناه ، وعن شبابه فيما أبلاه ، وعن ماله من أين اكتسب وفيما أنفقه ، وعن علمه ماذا عمل فيه ” . ( رواه  الترمذي ) .

وقال ابن عباس رضي الله عنهما : ما آتى الله عز وجل عبداً علماً إلا شاباً ، وقال : ( الخير كله في الشباب ) .

ويقول الله تعالى : ( وَقُلِ ٱعْمَلُواْ فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَٱلْمُؤْمِنُونَ ) .

والله يقول الحق وهو يهدي السبيل .

سعيد الأعظمي الندوي