الدين الكامل ، نعمة لا تساويها نعمة

ألم يأن للغرب أن يقتنع بالإسلام
مارس 3, 2018
قصة الإسراء والمعراج والمسجد الأقصى ، والقدس بين الأمس واليوم
يونيو 5, 2018

الدين الكامل ، نعمة لا تساويها نعمة

الدين الكامل ، نعمة لا تساويها نعمة !

إذا تساءلنا عن أعظم نعمة رُزق بها الإنسان في هذا العالم   البشري ، ما هي ؟! لكان الجواب من غير تلعثم إنما هي نعمة الإسلام التي أكرم الله سبحانه بها الإنسان ، وجعلها مفخرةً لا تعادلها عزة ولا كرامة ، ولا تضاهيها كنوز من ثروات العلوم والمعارف ولا الدراهم والدنانير ، لقد أعلن الله تعالى أن كمال الدين وإتمام نعمة الإسلام لبني آدم منة عظيمة ليست بعدها منة ولا نعمة من نعم هذه المعمورة في أي زمن أو فترة من التاريخ ، فإذا بدا من أفراد هذه الأمة استخفاف بهذه النعمة أو إهمال لها فإن الله سبحانه يستبدلها بشقاء أو نقمة من غير تأخير ، أو بإمهال يترقب خلال ذلك بالعودة إلى سابق حالهم ، وقد سجل التاريخ أمثلةً لكل طبقة من الناس تجرأت بكفران نعمة الله تعالى ، أو وضعها في غير محلها .

إن كفران نعمة الله تعالى وعدم الاهتمام بها في أي زمان ومكان أدى إلى أسوء النتائج على جميع المستويات سواءً على مستوى الأفراد ، ومستوى الشعوب ، ومستوى الدول والحكومات ، كما أن كثيراً من الأفراد والجماعات والشعوب والقبائل التي كانت تعيش في حرمان من هذه النعمة لمّا أدركت حقيقتها وتبنتها بالتعظيم والتقدير رفع الله سبحانه شأنها ، وأكرمها بالسيادة والقيادة ، وأعطاها زمام الحكم ومنصب الإمامة والهداية ، إنها سنة الله في الأرض منذ أن خلقها وبث فيها ذوي العقول من الخلق ، فهذا الملك الجبار العنيد حينما كفر نعمة الله ورفض أمره تعالى بالسجود لآدم طرده من السماء وسمّاه الشيطان الرجيم ، وغفر الله سبحانه لآدم عليه السلام ولكنه أنزله إلى الأرض لحكمة كبيرة كانت مقدرة ، فجعله أول نبي في الأرض يدعو إلى الله وينشر دينه بين الناس ، وبذلك أرسى قواعد الدعوة إلى الله تعالى عن طريقه وعلمه الأسماء كلها ثم عرضها على الملائكة وقال أنبئوني بها فاعتذروا وأبدوا عدم علمهم وقالوا ” لاَ عِلْمَ لَنَآ إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَآ إِنَّكَ أَنْتَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ ” .

ومن ثم فإن تقدير نعمة الله تعالى والعمل بمقتضاها طبيعة الشكر والعرفان ، وقد عمت هذه النعمة الكبرى في جميع طبقات الناس ، في طبقة الملوك والحكام وأصحاب القوى والطاقات والوسائل الكبيرة ، ولكنها لما طغت وبغت وتناست النعمة هلكت وبادت ولم يبق لها شيئ إلا ما أبقاه تعالى كعبرة للتاريخ البشري ، وكم من جماعات وشعوب ذات كرامات ووجاهات ، وغلبة ورهبة ، حينما استخفت نعمة الله تعالى عاقبها بالفناء والدمار بكامل ذكراها وتاريخها ، وأفناها بالذل والعار .

كما أن هناك أمماً ضعيفةً وأسراً خفية ، وجماعات وقبائل لا شأن لها ولا قيمة ، عاشت في خشوع وخضوع أمام كبرياء ربها والتجأت إليه في كل لحظة من الحزن والسرور وامتزج حبه في لحمها ودمها ، فإن الله تعالى رفع شأنها رغم صغرها وضعفها ، وقلة مالها ووسائلها ، وأعوانها وأنصارها ، وربما هي قامت بحل مشكلات اجتماعية عجز عن حلها أرباب القوة والجاه ، وأحياناً لعبت دوراً كبيراً في مجال الدعوة إلى الله ، والجهاد في سبيل الله ، إنها جماعة الضعفاء ولكنها تعيش في طاعة الله ورسوله وخشية الله تعالى وتقواه فيرافقها النجاح والفلاح في كل حين وآن ، ولدى كل حاجة وفي كل ساعة ( مَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ ٱللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَآئِزُون ) .

إن التاريخ البشري العام حافل من نماذج الشاكرين والغافلين من أول يومه ، وهو مستمر ما دام العالم الإنساني متجهاً نحو الغاية الأخيرة التي قررها الله سبحانه للكون ، ولا يسعى أي شخص أن يغطي الأمثال والأحداث كلها مما يتعلق بالشكر والخضوع والعبودية لله تعالى ، وبالكفر والكبر والتيه والغفلة والاستكبار ، وعواقب كل منها ونتائجها معلومة مشهودة .

أما ما نشاهده اليوم من بعض هذه النماذج في العالم كله وسيما في بلاد ودول المسلمين ومع المسلمين فهي ذات عبر ودروس ، وفيها شهادة على أن الغفلة إذا امتدت وبلغت إلى الاستغناء عن نعمة الإسلام أو إلى إهمال شأنها فإنها تأتي بنتائج وخيمة من تسول الأهواء وتسلط الأعداء على جميع وسائل العيش وتضايق جوانب البلاد وخيانة المرافق وتخاذل اسباب الحياة وأخيراً مفاجآت من القتل والفتك وشمول الفساد في جميع الأنحاء والمجتمعات ، وتدمير النفوس والبيوت والمعابد والمقدسات ، ومن الحصار ومنع جميع وسائل الحياة عن الوصول إلى أيدي الناس حتى يكونوا عالة يتكففون ، وفقراء يتسولون أو يموتون جوعاً وعطشاً في شقاء وبؤس ، فمن أحسن فلنفسه ومن أساء فعليها ، وما ربك بظلام للعبيد .

إن التبشير بكمال الدين تعبير عن تمام النعمة على الإنسان والكون وذلك بواسطة القانون السماوي الذي أنزله الله تعالى عن طريق خاتم الأنبياء والرسل محمد صلى الله عليه وسلم للناس جميعاً ، فليس هو موقتاً ولا متغيراً ولا قابلاً للنقص والزيادة وفق متطلبات الظروف والأهواء ومقتضيات المصالح والحاجات ، ولقد عاش المسلمون بتمام هذه النعمة وقاموا بأداء حقها بكل دقة وأمانة فأقاموا حكم السماء في الأرض ، ومثلوا خلافة دين الله تعالى في المجتمع ، وهزموا القوى الكبرى واستبدلوا الحكومات المادية القوية بالخلافة الإسلامية وزحزحوا عروش الجبابرة الظالمين وأنشأوا دولة الإسلام التي ارتفعت فيها كلمة الله ، ونفذت فيها شريعة الله بجميع أحكامها وشرائعها ، وأصبح فيها الخليفة مثل العامة يُواخذ إذا انحرف عن الطريق أو فاته نوع من العدل ، فإذا بفرد واحد من عامة الناس يذكّره بذلك ، وينبه فيه حكمة العدل  والقضاء ، وهناك يقبل الحاكم والخليفة إذا ما صدر منه خطأ ويشكر الرجل على ما أحسن إليه ، ويعيش طوال مدته في الحكم في خوف وخشية من الله تعالى ، ويعتبر نفسه خادماً فحسب ، ولم يخطر بباله إنه حاكم أو خليفة وهو أفضل من غيره ، بل كان هؤلاء الخلفاء يشعرون بمسئوليتهم كامل الشعور ، ويعتقدون أنهم في قاعة امتحان من الله  تعالى ، ويتمنون النجاح بالرد الصحيح على كل سؤال يُوجه إليهم ، فهم في سعادة دائمة من غير شك .

عالمنا اليوم غني بعدد سكانه ، وفيه عدد لا بأس به من الدول المسلمة التي تنتمي إلى المسلمين ممن يدينون بدين الإسلام ويمارسون في حياتهم شرائع الإسلام ويلتزمون بالواجبات والفرائض ويمثلون حياة اجتماعية وفق تعاليم الدين ، إلا أن طبقة من المسلمين فيها تعيش إسلاماً وراثياً وقلما يمثل الدين الكامل ويعتز بنعمة الإسلام ، وهذا ما يتوافر في كل بلد ومجتمع ، وبذلك يكون ذا صلة بالدين ويستحق من الناس جميعاً أن ينال حقوق الحب والاحترام ، ويتمتع من أهل الحكم بمراعاة دينية لدى كل حاجة ، ولكن الواقع الذي يُشاهد أن عدداً كبيراً من شبابنا وأفراد مجتمعنا لا يتصلون بالدين اتصالاً كاملاً عملياً ولا يرون بأساً فيما إذا فاتتهم عبادات أو أعمال مرضية عند الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ، ولعل هذا النوع من أفراد الأمة يتكاثر في مجال الحياة والمجتمع اليوم ، ومعلوم أن الله سبحانه لا يرضى بذلك إلا أنه يوفر فرصاً للعودة إلى الحياة الإسلامية المرضية عنده ، ويتيح لأمثال هذا النوع من الناس مناسبات للعمل المطلوب في شريعته ، وصبغ الحياة بالصبغة الإيمانية الثابتة .

فلما طال علينا الانحراف عن الدين الكامل ، ولم نتمكن من تقدير نعمة الله تعالى والاستعانة بها والاستفادة منها في ضوء تعاليم الكتاب والسنة وسيرة السلف الصالح ، عُوقبنا بطرق شتى ، وأخيراً بعقاب شامل يشمل كلاً من المخلصين الصالحين والمذنبين الظالمين والعصاة المجرمين ، وسُلط عليهم أقوام لا خلاق لهم ، وهم يذيقون الناس مرارة العقاب وشدة العذاب في عالمهم المادي بأشد أنواع النقمة والذلة التي تقشعر منها الجلود ( وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِّنَ ٱلْعَذَابِ ٱلأَدْنَىٰ دُونَ ٱلْعَذَابِ ٱلأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) .

وقد أعلن الله تعالى أنه أكمل الدين وأتم نعمته على الناس بكمال هذا الدين الذي ارتضاه ، وسمّاه الإسلام ، فلما تناسى الناس قيمة هذا الدين الكامل ونعمته التي أنزلها إليهم بواسطة تعاليم شريعة الإسلام ، وطووها في طوايا النسيان والإهمال ، أخذهم الله بأنواع مختلفة من السخط والغضب خلفت لنا عبرة وانطلقت ألسنتنا بالالتجاء والتضرع إلى الله تعالى : ( رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَٱعْفُ عَنَّا وَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلاَنَا فَٱنْصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ ) .

ولقد كانت نعمة ديننا الكامل نعمة كبرى خالدة ودائمة اغتبط بها أحبار اليهود والنصارى ، فقد جاء فيما رواه طارق بن شهاب ( رضي الله عنه ) قال : لما نزلت آية ( ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلأِسْلاَمَ   دِيناً ) جاء رجل من اليهود إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقال : إنكم يا أمير المؤمنين تقرأون في كتابكم آية لو نزلت علينا معشر اليهود لاتخذنا ذلك اليوم عيداً ، قال : وأي آية ؟ قال : ( ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلأِسْلاَمَ دِيناً ) ، فقال أمير المؤمنين : والله إني لأعلم اليوم الذي نزلت فيه على رسول الله صلى الله عليه وسلم والساعة التي نزلت فيها : عشية عرفة يوم جمعة .

ومن ثم نستطيع أن نتعرف أهمية هذه النعمة التي هي نعمة الدين الكامل الذي ارتضاه الله سبحانه للإنسان جميعاً والعالم البشري بكامله بصفة دائمة باقية إلى يوم الدين ، فماذا يكون مصيرنا بإهمال هذه النعمة العظيمة ، والغفلة عن الشريعة الإنسانية التي أودعها الله سبحانه في دينه الكامل ! وقد أكد فقال : ( إِنَّ الدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ ) .

والله يقول الحق وهو يهدي السبيل .

سعيد الأعظمي الندوي