إعدادات هائلة للقضاء على الأمة !

دور العلم والإيمان الوحيد في وجه الطغيان العنيد
أبريل 2, 2017
دعوني أتعلم في مدرسة الصيام !
يوليو 5, 2017

إعدادات هائلة للقضاء على الأمة !

مهما كان عدد المسلمين في الكرة الأرضية اليوم ألف وخمس مأة مليون ، وهم يتمتعون بنظام طبيعي سماوي وتشريع إلهي خالد ، إلا أن هذه الميزة العظيمة الفذة لا تنفعهم في أي شأن من شئونهم الفردية والجماعية ، ولا تطاوعهم في إسعاد حياتهم ما لم يسيروا على الخط الذي قرره الله سبحانه بصفة مستقلة لا يقبل أي تغيير أو تحوير في زمن من الأزمان ، ولذلك سماه الله سبحانه وتعالى بصيغة التأكيد صراطاً مستقيماً ليس فيه عوج ولا طرق فرعية ملتوية تتكفل بالوصول إلى   الغاية ، فكان لا بد من اتباع هذا الصراط المستقيم من غير تفكير في إدخال تحسينات من التوسعة والتبليط ، أو وضع معالم جديدة فيه .

والأمة الإسلامية بكاملها ملتزمة بالسير على هذا الصراط المستقيم الذي يضمن لها السلامة والأمن ، ويوفر لها كل ما تحتاج إليه من المواد اللازمة من غذاء روحي ومادي ، ومن وسائل الأمن والنصح والخير ، ذاك أن هذا الشارع الواسع ( Highway ) يجمع كل أفراد الأمة على هذا الصراط المستقيم لغرض واحد ، وغاية واحدة عظيمة لا يختلف فيها اثنان ، بل ويجتمع فيه كل فرد مع أخيه في السير على هذا الدرب من غير أي خلاف في الرؤى والوجهات والمطالب ، كأن الله سبحانه جعله رمزاً لوحدة الأمة التي تسير في جميع نشاطاتها وأحوالها وظروفها وفي جميع مسئولياتها على طريق واحد ، وما هو إلا ذلك الصراط المستقيم الواسع الذي يسع جميع أفراد الأمة ويجعلهم أمة واحدة تقوم بالبلاغ ودعوة الناس إلى رسالة الدين وتوحيد الله تعالى وعبادته والالتجاء إليه في جميع الأوضاع والظروف ( إِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَٱعْبُدُونِ ) .

هذا الواقع الحقيقي الذي لا يدركه أولئك الناس الذين اخترعوا طرائق شتى للعيش في هذه الدنيا ، وكان الحجر الأساسي لشوارعهم ومساراتهم أغراض نفسانية ومقاصد موقتة ينتهزونها لإرضاء الأهواء والشهوات بأسماء كثيرة جذابة ، فتارة باسم الديموقراطية التي تفرق بين الشعوب والجماعات وباسم الفيدرالية وباسم السياسة الخارجية والعلاقات الدبلوماسية التي تُستخدم للخيارات المتعددة وللهجوم على الدول الصغيرة بتهديدات من تغيير النظام أو تخويف الدول الكبيرة وتدميرها ، أو باسم مواجهة الإرهاب والقضاء عليه بكل حيلة ، وباسم تعزيز العلاقات بين الدول الصديقة ، وما إلى ذلك من أسماء ومصطلحات سياسية ، وهكذا وزع أهل السياسة الجنس البشري في قطاعات متعددة ، وركزوا جهودهم على ركيزة الأمة الإسلامية لإهمال شأنها الوحدوي والاستهزاء بعقيدة التوحيد ، والاتهام بشريعة الإسلام ، واعتبارها قصة مزعومة ليس لها وجود في العالم المعاصر البشري .

إن هؤلاء الجماعة المسكينة بذلت محاولات كثيرة لإضعاف الأمة المسلمة ، وإفقاد منزلتها الإنسانية التي أكرمت بالمنزلة العالية التي لا تساويها منزلة ، وهي أن الله تعالى سمّاها خير أمة أخرجت للناس ، فهل يمكن أن تكون هناك جماعة أرفع من هذه الأمة منزلةً ومسئوليةً ، تكون قد أخرجت لوضع الناس في منازلهم الصحيحة ، ولتعريفهم بما يعود عليهم من عمل الخير والنصح ، إنها الدعوة إلى دين الله الأخير ورسالة خاتم النبيين حول العيش بالعزة والكرامة في هذه الدنيا وبالنجاح والسعادة في الآخرة ، يقول الله سبحانه في التنزيل : ( وَلْتَكُنْ مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى ٱلْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ ) .

إن المتأمل في الأوضاع والظروف الحاضرة التي تسود اليوم على بلدان المسلمين وعلى العالم الإسلامي وحتى في دول الأقليات المسلمة ليتوصل إلى نتيجة أن المخططات العدائية ضد الوحدة الدينية والتضامن الإسلامي وضد طبيعة الدعوة إلى الله التي خلقت لها هذه الأمة ، والتي يتميز بها المسلم ويعتز بها ، نرى أن مخططات الأعداء تكاد تنجح في تمزيق هذه الوحدة وتحطيم ذلك التضامن الذي هو العلامة المتميزة لأمة الإسلام ، فإن الوسائل المادية القوية مستمرة في تشتيت شملها ، وإغراء القوى المادية وإشعال العصبيات الجنسية والدينية والعرقية ضدها ، وإن الدول المادية كلها مكبة على فرض الكراهية للإسلام ، وتخويف الناس منه في بناء المستقبل والسعادة للأجيال القادمة ، وهي تعتمد لتحقيق أغراضها السافلة على كل ما يتولى وصولها إلى غايتها المتوخاة ، وهم يمكرون بكل حيلة ووسيلة ضد المسلمين ممن هم قائمون بصيانة دين الله تعالى وترويجه إلى جميع جوانب الحياة وأنحاء المجتمع ، فليس هذا الكون خالياً من عباد الله المخلصين الصادقين من العلماء والدعاة والقادة ، وذوي الاهتمامات المخلصة لنشر كلمة الإسلام وتعاليمه ، وتعضيد القوى العاملة بأي طريق ، سواء بالتعليم والتربية أو بالإصلاح والتثقيف ، وبدراسة كتاب الله وشرح مفاهيمه وبتقليد سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بطريق عملي وصورة واقعية .

وقد صور الله تعالى الفئة المعادية ممن يتآمرون على دين الله تعالى ويصنعون هالات كاذبةً للصد عن سبيل الله تعالى ، ويحيكون مؤامرات ودسائس ضد العاملين في هذا المجال ، فقال تبارك وتعالى في محكم كتابه : ( وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ وَعِندَ ٱللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ ٱلْجِبَالُ ) .

إن هؤلاء الماكرين كانوا قد زعموا أن مكرهم الخفي والظاهر ليعوق الناس عن الدعوة إلى الله ويعوق الداخلين في دين الله تعالى ، ولكن الله تعالى أبى إلا أن يزول مكرهم ويفنى أمام قدرة الله تعالى ، مهما كانت تدابيرهم الخاطئة ومكرهم المضعّف بمثابة آلة صماء كبيرة تستطيع أن تؤثر على قلوب الناس وتزيحهم عن مكانتهم الطبيعية التي يتمكنون منها في الحياة ، لقد كان المكر بالغاً من التصميم والجدية إلى قوة تساوي القوى التي تزيح الجبال عن مكانتها ، ولعلها تعبير عن ضخامة مكرهم وإعدادات وسائل لازمة لإنجاح مكرهم وخديعتهم .

قال العلامة القرطبي في تفسير هذه الاية :

” قوله تعالى : ( وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ ) أي بالشرك بالله وتكذيب الرسل والمعاندة ، عن ابن عباس وغيره . ( وَعِندَ ٱللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ ٱلْجِبَالُ ) ” إن ” بمعنى ” ما ” أي ما كان مكرهم لتزول منه الجبال لضعفه ووهنه ” وإن ” بمعنى ” ما ” في القران في مواضع خمسة : أحدها هذا . الثاني – ( فَإِن كُنتَ فِى شَكٍّ مِّمَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ) ( يونس : 94 ) . الثالث –   ( لَوْ أَرَدْنَآ أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً لاَّتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّآ إِن كُنَّا ) ( الأنبياء : 17 ) أي ما كنا . الرابع – ( قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ ) ( الزخرف : 81 ) . الخامس – ( وَلَقَدْ مَكَّنَاهُمْ فِيمَآ إِن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ ) ( الأحقاف : 26 ) وقرأ الجماعة ” وإن كان ” بالنون . وقرأ عمرو بن علي وابن مسعود وأبيّ ” وإن كاد ” بالدال . والعامة على كسر اللام في ” لتزول ” على أنها لام الجحود وفتح اللام الثانية  نصباً . وقرأ ابن محيصن وابن جريج والكسائي ” لَتَزُولُ ” بفتح اللام الأولى على أنها لام الابتداء ورفع الثانية ” وإن ” مخفّفة من الثّقيلة ، ومعنى هذه القراءة استعظام مكرهم أي ولقد عظم مكرهم حتى كادت الجبال تزول منه .

( وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ ٱلْجِبَالُ ) . قال القشيري : وهذا جائز بتقدير خلق الحياة في الجبال . وذكر الماوردي عن ابن عباس : أن النّمرود بن كنعان بَنَى الصّرح في قرية الرسّ من سواد الكوفة ، وجعل طوله خمسة آلاف ذراع وخمسين ذراعاً ، وعرضه ثلاثة آلاف ذراع وخمسة وعشرين ذراعاً ، وصعد منه مع النّسور ، فلما علم أنه لا سبيل له إلى السماء اتخذه حصناً ، وجمع فيه أهله وولده ليتحصن فيه ، فأتى الله بنيانه من القواعد ، فتداعى الصّرح عليهم فهلكوا جميعاً ، فهذا معنى   ” وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ ” وفي الجبال التي عَنَى زوالها بمكرهم وجهان :  أحدهما – جبال الأرض . الثاني – الإسلام والقرآن لأنه لثبوته ورسوخه كالجبال . وقال القُشَيري : ” وَعِندَ ٱللَّهِ مَكْرُهُمْ ” أي هو عالم بذلك  فيجازيهم ، أو عند الله جزاء مكرهم فحذف المضاف . ” وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ ٱلْجِبَالُ ” بكسر اللام أي ما كان مكرهم مكراً يكون له أثر وخطر عند الله تعالى ، فالجبال مَثَلَ لأمر النبي صلى الله عليه وسلم  وقيل : ” وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ ” في تقديرهم ” لِتَزُولَ مِنْهُ ٱلْجِبَالُ ” وتؤثر في إبطال الإسلام . وقرئ ” لَتَزُولُ مِنْهُ ٱلْجِبَالُ ” بفتح اللام الأولى وضم الثانية أي كان مكراً عظيماً تزول منه الجبال ، ولكن الله حفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو كقوله تعالى : ( وَمَكَرُواْ مَكْراً كُبَّاراً ) ( نوح : 22 ) والجبال لا تزول ولكن العبارة عن تعظيم الشيء هكذا تكون ” .

كأن واقع أمس ينطبق تماماً على الواقع المأسوي الذي يُراد أن يطبق على أمة الإسلام ، يشهد بذلك الوضع الذي يعيشه المسلمون اليوم   ( وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ ٱلْجِبَالُ ) .

( والله يقول الحق وهو يهدي السبيل ) .

سعيد الأعظمي الندوي

17/7/1438 هـ

15/4/2017 م