ألم يأن للغرب أن يقتنع بالإسلام

المسلمون بين الأمس واليوم
ديسمبر 4, 2017
الدين الكامل ، نعمة لا تساويها نعمة
مايو 21, 2018

ألم يأن للغرب أن يقتنع بالإسلام

لم يك للإسلام من أول يومه إلى الآن أن يتأثر بالمتغيرات العلمية أو الصناعية التي تحيط بالعالم المتغير اليوم وتتولى التأثير في الاتجاهات والأفكار ووجهات الأنظار لدى الناس على اختلاف الأقطار وتباين الديار والأمصار ، ذاك أن الإسلام ليس شأنه كالديانات التي سبقته ولا كالنظرات والفلسفات التي تخضع لنواميس الكون ومقاييس النفع والضرر ، إنه ليس مما يقبل التلونات المقبولة في المتاجر العالمية والأسواق السياسية الدولية ، إنما هو دين ليس غير ، دين سماوي كامل خالد ، لونه واحد ثابت ، ونظامه شريعة متكاملة منزلة من الله خالق الأكوان للإنسان المخلوق الذي يفتقر إليها في سبيل تأدية الحقوق الإنسانية بوجه مكتمل وفي إنجاز مشروع ذلك الدستور الشامل الذي يتفق وطبيعة العالم البشري في كل زمان ومكان ، ويساعد الناس جميعاً في أداء المسئولية التي تعود إليهم بصورة دائمة نحو نشر الإنسانية التي تغطي معاني الخير والنصح لجميع ما في هذا العالم من حياة ونشاط ، وتحتوي على جميع مقتضيات الطبايع الخلقية والبشرية ، وتلك هي حقيقة الحقائق التي أقضت مضاجع المتاجرين بالديانات والعابثين بكرامة الإنسان والإنسانية .

دخل المسلمون قارة أوربا الغربية في شبه الجزيرة الأيبيرية بقيادة طارق بن زياد الذي ضمها إلى الخلافة الأموية ، وذلك في عام 711 الميلادي ، وكانت تعيش نومة هادئة في خضم الجهل والغفلة ، لم تكن تعرف للإنسانية معنىً ولا للإنسان قدراً ، فضلاً عن مفهوم العلم والحضارة ، وعن الفرق بين الإنسان والأنعام ، واستمر وجود المسلمين حتى سقوط مملكة غرناطة عام 1492م ، فكان وجود الفتح الإسلامي في الأندلس بدءاً من 711 – إلى 732م ، وظلت الدولة الأموية في الأندلس بين ( 756 – 1031م ) ووجود حكم المسلمين فيها من 711م إلى 1492م أكثر من ثمانية قرون ميلادية .

وفي خلال هذه المدة حقق المسلمون تقدماً واسعاً في جميع المجالات الحيوية من العلم والدين والثقافة والحضارة ، وأخرجوا الأمم من الوحشية والجهل والأمية ، ومن حياة الغابة الصحراوية إلى رحاب الحضارة الإسلامية بجميع أنواعها ، فكانوا أساتذة الغرب ممن أحسنوا إلى أهله في جميع جوانب الحياة العلمية والتربوية والإنسانية ، ولم يدخروا وسعاً في توفير العلم والمعرفة وتحلية الحياة باغلى ما يمكن في ذلك العهد الذي لم يحلم بالحضارة ولم يحظ بالمدنية ووسائلها من المعارف والتقنية والتطور المعرفي في شيئ ، فكان وصول الرجال الفاتحين الإسلاميين في هذا الجزء من العالم الغربي إلهاماً من الله تعالى في مجال العلم والدين والسياسة .

هكذا كان العهد الإسلامي رحمةً على العالم البشري كله ، وحكم المسلمون هذه المعمورة بغاية من العدل والإحسان ، وقاموا بدعوة الناس إلى الدين الإسلامي الأخير الذي تضمن للإنسان العيش في هذه الدنيا في سعادة وهناء وأمن وسلام ، الواقع الذي سجله التاريخ العالمي بمداد من نور ، وفتح للناس أبواب الدخول في دين الله على مصاريعها ، وقد أشار إليه كتاب الله تعالى في سورة النصر فقال : ( إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ . وَرَأَيْتَ ٱلنَّاسَ يَدْخُلُونَ فِى دِينِ ٱللَّهِ أَفْوَاجاً ) ، وقد تحققت هذه النبوءة وإن كان فيها نوع من علامات أجل النبي صلى الله عليه وسلم الذي أرسى قواعد الدين بجميع ما تفتقر إليه حياة الإنسان الذي عاش في ظل الدين الإسلامي ، وخلف وراءه جماعة من الصحابة الكرام رضي الله عنهم ، فخَلَفوه في نشر هذا الدين وتولوا القيام بالدعوة إليها في جميع المجتمعات الشرقية والغربية التي كانت تعيش بين حضارتي الروم والفرس ، وقد أكمل الله سبحانه وتعالى دين الإسلام وبشر بذلك في حجة الوداع يوم جمعة في عرفة قبل مغادرة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى آخرة ربه بمدة قليلة ، فكان الدين شريعة كاملة تغطي حياة الإنسان في كل زمان ومكان وفي جميع الأحوال والظروف بشرائعها السماوية الخالدة الدائمة إلى يوم الدين .

وقد أدرك هذا السر العميق العظيم من درس دين الإسلام بروح من الموضوعية وتأمل في مفهومه الشمولي في طبيعة الإنسانية التي تمثل دور البناء الذي استمر منذ العهد الذي أشرقت فيه شمس الإسلام وبددت جميع ظلمات الحياة والكون ، وذلك مع طلوع شمس النبوة في يثرب ، ذلك الدين الكامل الذي أنزله الله سبحانه وتعالى وأكمله على يد خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم ، الذي طبقه على جميع ما في هذا الكون من حياة وإنسان ، وحقق تمام نعمة هذا الدين بالعمل والتطبيق ، وفي ضوء الوحي السماوي بالرواية والدراية مما جعله حاجة الكائنات بكاملها إلى يوم الدين . وقد قامت الخلافة الإسلامية في حياة النبي صلى الله عليه وسلم كنموذج للعالم البشري بأجمعه ، وتولى منصب الخلافة بعده خلفاؤه الراشدون ، ممن تحملوا هذه الأمانة المقدسة في ضوء تعاليم النبوة والتربية العملية التي تلقوها في مدرسة الرسول صلى الله عليه   وسلم ، والتي أثمرت ثمارها اليانعة في جميع المجتمعات الإنسانية ، وخضعت أمامها جميع الشعوب والقبائل وحضارتا الروم والفرس اللتان كانت لهما جولة وصولة في أنحاء العالم كله يوم ذاك ، كنتاج لما قام به المسلمون مع نبيهم صلى الله عليه وسلم من غزوات إيمانية لدحض الباطل من الشرك والوثنيات ومن توزيع الإنسان بين فرق وأجناس وطوائف بأسماء فارغة من اللون والجنس والوطن والقبيلة واللغة وعنصرية الحسب   والنسب ، الأمر الذي كان مبعث الشقاء وتأثيره في جميع أجزاء المجتمعات العائشة هناك ، وقد سجله التاريخ الجاهلي بوضوح وتفصيل كما هو معلوم لدى العلماء والمؤرخين ، وذلك ما أشار إليه رسول المسلمين حينما وصلوا إلى بلاد الفرس ودخلوا بلاط ( يزدجر ) فقام ربعي بن عامر وخاطبه رداً على سؤاله الذي وجهه إليه وقال : ما الذي جاء بكم ؟! فأجابه بجراءة   إيمانية : ” الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله تعالى وحده ، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها ، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ” .

هذا هو المبدء الفياض الذي تعلمه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى أساسه قام نظام الأمن والعدل والحكم والسياسة ، وانتشر الإسلام في مدة قصيرة في جميع أنحاء العالم شرقاً وغرباً ، وكان يمثل النموذج الأعلى للقيادة والزعامة ممن تخرجوا في مدرسة النبوة وتميزوا بأسمى صفات الإنسانية وأرفعها من الاتزان في القول والعمل ، والنصح والإخلاص ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والجمع العادل بين العلم والإيمان ، وبين عبادة الله ووظائف المعاش وبين الجسم والروح ،      ( وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ     شَهِيداً ) .

عرف الأمم والشعوب كلها هذا السر العظيم الذي أودعه الله سبحانه في دينه الأخير ، فكانت كفة الوسطية راجحة في الميزان ، ومنذ أن تغافل المسلم أن يتفهم حقيقة الدين الكامل وما أودع الله تعالى فيه من عز وغلبة وانتصار الحق على الباطل ، منذ ذلك الوقت تخلف المسلمون في كل منحى من مناحي الحياة والمجتمع وأصبحوا عالة على الأمم المادية التي جرت وراء المطامع والشهوات العاجلة ، وحُرمت كرامة الحياة الإنسانية وسعادتها التي أضفى الله تعالى نعمتها على أتباع الدين الإسلامي وأصحاب الإيمان واليقين أمة محمد صلى الله عليه وسلم التي تولت مكانة القيادة للعالم البشري كله وسميت بخير أمة أخرجت للناس تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله .

فليعلم الغرب المادي وكل من على شاكلته أن ذخائر الأموال في المصارف العالمية وأكداس الأسلحة في جنودها المجندة ، وتجارب العلوم والمعارف الصناعية في المسابقات العالمية ، أي ذلك لا يغني عنه شيئاً ، وقد فشلت الحضارات الانتهازية والسياسات الثقافية في كل مجال من العلم والتقنية ، فليقبل الآن على تجربة الإسلام ونظامه الطبيعي في إسعاد الحياة والمجتمع وإنقاذ الثروات الإنسانية والسلوكية من ذلك الدمار الشامل العام الذي تتراءى آثاره في الساحات وتتجلى تباشيره في الآفاق .

يقول الله تعالى : ( أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ ٱللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ ٱلْحَقِّ وَلاَ يَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ ٱلأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ ) .

والله يقول الحق وهو يهدي السبيل .

سعيد الأعظمي الندوي