من إعجاز القرآن المجيد : النظام المالي

الاجتهاد الجماعي : تعريفه وأدواره
ستمبر 4, 2021

الفقه الإسلامي :

من إعجاز القرآن المجيد : النظام المالي

الدكتور غريب جمعة – جمهورية مصر العربية

ومن إعجاز القرآن المجيد أن الأعراب الذين كانوا يحسبون الزكاة إتاوة من الإتاوات ، وتجاهلوا أنها عبادة من العبادات ، وأنها طهر ومعونة إيمانية ، وأخوة إنسانية ، تجاهلوا كل ذلك وأخذوا يتربصون الدوائر . أي ينتظرون الفرصة لإعلان منع الزكاة ، ولكن الله جلت قدرته أنذرهم وبشر المؤمنين أن الدائرة سوف تكون عليهم متى فعلوا  ذلك . كما حصل ذلك في زمن الصديق رضوان الله عليه .

وهذا من إعجاز القرآن الغيبي ( كما مر بك [1] ) إذ حصل كل ذلك وكانت دائرة السوء عليهم ، كما قال الله تبارك وتعالى : ( وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ  عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ  وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) ( التوبة : 98 ) .

وليرجع من أراد المزيد إلى تاريخ حروب الردة زمن الصديق رضي الله عنه .

ولعل بعض الذين ظنوا أن كنز الأموال من الذهب والفضة وسواها هو محرم على كل حال . ولكن المحرم في ذلك هو منع إخراج زكاتها ، فمن كنز شيئاً من الأموال ولكنه لا يتخلف عن إخراج الزكاة ولا يمسكها ولا يمنعها فهو خارج عن الإنذار بالعذاب المعلن عنه في قوله تبارك وتعالى : ( وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ . يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ ) ( التوبة : 34 – 35 ) .

ومهما يكن من شأن فإن الذين يؤدون زكاة أموالهم هم مفلحون حتماً لأن قول الله تعالى يشملهم هو : ( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى . وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ  فَصَلَّى ) ( الأعلى : 14 – 15 ) .

وإخراج الزكاة من أكبر التطهر في نفس الإنسان ، وقد مر بك قوله تعالى : ( خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا ) .

ويحسن أن نجعل بعد هذه الآيات هذا الحديث الشريف الذي رواه الإمام أحمد ، ورجاله رجال الصحيح .

عن أنس  بن مالك قال :  أتى رجل من بني تميم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله إني ذو مال كثير ، وذو أهل ومال وحاضرة ، فأخبرني كيف أصنع ؟ فقال رسول الله  صلى الله عليه   وسلم : ” تخرج الزكاة من مالك فإنها تطهرك ، وتصل أقرباءك وتعرف حق المسكين والجار والسائل ” .

ومهما يكن فالزكاة مقاديرها مبينة في الأحاديث الشريفة وقد جمعها من أوتي جوامع الكلم في هذا الحديث الشريف :

روى الطبراني في الأوسط والصغير عن علي كرم الله وجهه أن النبي صلى الله عليه وسلم : ” إن الله فرض على أغنياء المسلمين في أموالهم بقدر الذي يسع فقراءهم ، ولن يجهد الفقراء إذا جاعوا أو عروا إلا بما يصنع أغنياؤهم ( أي بسبب بخل أغنيائهم ) ، ألا وإن الله يحاسبهم حساباً شديداً ، ويعذبهم عذاباً أليماً ” . ( قال الطبراني : تفرد به ثابت بن محمد  الزاهد ) قال الحافظ : وثابت : ثقة صدوق . روى عنه البخاري وغيره وبقية رواته لا بأس بهم .

وما أحسن ما قاله الشاعر اللبناني مارون عبود :

لو أدت الناس الزكاة وأنصفوا   ما كان في الدنيا فقير عان

أنى يكون في الدنيا فقير عان أو مسكين وانٍ ، والزكاة يخرجها الأغنياء كاملة غير منقوصة .

الأموال التي تجب فيها الزكاة ومقاديرها :

الأموال التي تجب فيها الزكاة هي :

الذهب ، والفضة ، والزروع ، والثمار ، وعروض التجارة ، والسوائم ، والمعدن ، والركاز ، وكل مال حلال يستحدث في دنيا البشر .

وبما أن الله جلت قدرته يعلم المقادير التي تشتمل على كفاية ذوي الحاجات لمصارف الزكاة لحديث الرسول صلى الله عليه وسلم الذي مر بك . ” إن الله فرض على أغنياء المسلمين . . . . الحديث ” .

إذاً فأنت تفهم من هذا الحديث الشريف أن المقادير المفروضة في كتب الفقهاء لإخراج الزكاة سواء كان العشر أو نصف العشر أو ربع العشر أو ما إلى ذلك ، فهي مقدرة تقديراً عجباً فيه كل الكفاية وفيه كل الرعاية وفيه كل الغناء .

ومن أراد الوقوف على هذه المقادير فليعد إلى مصادرها في كتب الفقهاء . جزاهم الله خيراً . لأن الغرض من هذا المؤلف لفت النظر إلى إعجاز النظام المالي في القرآن .

إعجاز القرآن في مصارف الزكاة : ( أي الزكاة المفروضة ) :

والعجيب أن القرآن المجيد نص على مصارف الزكاة نصاً معجزاً دقيقاً ، يجد المتأمل فيه مظاهر القدوسية والطهر ، والعمق والعلم والحق والخير والإحاطة الشاملة ، والدقة المتناهية في توزيعها بين المستحقين ، وهي أصناف ثمانية شاملة كل الشمول ، ولن يستطيع أحد أن يزيد عليها أو ينقص منها شيئاً ، لأنها موزعة بعلم رب العالمين الذي فرضها على عباده لتكون أسلوب حياة ومصدر عطاء متجدد لمن ذكروا فيها . وإليك الآية الكريمة : ( إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ  فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ  وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ )         ( التوبة : 60 ) .

وهاك تفصيل هذه المصارف :

1 و 2 الفقراء والمساكين :

لما كانت الحياة والأرزاق كافةً خلقها الله  للبشر كافيةً وزيادةً دون تمييز ودون تخصيص . ولما كانت هذه الأرزاق لا تصل إلى الأيدي إلا بالنصب في الأعمال الجادة المتتابعة ، من أجل ذلك كان اختلاف تحصيلها وتباينه الكبير .

ومن هذا الاختلاف والتباين وجد المعدمون الذين ليس لهم قدرة على تحصيل ولا سبيل لهم إلى النيل منها ، بل هم أصفار الأيدي من مغانم الأرزاق ومعطياتها . هؤلاء هم الفقراء الذين جعل الله لهم في هذه الأرزاق قسطاً يأتيهم وإن عدموا وسائل التحصيل والعمل من أجل نيله ، ومن الفقراء الذين فقدوا أموالهم بسبب من الأسباب .

لذلك كان رفدهم أول مصرف من مصارف الزكاة لأن أهميته كبرى إذ الحاجة إليه ملحة ، والعوز فيه ظاهر والسغب فيه بين ، لذلك كان الفقير هو الذي يطوف من مكان إلى مكان ماداً يديه طالباً العون . ومن أجل ذلك كان مصرف المساكين في الدرجة الثانية .

–  وإن كان بعض العلماء يجعله قبل مصرف الفقراء .

وقد عرفه رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه وهو قوله صلى الله عليه وسلم :

” ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان ، واللقمة واللقمتان ، إنما المسكين الذي يتعفف ، أقرءوا إن شئتم : ( لاَ يَسْأَلُونَ ٱلنَّاسَ إِلْحَافاً ) .

وفي لفظ :

” ليس المسكين الذي يطوف على الناس ترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان ولكن المسكين الذي لا غني يغنيه ، ولا يفطن له فيصدق عليه ، ولا يقوم فيسأل الناس ” .

وإذا كان الحديث نص على أن المسكين ليس الذي ترده التمرة والتمرتان أي الشيئ الزهيد جداً . فيكون حينئذ الفقير هو الذي يرده الشيئ الزهيد ، وكم من فقير يحمل وعاء توضع فيه اللقمة واللقمتان .

فمن كانت لديه بعض وسائل الكسب المحدود فإن له حقاً فى ذلك المصرف والله سبحانه وتعالى وصف ذوي الكسب المحدود بأنهم مساكين وفي قوله تعالى : ( أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ )      ( الكهف : 79 ) .

وأما قوله تعالى : ( أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ ) ( البلد : 19 ) .

فقد ذكر ابن عباس وسعيد ومقاتل وقتادة : ” هو ذو العيال الذي لا يجد ما يكفيهم ” [2] .

3 العاملون عليها :

هذا المصرف جعله الله جزاء عمل من ولته السلطة الشرعية أمر جمع الزكاة أو شيئاً من وظائفها ، وإن أبى وأدى عمله تطوعاً واحتساباً فله ذلك ، إلا أن الأفضل أن يأخذ هذا النصيب ، تطييباً لنفسه وبالأحرى إن كان منقطعاً لذلك ، لأن الإسلام يرفض التسخير في مثل هذه المواقف أو القيام بعمل صالح على حساب مثله . وإليك هذا الحديث الذي يدنى الفكرة من نفسك ويكشفها لك .

روى أحمد والشيخان أن ابن السعدي المالكي قال : استعملني عمر على الصدقة ، فلما فرغت منها وأديتها أمر لي بعمالة فقلت : إنما عملت لله . فقال : خذ ما أعطيت فإني عملت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فعملني ( أعطاني عمالة ) فقلت مثل قولك فقال لى صلى الله عليه وسلم : ” إذا أعطيت شيئاً من غير أن تسأل فكل وتصدق ” .

على أن جميع النصوص التي وردت في تحصيل الزكاة تدل على أنها فريضة لا ينبغي أن تترك لهوى الناس ، وأن السلطة الشرعية عليها أن تعين الجباة ، وأن لا تجعلها حسب شهوات الأغنياء وإرادتهم ومطامعهم ، وما قتال خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم والصديق من فرق بين الصلاة والزكاة عنا ببعيد .

4 المؤلفة قلوبهم :

إن هذا المصرف له تأثير كبير في النهوض بالدعوة الإسلامية وإعلانها وتأليف القلوب حولها والذائدين والمناضلين عنها . وإنك تجد مثل ذلك كل دعوة في الأرض فهي إنما تقوم على المال والرجال الذين ينهضون بها .

ولعل الذين يقولون : إن سيدنا عمر بن الخطاب منع هذا المصرف ، لما رأى عزة الإسلام وقوام أمره والتفاف البشر حوله ، وبالتالي لا مانع من إلغائه من بين المصارف الثمانية ، فإنهم واهمون كل الوهم لأن الزكاة لا يجوز حجزها في مصرف واحد على رأي جمهور العلماء وإنما يدور الأمر حسب المصلحة .

فلعل سيدنا عمر رأى المصلحة في توجيه الأموال إلى مصرف آخر ، لذلك لا يجوز أن ينسب إلى الفاروق رضوان الله عليه أنه أبطل هذا المصرف ، إذ محال أن يكون ذلك لأنه مصرف منصوص عليه في وحي الله والحاجة إليه تظل ماسةً في كل زمان ومكان ، فتأليف القلوب حول الإسلام وتعاليمه الفذة مطلوب ، وإن كانت قويةً ظاهرةً صحتها للعيان ، إلا أن هناك من البشر أهل الشذوذ والنكول والنفاق وما إلى ذلك من أسباب التخلف ، لذلك يظل هذا المصرف حسب الحاجة الداعية إليه .

ناهيك والنفقات التي تنفق ضد الدعوة الإسلامية هي هائلة جداً ومرعبة جداً ، فلا بد أن تشاد حصون منيعة لصدها والوقوف في وجهها ، وهذا لا يكون إلا من هذا المصرف العظيم الرائع المعجز .

5 وفي الرقاب :

لا شك أن الله جلت قدرته خلق الناس جميعاً أحراراً كما كان يقول سيدنا عمر ، وأن استعباد بعض البشر بعضاً ، كالخطف وبيع الذراري إنما هو طارئ ، أو جدته العنصريات والحروب والتفاخر والفتن .

ولما كان الإسلام دين الحرية القطعية ، قد وجد إبان فجره أن الاستعباد في جزيرة العرب منتشر فيها ككل بلاد الدنيا آنذاك ، وأن الإسلام إنما جاء لمنح الحرية التي تجعل الإنسان إنساناً بكل ما في هذه الكلمة من معنى بقوله تعالى : ( وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا ( الإسراء : 70 ) .

لذلك حرم كل أسباب الاستعباد من أول الأمر ، وبيع الأبناء الذي كان مشاعاً في ذلك الزمان ، وحرم الخطف ، وسرقة الأنفس وبيعها في الأسواق لأن التكريم لا استعباد فيه .

ولم يبق إلا طريق واحد هو طريق الأسرى الذين يمسك بهم في الحروب مقابل نفقات الحرب ، وبما أن الإسلام كانت تكاليف الحرب في أول الأمر تقوم على كاهل المحاربين أنفسهم فجعل لكل أسير ثمناً لفكاك أسره ، أي الغرامة التي يدفعها المنهزمون في الحرب وهي لا تزال موجودةً إلى اليوم .

وهذه وإن كانت باقيةً إلى اليوم ، ولكن عظمة الإسلام في هذا الأمر عجيبة جداً ، ومعجزة من المعجزات الكبرى ، لأن الله جلت قدرته جعل الأسير بين أمرين : إما أن تقدم له الفدية من أهله أو دولته ، فإن لم يجد من يفتديه ، فإن الله وضع مصرفاً لافتدائه في القرآن إن هو أسلم ، فيعطى من مصرف الزكاة ، وإن لم يسلم يدخل فكاكه في نظام الكفارات أو الصدقات .

ناهيك والأسير في الإسلام من أمسك وأصبح محل رحمة وعناية واهتمام وبر وحنان . انظر قوله تعالى : ( وَيُطْعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً ) ( الإنسان : 8 ) .

ومهما يكن من شيئ فإن الله جلت قدرته قال وقوله الحق والصدق الصارخ إلى يوم القيامة : ( فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ) ( محمد : 4 ) .

ومهما يكن فالأحاديث الشريفة وأعمال جمهرة السلف الصالح تدل على أنهم كانوا يعطفون على الأسرى كل العطف ويبرونهم ويسعون جهدهم في فكاك أسرهم بأسباب كثيرة من تعاليم الإسلام وإليك هي : ( فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ . وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ . فَكُّ رَقَبَةٍ ) ( البلد : 11 – 13 ) .

وحقيقة كان فكاك الرقاب التي أوصدتها الجاهلية بالاستعباد أمراً عظيماً جداً ، من رجع إلى أعمال السلف أخذته الدهشة مما فعلوا ، ويكفيك قوله عليه الصلاة والسلام فيما رواه أحمد والبخاري عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال : دلني على عمل يقربني إلى الجنة ويبعدني من النار ، فقال : ” أعتق النسمة وفك الرقبة ” . فقال : يا رسول الله ! أوليسا واحدا ؟ قال : ” لا . عتق الرقبة أن تنفرد بعتقها ، وفك الرقبة أن تعين بثمنها ” أي بثمن تحريرها .

وهنا يدهش السامع لما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث فيه استنهاض إلى التعاون في فكاك الرقبة .

ولو أردنا أن نستعرض أعمال السلف الصالح والأحاديث الواردة في ذلك لاستغرق سفراً كاملاً .

وتأمل عبارة القرآن الكريم في هذا المصرف إذ قال تعالى : ( وَفِي الرِّقَابِ ) .

ولم يقل للرقاب كما قال : للفقراء . وذلك لأن المال لا يدفع للرقبة بل يدفع لفكها من أسر الاستعباد .

6 الغارمون :

ليست الأرزاق ميسرةً بطريقة عفوية للجميع وإنما هي ثمرة عمل وجهد ، وليست أوائلها وأواخرها في هذا الصدد بميسورة لكل طالب لذلك لا بد أن تطرأ على الإنسان أحياناً الحاجة إلى الدين .

وقد يعجز عن الوفاء بسداد دينه ، وحينئذ يدخل في حدود هذا المصرف ، فيعان منه بسداد دينه .

ناهيك إذا كان هناك حمالة ترة [3] ، فإن لصاحبها الحق أن يأخذ من هذا المصرف بالمقدار الذي يعان به ، وإن كان هذا الآخذ لم يأخذ لنفسه وإنما لسد ثغرة سفك الدماء والتمادي في الاعتساف .

وإليك الحديث الشريف في هذا الموضوع : فعن قبيصة بن مخارق الهلالي قال : تحملت حمالة ، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم أساله فيها فقال : ” أقم حتى تأتينا الصدقة ، فنأمر لك بها ” ، ثم قال : يا قبيصة إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة : رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك ، ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب سداداً من عيش ، ورجل أصابته فاقة حتى يقول ثلاثة من أهل الحجا من قومه : لقد أصابت فلاناً فاقة فحلت له المسألة حتى يصيب قواماً [4] من عيش . فما سواها من المسألة فسحت يأكلها صاحبها سحتاً . ( رواه أحمد ، ومسلم ، والنسائي ، وأبو داود ) .

وإنما المقصود من الدَّين الذي ينهض الإسلام بسداده من مصرف الزكاة ، إنما هو الدَّين الذي تدعو إليه ضرورات الحياة ، لا الدَّين الذي يأخذه الفساق ، فإذا عجزوا عن سداده وسيقوا إلى السجن ، طلبوا من أولى الأمر أن يعطوا من هذا المصرف لسداد دينهم العاسف .

لا . . . لا . . إنما الدَّين الذي نحن بصدده ما جاء في الحديث الشريف الذي رواه مسلم عن أبي سعيد قال : أصيب رجل في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثمار إبتاعها فكثر دينه فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ” تصدقوا عليه ” .

فتصدق الناس عليه ، فلم يبلغ ذلك وفاء دينه ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لغرمائه : ” خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك ” .

7 سبيل الله :

إن عبارة القرآن المجيد المعجز في ذكر المصرف عجب من العجاب وسمو في البيان ورفعة في العبادة ودقة أية دقة .

انظر إلى أموال هذا المصرف تجدها ذات شعب شتى ، فسبيل الله واسع وكبير ، فكل أمر فيه رفعة للإسلام وسد عوز للمسلمين وإعانة لهم سواءً كانوا في حرب أو سلم ، وسواءً كانوا على ثغر من ثغور الإسلام ، أو في إرفاق جائحة من جوائح الدهر أو لأمر من الأمور التي تقتضيها المصلحة الإسلامية العليا ، وقد قال الأستاذ / المراغي في تفسيره :

” والحق أن المراد بسبيل الله مصالح المسلمين العامة التي بها قوام أمر الدين ، دون الأفراد ، كتأمين طرق الحج وتوفير الماء والغذاء وأسباب الصحة للحجاج إن لم يوجد مصرف آخر ، وليس منها حج الأفراد لأنه واجب على المستطيع بحسب ” [5] .

ومن العلماء من توسع في مدلول سبيل الله ، فأجاز صرف الزكاة في بناء المساجد والمدارس والملاجئ ، والمستشفيات ، ومراكز الدعوة ومنهم من لم يجز ، ولكل وجهة هو موليها . وليس غرضنا من هذا المؤلف استقصاء أوجه الخلاف وأدلتها وإلا لطال بناء المقام وطال . فمن أراد المزيد فليرجع إلى ذلك في مظانه ففيها طلبته إن الله .

8 ابن السبيل :

إنما هو المنقطع عجزاً عن العودة إلى وطنه فيظل محجوزاً في وطن آخر ينتظر النجدة والمعونة ، فمثل هذا المنقطع المحجوز يدفع له من هذا المصرف بمقدار الكفاية وإن كان غنياً في وطنه .

وقد يكون المنقطع إلى العلم إن عجز عن مواصلته ، فإنه يعان أيضاً وأنما حملنا طالب العلم المفتقر إلى المال ، وإلا هجره لتماثل حاله مع حال المنقطع في دار الغربة .

شهادة التاريخ :

ونحن نختم موضوع الزكاة بهذه الكلمة التي تعد بمثابة شهادة للتاريخ حتى لا يظن أحد أننا نتحدث عن أمور لا واقع لها في دنيا الناس .

” إذ أن الزكاة نظام عملي وضع لتجمع أموال من الغني ، وترد على الفقير ، فهي حق الفقير في مال الغني ، ويجمعها ولي الأمر وينفقها في مصارفها التي يعد أهمها وأجلها محاربة آثار الفقر في الفقير ، فهي تعطي للفقراء والمساكين وأبناء السبيل ، ومنها يسدد دين من عجز عن سداده ، وكان قد اقترضه في أمر لا فساد فيه ، وفيها باب للقرض الحسن ، وتطبيقها في صدر الإسلام لم يجعل في المجتمع الإسلامي جائعاً يبيت على الطوى ولا شحاذاً تذله الحاجة ، حتى إنها بكثرتها كان يشكو عاملها من أنه لا يجد من ينفق عليه منها ، ولقد شكا عامل الصدقات على أفريقية إلى عمر بن عبد العزيز أنه لا يجد فقيراً ينفق  عليه ، فقال له :

سدد الدين عن المدينين ، فسدد ، ثم شكا ثانية ، فقال : اشتر عبيداً وأعتقهم وذلك مصرف من مصارفها ، والحقيقة أنها لو جمعت من وجوهها ، وصرفت في مصارفها لتبين من تطبيقها أنها أعظم نظام للتكافل الاجتماعي [6] في هذا العالم ” .

هل تغني الضريبة عن الزكاة ؟

هذا سؤال يتردد كثيراً على الألسنة ونجيب فنقول بعون الله :

كم من خطأ في الموازنة بين الإتاوة المالية ( الضريبة ) التي تفرضها الدولة وبين الزكاة المطهرة التي يفرضها الله تبارك وتعالى على عباده .

أجل . . . شتان . . شتان بينهما . فتلك مفروضة من قبل الدولة لمصالحها العامة من وجهة نظرها ، وهذه مفروضة من قبل الله لإصلاح حال عباده ، وتيسير سبل العيش الكريم لهم ، وإقدارهم على مواصلة الحياة بأمن وأمان .

ولا يشح الشحيح عن إخراج الزكاة إلا إذا شح الإيمان في قلبه ، وأمسى نهبة لهوى نفسه ونزوات شيطانه ، وهذا بلاء كبير وخطر    عظيم ، لأن النفس الإنسانية هي لخالقها قبل كل شيئ ، والأرزاق جعلها الله متفاوتةً في أيدي الناس هي في الأصل خلقها الله للجميع بما يكفيهم وزيادة .

فلا بد أن يصل إلى العاجزين عن تحصيل أرزاقهم بما يعتريهم من أدواء وافتقار ومسكنة وذلة .

وهكذا لا يريد الله لعباده المسكنة والذلة والحاجة ، فجعل لهم هذه الفريضة عزةً وكرامةً ومؤونةً وسلامةً وخيراً كثيراً .

ومهما يكن فالضريبة المفروضة من قبل الدولة سوى الزكاة المفروضة من قبل الله لمستحقيها كما نص على ذلك الله في وحيه في آية مصارف الزكاة التي مرت بك .

وهناك فتوى لفضيلة العلامة الشيخ محمود شلتوت شيخ الأزهر في هذا الموضوع الجليل . . . . حيث سُئل عن احتساب الضرائب من الزكاة . فأجاد في إجابته وبين – رحمه الله – حقيقة الزكاة بياناً شافياً ، وأنها ليست ضريبة وإنما هي قبل كل شيئ – عبادة مالية . صحيح أنها تتفق بعض الاتفاق هي والضريبة الوضعية ، ولكنها تخالفها من وجوه كثيرة : تخالفها في مصدر التشريع ، وفي أساس الإيجاب ، وفي الأهداف والأغراض ، وفي النسب والمقادير ، وفي تعين المصارف والنفقات .

ثم قال : ” وإذا كانت الزكاة من وضع الله وكانت فرضاً إيمانياً بحيث يجب إخراجها ، وجدت حاجة إليها أم لم توجد ، وتكون في تلك الحالة بمثابة مورد دائم للفقراء والمساكين ، الذين لا تخلو منهم أمة أو شعب . وكانت الضرائب من وضع الحاكم عند الحاجة – كان من البين أن إحداهما لا تغني عن الأخرى ، فهما حقان مختلفان في مصدر التشريع وفي الغاية ، وفي المقدار وفي الاستقرار والدوام .

وعليه فيجب إخراج الضرائب وتكون بمثابة دَين شغل به المال . فإن بلغ الباقي نصاب الزكاة ، وتحقق فيه شرطها وهو الفراغ من الحاجات الأصلية ، ومر عليه الحول وجب ديناً إخراج زكاته .

وإذا كان الناس يحسون بشيئ من الإرهاق في بعض ما يفرض عليهم من ضرائب ، فإن تبعة ذلك لا ترجع إلى الفقير بحرمانه من حقه الذي أوجبه الله له ، وإنما سبيله مطالبة الحكومة بالاقتصاد في مصارفها ومحاسبتها على ما تجمع وتنفق . ومحاسبة الحكومة على أعمالها العامة مما تشهد به أصول الإسلام وتقضي المصلحة الاجتماعية العامة التي يضعها الدين في المكان الأول ” .

ويعلق الدكتور يوسف القرضاوي على هذه الفتوى بقوله :

الخلاصة :

إن فتوى الشيخ شلتوت – رحمه الله – ومن سبقه من العلماء :

” أن الضرائب لا تغني عن الزكاة هي التي يطمئن إليها قلب المفتي والمستفتي لما استندت إليه من اعتبارات شرعية صحيحة ، وهي على كل حال أسلم لدين المرء المسلم ، واضمن لبقاء هذه الفريضة وبقاء صلة المسلمين بها حتى لا يعض عليها النسيان باسم الضرائب وتذروها الرياح ” [7] .

أما ما نقل عن فتاوي يفيد ظاهرها احتساب الضرائب من الزكاة ، فذلك حينما لم تكن الدولة لها ضرائب خاصة بهذه الصورة المعاصرة وإنما كانت تجمع الزكاة وسواها مما هو معلوم .

وبما أن الدولة في هذا الزمان تفرض الضرائب الكبيرة وفق مقتضيات الأمور واستدعاء الحاجة فإنها بذلك تكون قد فرضت ما هو في صالحها من وجهة نظرها بقاء وقوة وعزة وكرامة .

على أن أكثر الدول في هذا العصر وإن انتسبت إلى الإسلام تركت فريضة الزكاة تابعةً لهوى الأفراد إلا من رحم ربك . والزكاة فريضة الله لا يبطلها أحد مهما كان شأنه . إذ كيف يبطل عبد من عباد الله ما فرضه الله في كتابه المعجز . هذا لا يكون أبداً ولا يقره مؤمن ولا يرضاه عالم ولا كل من يحمل للإنسانية الخير والهدى والسلام .

زكاة الفطر :

وجوبها :

بما أن يوم الفطر من الأيام المباركة التي تسمو بالناس إلى سماء المسرات والفرح ، وبما أنها تجمع بين الأفراد والأسرة في ساحات السرور والغبطة وبما أن الناس يتعايدون في هذه الأيام ، ويهنئ بعضهم بعضاً ، والكل مشغولون عن الأعمال والكفاح والطلب ، لكل هذه الاعتبارات أراد الله تبارك وتعالى أن يغني الفقراء والمساكين ومن كان على شاكلتهم في هذا اليوم عن الطلب والإلحاح والتجول من مكان إلى مكان لتحصيل أسباب الرزق .

روى البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : ” فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر من رمضان صاعاً من تمر ، وصاعاً من شعير على الحر والعبد والذكر والأنثى والصغير والكبير من المسلمين ” .

وزكاة الفطر بهذا الاعتبار سد عوز ، وسبيل فرح ، ونهضة أنفس إلى السمو والكرامة ، والتواصي بالخير وتقديم المعونات .

فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : ” فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر طهرةً للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين ، من أداها قبل الصلاة ( أي صلاة العيد ) فهي زكاة مقبولة ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات ” . ( رواه أبو داود وابن ماجة والدار قطني ) .

وهذه الزكاة تؤدي لمستحقيها دون إلحاح في الطلب ، بل هي تساق إلى أصحابها سوقاً ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :      ” أغنوهم في هذا اليوم ”  ( رواه الدار قطني ) وفي رواية للبيهقي : ” أغنوهم عن طواف هذا اليوم ” .

على من تجب :

وهي واجبة على الحر المسلم المالك لمقدار صاع يزيد عن قوته وقوت عياله يوماً وليلةً .

وهي واجبة عليه عن نفسه ، وعمن تلزمه نفقته كزوجته وأبنائه وخدمه الذين يتولى أمورهم ويقوم بالإنفاق عليهم .

ومقدار زكاة الفطر هو صاع من القمح والشعير والتمر والزبيب أو الأقط ( لبن مجفف لم تنزع زبدته ) أو الأرز أو الذرة أو نحو ذلك . وجوز أبو حنيفة إخراج القيمة وهي يعلن عنها كل عام . وقال إذا أخرج المزكي من القمح فإنه يجزى نصف صاع [8] .

وهي واجبة في آخر شهر رمضان . وجمهور الفقهاء على أنه يجوز تعجيل صدقة الفطر بيوم أو يومين وأجاز الإمام الشافعي رحمه الله : التقديم من أول الشهر – والله أعلم – .

[1] في كتانبا ” قبس من إعجاز القرآن ” .

[2] تفسير ابن كثير ، المجلد الرابع ، طبعة مطبعة الاستقامة ، القاهرة 1954م .

[3] يقال وتر فلاناً ، يتره وتراً وترةً : قتل حميمه وأدركه بمكروه . ( مجمع اللغة العربية – المعجم الوسيط ) .

[4] القوام : ما يقيم الإنسان من القوت .

[5] تفسير المراغي ، الجزء العاشر ، ص 145.

[6] المنتخب في تفسير القرآن الكريم ، المجلس الأعلى للشئون الإسلامية ، القاهرة 1387هـ – 1967م ، ص 269 .

[7] فقه الزكاة ، للدكتور يوسف القرضاوي ، ص 1116 وما بعدها .

[8]  فقه السنة ، الشيخ السيد سابق ، المجلد الول ، ص 364 .