محمد صلى الله عليه وسلم معلماً

تراث نضال الاستقلال ومجمع الثقافتين الإسلامية والهندية
جولائی 25, 2020
البعث الإسلامي :
دسمبر 15, 2020

 

محمد صلى الله عليه وسلم معلماً

الأخ واجد الحسن *

الحمد لله رب العلمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، وبعد :

فإن مهمة النبي والرسول محمد صلى الله عليه وسلم هي تعليم أمته ودلالتهم على الخير ، قال الله تعالى : ” هُوَ ٱلَّذِى بَعَثَ فِى ٱلأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِى ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ” ، فيُعد التعليم من أعظم المهمات على الإطلاق ، ومن الأسباب التي لا تكاد تُحصى ولا تعد ، فهو حاجة الفرد والمجتمع ، والأمة في حاجة إلى الأخلاق الحسنة والآداب الرفيعة والقيم العالية ، ولن يتحقق ذلك إلا بالعودة إلى النبع الصافي ، والدواء الشافي والعلم الكافي ، وإلى التعلم من خير معلّم ، إنه رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال الله تعالى في سورة آل عمران : ” لَقَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِنْ  قَبْلُ لَفِى ضَلالٍ مُّبِينٍ ” ، وقد بعث الرسول صلى الله عليه وسلم المعلم إلينا للهداية والرشاد ، يقول سبحانه تعالى في سورة الشورى : ” وَإِنَّكَ لَتَهْدِيۤ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ” ، وقال الله تعالى في سورة الأنفال : ” وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ” ، فوجود رسول الله صلى الله عليه وسلم رحمة وأمان من عذاب الله ، فإذا ذهب الأمان الأول بقي الأمان الثاني إلى يوم القيامة ، فهذه دعوة إلى الأمة بوجوب التوبة والاستغفار من الذنوب والمعاصي والعودة إلى الله سبحانه وتعالى .

النبى صلى الله عليه وسلم أعظم معلم ومرب :

يُعدّ كتاب ( الرسول المعلّم صلى الله عليه وسلم ) للشيخ        عبد الفتاح أبي غدة أحسن كتاب معاصر ، تحدث عن مهمة التعليم التي زاولها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حيث جمع فيه أكثر من أربعين وسيلة من الوسائل التعليمية التى استعملها رسول الله صلى الله عليه وسلم في تعليم أصحابه .

يقول الشيخ عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله : إن القرآن الكريم يثبت معلمية رسول الله صلى الله عليه وسلم بنص صريح ، حيث قال الله تعالى في سورة الجمعة : ” هُوَ ٱلَّذِى بَعَثَ فِى ٱلأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِى ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ” ، كما أثبتت السنة النبوية الشريفة هذه الصفة والمهمة العظيمة مهمة التعليم في رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومن ذلك خرج يوماً على أصحابه فوجدهم يقرؤون القرآن ويتعلمون . قال النبي صلى الله عليه وسلم : ” إن الله لم يبعثني معنتاً ولا متعنتاً ، ولكن بعثنى معلماً وميسراً ” [1] ، يقول معاوية بن الحكم رضي الله عنه : ” ما رأيت معلّماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه ” [2] ، وفي رواية أبي داود : ” فما رأيت معلماً قط أرفق من رسول الله صلى الله عليه    وسلم ” [3] .

عند ما نلقي نظرةً على تاريخ البشرية كلها وبالخصوص على المعلمين الكبار الذين ذاع صيتهم في الحاضر والماضي ، سواء قبله أو بعده ، ولا يوجد أي معلّم أو مربّ في التاريخ تخرج على يديه عدد أكثر وأوفر من رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم ، لقد تخرج على يديه عدد غفير من الأصحاب والأتباع . هناك سؤال : كيف كانوا قبله ؟ وكيف أصبحوا بعده ؟ إن كل واحد منهم دليل ناطق على عظمة هذا المعلّم الفريد كما ذكر الإمام القرافي في كتابه الفروق : ” لو لم يكن لرسول الله صلى الله عليه وسلم معجزة إلا أصحابه ، لكفوه لإثبات نبوته ” .

أساليب النبي صلى الله عليه وسلم التربوية :

مما لا ريب فيه أن شمائل النبي صلى الله عليه وسلم وأخلاقه العظيمة من الكثرة بمكان ، ونعرض هنا الشمائل التي يحتاجها كل معلّم يودّ أن يقتدي بالنبي صلى الله عليه وسلم في أداء مهمته التعليمية   والتربوية :

  • الحرص على طلب العلم .
  • الحرص على تبليغ العلم .
  • تقدير المعلم والعالم ورفع منزلتهما .
  • وصية النبي صلى الله عليه وسلم لطلاب العلم والرفق بهم .
  • الإخلاص لله تعالى .
  • التعليم بالسيرة الحسنة والخلق العظيم .
  • تعليمه صلى الله عليه وسلم الشرائع بالتدريج : عن جندب بن عبد الله رضي الله عنه قال : ” كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ، ونحن فتيان حزاورة ، فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن ، ثم تعلمنا القرآن فازددنا به إيمانا ” .
  • رعايته صلى الله عليه وسلم في التعليم الاعتدال والبعد عن الإملال : وكان صلى الله عليه وسلم يتعهّد أوقات أصحابه وأحوالهم في تذكيرهم وتعليمهم ، لئلا يملوا ، وكان يراعي في ذلك القصد والاعتدال .
  • إجابته صلى الله عليه وسلم السائل عما سأل عنه ، أو بأكثر مما سأل عنه ، أو إلى غير ما سأل عنه .
  • تعليمه صلى الله عليه وسلم بالسكوت والإقرار على ما حدث أمامه .
  • امتحانه صلى الله عليه وسلم العالم بشيئ من العلم ، ليقابله بالثناء عليه إذا أصاب .
  • تأكيده صلى الله عليه وسلم التعليم بالقسم .
  • تكراره صلى الله عليه وسلم القول ثلاثاً لتأكيد مضمونه .
  • تعليمه صلى الله عليه وسلم بالوعظ والتذكير .
  • تعليمه صلى الله عليه وسلم بالترغيب والترهيب .
  • تعليمه صلى الله عليه وسلم بالقصص وأخبار الماضين .
  • اهتمامه صلى الله عليه وسلم بتعليم النساء ووعظهن .
  • التعليم بذاتيته الشريفة صلى الله عليه وسلم .

الرفق واللطف :

قال النبى صلى الله عليه وسلم : ” إن الله رفيق ، يحب الرفق في الأمر كله ” [4] ، وفي صحيح مسلم : ” إن الرفق لا يكون في شيئ إلا شانه ولا ينزع من شيئ إلا شانه ” [5] . ويقول أنس خادم النبى صلى الله عليه وسلم :  كان رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحسن خلقا فأرسلنى يوماً لحاجة ، فقلت : لا والله لا أذهب ، وفي نفسي أن أذهب لما أمرني به نبي الله صلى الله عليه وسلم . فخرجت حتى أمر على صبيان وهم يلعبون في السوق ، فإذا رسول الله قد قبض بقفاي من ورائي . قال : فنظرت إليه وهو يضحك ، فقال : يا أنيس ! أذهبت حيث أمرتك ؟ قال :  قلت : نعم ، أنا أذهب يا رسول الله ! ومن رفقه صلى الله عليه وسلم ما ذكره عبد الله ابن جعفر بن أبي طالب حيث قال : ثم مسح على رأسي ثلاثاً [6] .

التواضع :

مما ينبغي على المعلم أن يتواضع لطلابه ، فيرعى حال ضعيفهم ، وقد يخصه بمزيد بيان وشرح ووقت . قال أبو رفاعة : انتهيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يخطب قال ، قلت : يا رسول الله ! رجل غريب جاء يسأل عن دينه لا يدرى ما دينه ؟ قال : فأقبل عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وترك خطبته حتى انتهى إلي ، فأتى بكرسي حسبت قوائمه حديداً ، قال فقعد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعل يعلمني مما علمه الله ، ثم أتى خطبته ، فأتم آخرها [7] .

التريث في الإجابة عن السؤال :

قال الله تعالى في سورة الإسراء : ” وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ كُلُّ أُولـٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً ” ، وكذلك جاء في الحديث ، سأل جابر بن عبد الله فقال : يا رسول الله ! كيف أصنع في مالي ؟ كيف أقضي في مالي ؟ فلم يجبني بشيئ حتى نزلت آية المواريث [8] . وكذلك جاء في الحديث جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله ! أي البلدان شر ؟ فقال : لا أدري حتى أسأل ربي ، فلما أتاه جبريل عليه السلام قال : يا جبريل ! أي البلدان شر ؟ [9] .

كيفية التعامل مع المخطئين والمقصرين :

ولما كان القصور والخطأ والجهل أمراً معهوداً في الأبناء والطلاب فإننا نتساءل كيف تعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع أمثال هذه الأحوال ، وفي هذه الأمثلة نقرأ الإجابة ونستلهم المنهج . تقول عائشة رضي الله عنها : ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً قط بيده ولا امرأةً ولا خادماً إلا أن يجاهد في سبيل الله [10] . لما تخلف كعب بن مالك عن غزوة تبوك ، ولما رجع النبي صلى الله عليه وسلم من غزوته جاءه كعب فيقول : فجئته فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب . وبينما هو في المسجد دخل أعرابي فقام يبول في المسجد ، فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : مه مه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تزرموه ، دعوه فتركوه حتى بال . ثم إن رسول الله دعاه فقال له : إن هذه المساجد لا تصلح لشيئ من هذا البول ولا القذر ، إنما هي لذكر الله عز وجل والصلاة وقراءة القرآن [11] . وفي رواية الترمذي أنه قال لأصحابه : إنما بُعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين .

وقصة الشباب الذي جاء يستأذن رسول الله بالزنا فزجره الصحابة رضي الله عنهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ادنه ، فدنا منه قريباً ، قال فجلس قال : أتحبه لأمك ؟ قال : لا والله ، جعلني الله   فداءك ، قال : ولا الناس يحبونهم لأمهاتهم ، قال أفتحبه لابنتك ؟ اللهم اغفر ذنبه وطهر قلبه وحصن فرجه [12] .

وختاماً أقول كان النبي صلى الله عليه وسلم معلماً مؤدباً ومهذباً ولا يوجد في الدنيا كنظيره ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم ماهراً في كل فن ، وكان أسلوب تعليمه وكيفيته ممثلاً ، لأن كان خلقه خلقاً  عظيماً ، لذلك يجب على كل معلّم أن يتخذ أسلوب تعليمه كأسلوب النبي صلى الله عليه وسلم ومنهج تعليمه النبي صلى الله عليه وسلم .

* جامعة علي جرا ه الاسلامية ، أترا برديش ( الهند ) .

[1] رواه مسلم برقم 537 .

[2] رواه مسلم برقم 537 .

[3] رواه أبو داود برقم 931 .

[4] رواه البخاري برقم 6927 من حديث عائشة رضي الله عنها .

[5] رواه مسلم برقم 2594 .

[6] رواه أحمد في المسند برقم 1763 .

[7] رواه مسلم برقم 876 من حديث أبي رفاعة .

[8] رواه البخاري برقم 6723 من حديث جابر ، ونحوه في مسلم برقم 1616 .

[9] رواه أحمد في المسند برقم 16302 من حديث جبير بن مطعم .

[10] رواه مسلم برقم 2328 من حديث عائشة رضي الله عنه .

[11] رواه مسلم برقم 285 من حديث أنس .

[12] رواه أحمد برقم 21708 من حديث أبي أمامة كأ .