قضايا معاصرة هامة من مفطرات الصوم

المذهب الحنبلي : مصادره ومراجعه
مارس 15, 2022

الفقه الإسلامي :

قضايا معاصرة هامة من مفطرات الصوم

أ . د . المفتي محمد مصطفى عبد القدوس الندوي *

ومما لا شك فيه أن الصوم ركن عظيم مهمّ جدّاً من أركان الإسلام الخمسة الرئيسة المتينة ، هو عبارة عن كفّ النفس من الأكل والشرب والجماع من طلوع الفجر إلى غروب الشمس . والأكلُ والشربُ معناهما معلوم معروف لدى الناس ، ويعرف كل منهم مرادهما المتبادر ومفهومهما العام الشائع ، والمعلوم أنه لا يصل إلى بطن الإنسان من المأكولات والمشروبات أساسياً إلا بمنفذ فطري عادي ، وهو طريق    حلقه ، وبالنظر إلى ذلك اجتهد الفقهاء ووسّعوا إطار معنى الأكل والشرب ، وجعلوا ما يصل إلى جوف المعدة وجوف الدماغ عن طريق المنافذ الفطرية ناقضاً للصوم .

وفي تلك الخلفية نفسها تعرض الفقهاء الأقدمون لموضوع فساد الصوم وعدم فساده بدخول أشياء في الجسم من منافذ الأنف والأذن والعين والسبيلين ، واختلفوا في بعض الصور منها ، وفرّقوا عموماً بين المنفذ الفطري والمنفذ الغير الفطري العادي ، كما أنهم راعوا أيضاً أن ما يدخل في البطن ، هل هو يستقر فيه أم لا ؟ ثم تحدثوا أيضاً في تعيين المراد عن الأعضاء المجوفة ، وفي الواقع أن هذا الموضوع يتعلق بعلم الطب والتشريح أيضاً إلى حد ، فمثلاً أن الأطباء الأقدمين يجعلون الدماغَ جوفاً ؛ فلعل الفقهاء ذكروا جوف الدماغ وجوف البطن في تلك الخلفية ؛ ولكن الطب الجديد والعلم الطبيعي كليهما يقولان بعدم وجود شيئ يقال له جوف الدماغ ، يعني ليس في داخل الدماغ جزء مجوف يدخل فيه شيئ ويستقر .

وقد جاء الرقي في العلم الطبي والاختراعات والاكتشافات في طريق التداوي بمشاكل وقضايا فقهية معاصرة ، يحتاج إلى تأمل عميق في ضوء الكتاب والسنة واجتهادات السلف الصالح ، والقواعد التي وضعوها لاستتباط الأحكام .

ومن مثل تلك القضايا الفقهية المستجدة والمشكلات الحديثة :

(1) استخدام الدواء بوضعه تحت اللسان مضغوطة :

هناك توجد اليوم بعض الأدوية المتصلة بالأمراض القلبية ، التي لا تُبلع ولا تُؤكل ؛ بل توضع تحت اللسان مضغوطةً ، فهل يفسد الصوم إذا فعله الصائم مع أنه احتاط واجتنب من ابتلاع الدواء وأن لا يتسرّب إلى الحلق شيئ من أجزاء الدواء ويدخل فيه حتى لا يصل إلى الجوف شيئ منها مختلطاً مع الريق أيضاً ؟

حكم هذا النوع شرعاً أنه لا يفسد الصوم ، إلا إذا وجد الصائم طعمه في حلقه ، كذلك لا يفسد بالأقراص العلاجية التي توضع تحت اللسان لعلاج الذبحة الصدرية إذا اجتنب ابتلاع ما نفذ إلى الحلق ، كما نصّ الفقهاء في مسألة لحمٍ مِثلَ سمسمة وجده الصائم بين أسنانه ؛ فمضغه بحيث تلاشت في فمه ، ولا يدري أنه دخل في الجوف ، أو بقي في ناحية من نواحي الفم ، إلا أنه يجد الطعم في حلقه ، يفسد صومه عند الحنفية . ( الدر المختار ورد المحتار : 3 /394 ، ط : زكريا ، ديوبند – الهند ) . قال المحقق ابن عابدين الشامي رحمه الله : ” الْفِطْرَ إنَّمَا نِيطَ بِمَا يَدْخُلُ أَوْ بِالْقَيْئ عَمْدًا ” . ( رد المحتار : 3/394 ) .

كذلك يحكم بفساد الصوم على قول المالكية والشافعية والحنابلة أيضاً ؛ فقال الإمام مالك رحمه الله : ” إنْ كَانَ يَصِلُ إلَى حَلْقِهِ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : وَلا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَصِلْ إلَى حَلْقِهِ فَلا شَيْئ عَلَيْهِ . ( المدونة الكبرى : 1/177 ) . وفي الموسوعة الفقهية الكويتية نقلاً عن جواهر الإكليل : ” وَالْمَذْهَبُ : أَنَّ الْوَاصِل إِلَى الْحَلْقِ مُفَطِّرٌ وَلَوْ لَمْ يُجَاوِزْهُ ، إِنْ وَصَل إِلَيْهِ ” . ( الموسوعة الفقهية الكويتية : 28/36 ، معزيا إلى جواهر الإكليل 1/149 ) .

وقال الإمام أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي          ( المتوفى : 676هـ ) : ” أَنَّهُمْ جَعَلُوا الْحَلْقَ كَالْجَوْفِ فِي بُطْلانِ الصَّوْمِ بِوُصُولِ الْوَاصِلِ إِلَيْهِ ” . ( روضة الطالبين : 2/356 ) .

وقال العلامة ابن قدامة المقدسي الحنبلي ( المتوفى : 620هـ ) :      ” فَأَمَّا الْكُحْلُ ، فَمَا وَجَدَ طَعْمَهُ فِي حَلْقِهِ ، أَوْ عَلِمَ وُصُولَهُ إلَيْهِ ، فَطَّرَهُ ، وَإِلا لَمْ يُفَطِّرْهُ . نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ” . ( المغني : 4/353 ) . وفي الإنصاف مع المقنع ( 7/409 ) : ” هذا المذهب وعليه الأصحاب ” .

وإذا لم يجد الصائم طعم الدواء في حلقه ، لا يفسد الصوم على قولهم اتفاقاً ؛ بما روت عائشة رضي الله عنها أنها قالت : قال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” إِنَّمَا الإِفْطَارُ مِمَّا دَخَلَ وَلَيْسَ مِمَّا خَرَجَ ” ( أخرجه ابن شيبة في مصنفه : 6/216 ، برقم : 9411 ، تحقيق : الشيخ عوامة ، وأبو يعلي الموصلي في مسنده : 8/75 ، برقم : 4602 ، وقال المحقق : حكم حسين سليم أسد : إسناده ضعيف . وقال الهيثمي : رواه أبو يعلي ، وفيه : من لم أعرفه . ( مجمع الزوائد ، باب : القبلة والمباشرة للصائم : 3/390 ) . وكذا رويت آثار بعض الصحابة ، منهم ابن مسعود وابن عباس وعكرمة رضي الله عنهم . ( صحيح البخاري الصوم ، بَابُ الحِجَامَةِ وَالقَيْئ لِلصَّائِمِ : 1/260 ، مصنف عبد الرزاق ، بَابُ مَنْ قَالَ لا يُتَوَضَّأُ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ ، رقم : 658 ، السنن الكبرى للبيهقي : 4/361 ، نصب الراية للزيلعي : 2/454 ) .

(2) استخدام آلة التنفس (INHALER) في الصوم :

من يصيبه مرض التنفس ؛ فإنه يحتاج أحياناً إلى استخدام آلة التنفس ( INHALER ) عن طريق القصبة الهوائية استنشاقاً يصل إلى الرئة لا إلى المعدة ، علماً بأنه يخرج من الهواء معه دواء يابس أبيض ، ويصل إلى الرئة قليل من أجزائه للغاية كالمسحوق في أكثر الأوقات ، وإنه ولو يتحقق إيصاله بطريق الحلق ؛ لكن لا يدخل المعدة بل يذهب إلى الرئة مباشراً ، فهل يصح استعماله للصائم ؟

لا يصح استعماله شرعاً للصائم ، فإن استعمله أفسد صومَه ؛ لأنه يخرج معه الهواء معه دواء يابس بصورة مسحوق ويترآى للناظر أبيض ذا جرم واضحاً كالدخان ، يوصله الصائم إلى الرئة ، واعتبر الفقهاء الدخانَ ممّا يُفطر الصومَ لو أدخله الصائم حلقه ، أي دخان كان ، ولو كان عوداً ، أو عنبراً ، وكان ذاكراً لصومه ؛ لأنه كان يمكن الاحتراز عنه . ( الدر المختار ورد المحتار : 3/366 ) ؛ فقال العلامة المحقق ابن عابدين الشامي : ” لَوْ تَبَخَّرَ بِبَخُورٍ وَآوَاهُ إلَى نَفَسِهِ وَاشْتَمَّهُ ذَاكِرًا لِصَوْمِهِ أَفْطَرَ لإِمْكَانِ التَّحَرُّزِ عَنْهُ وَهَذَا مِمَّا يَغْفُلُ عَنْهُ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ ، وَلا يُتَوَهَّمُ أَنَّهُ كَشَمِّ الْوَرْدِ وَمَائِهِ وَالْمِسْكِ لِوُضُوحِ الْفَرْقِ بَيْنَ هَوَاءٍ تَطَيَّبَ بِرِيحِ الْمِسْكِ وَشِبْهِهِ وَبَيْنَ جَوْهَرِ دُخَانٍ وَصَلَ إلَى جَوْفِهِ بِفِعْلِهِ ” . ( رد المحتار : 3/366 ) .

ويفسد الصوم باستخدام آلة التنفس على قول المالكية والشافعية والحنابلة أيضاً ، كما صرّح المالكية بفساد الصوم ووجوب القضاء بإيصال البخور وبخار القدر للحلق باختياره ؛ فيقول العلامة الدسوقي :     ” ( قَوْلُهُ فَمَتَى وَصَلَ ) أَيْ دُخَّانُ الْبَخُورِ أَوْ بُخَارُ الْقِدْرِ لِلْحَلْقِ وَجَبَ الْقَضَاءُ أَيْ ؛ لأَنَّ دُخَانَ الْبَخُورِ وَبُخَارَ الْقِدْرِ كُلٌّ مِنْهُمَا جِسْمٌ يَتَكَيَّفُ بِهِ الدِّمَاغُ وَيَتَقَوَّى بِهِ أَيْ تَحْصُلُ لَهُ قُوَّةٌ كَاَلَّتِي تَحْصُلُ لَهُ مِنْ الأَكْلِ وَاعْلَمْ أَنَّ مَحَلَّ وُجُوبِ الْقَضَاءِ بِوُصُولِ الْبَخُورِ وَبُخَارِ الْقِدْرِ لِلْحَلْقِ إذَا وَصَلَ بِاسْتِنْشَاقٍ سَوَاءٌ كَانَ الْمُسْتَنْشِقُ صَانِعَهُ أَوْ غَيْرَهُ ، وَأَمَّا لَوْ وَصَلَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا لِلْحَلْقِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ فَلا قَضَاءَ لا عَلَى الصَّانِعِ وَلا عَلَى غَيْرِهِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ ” . (حاشية الدسوقي مع الشرح الكبير : 1/525 ) .

وقال الإمام أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي          ( المتوفى : 676هـ ) : ” مِنْ قُيُودِ الْمُفْطِرِ وُصُولُهُ بِقَصْدٍ ، فَلَوْ طَارَتْ ذُبَابَةٌ إِلَى حَلْقِهِ ، أَوْ وَصَلَ غُبَارُ الطَّرِيقِ ، أَوْ غَرْبَلَةُ الدَّقِيقِ إِلَى جَوْفِهِ ، لَمْ   يُفْطِرْ ” . ( روضة الطالبين : 2/259 ) .

وقال الفقيه الحنبلي العلامة ابن قدامة المقدسي ( المتوفى :   620هـ ) : ” ويفطر بكل ما أدخله إلى جوفه أو مجوف في جسده كدماغه وحلقه ونحو ذلك مما ينفد إلى معدته إذا وصل باختياره وكان مما يمكن التحرز منه ” . ( الشرح الكبير مع المقنع : 7/411 ) .

وأما القول : ” إن الدواء يصل إلى الرئة مباشرة ولو كان يتمُّ إيصاله بطريق الحلق لكن لا يدخل المعدة ” . فإنه أبعد من الصواب عقلاً في الواقع ؛ لأنه من المسلّمات أن الدواء يدخل بطريق الحلق ، وما يدخل بطريقه يصل إلى المعدة لازماً ، كما يذهب إلى الرئة ، كما قال ملك العلماء العلامة الكأساني : ” الْوُصُول إلَى الْجَوْفِ مِنْ الْمَخَارِقِ الأَصْلِيَّةِ مُتَيَقَّنٌ بِهِ ” . ( بدائع الصنائع : 2/243 ) .

وقد سبقت النصوص الفقهية من كتب المذاهب الأربعة المُتّبعة ، التي تدلّ على فساد الصوم بالوصول للحلق من الخارج ، حتى وُجد الطعم فيه يفسد الصوم ، وجعلوا وجود الطعم في الحلق أصلاً في كل قليل مضغه ، وتقدم حديث عائشة رضي الله عنها مرفوعاً : ” إِنَّمَا الإِفْطَارُ مِمَّا دَخَلَ وَلَيْسَ مِمَّا خَرَجَ ” ، وآثار الصحابة ، أي عبد الله بن مسعود ، وابن عباس ، وعكرمه رضي الله عنهم مثله . ولما ثبت من قول النبي ” بَالِغْ فِي الاسْتِنْشَاقِ إِلا أَنْ تَكُونَ صَائِماً ” . ( أخرجه أبو داود في الطهارة ، باب في الاستنثار ، برقم : 142 ، وفي الصوم ، باب الصائم يصب عليه الماء من العطش ويبالغ في الاستنشاق ، برقم : 2366 ، والترمذي ، باب ما جاء في كراهية مبالغة الاستنشاق للصائم ، برقم : 788 ، كلهم عن لقيط بن صبرة ، وقال الترمذي : ” هذا حديث حسن صحيح ” ، والنسائي ، الْمُبَالَغَةُ فِي الاسْتِنْشَاقِ ، برقم : 87 ، وابن ماجة ، الْمُبَالَغَةُ فِي الاسْتِنْشَاقِ وَالاسْتِنْثَارِ ، برقم : 407 ، وابن خزيمة في صحيحه ، بَابُ الأَمْرِ بِالْمُبَالَغَةِ فِي الاسْتِنْشَاقِ إِذَا كَانَ الْمُتَوَضِّئُ مُفْطِراً غَيْرَ صَائِمٍ ، برقم : 150 ، وابن حبان في صحيحه ، برقم : 1087 ، والحاكم في المستدرك ، برقم : 7094 ، وقال : هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الإِسْنَادِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ ، ووافقه الذهبي بقوله : ” صحيح ” ) . فاستثنى الصائم من ذلك مخافةً أن يصل الماء إلى حلقه أو معدته بالمبالغة في الاستنشاق فيفسد الصوم ؛ فدلّ الحديث على أن كل ما وصل إلى الجوف اختياراً يفطر الصائم .

(3) انتزاع البخار في الصوم :

وبعض الأدوية تؤخذ بطريق البخار ، وطريقته الساذجة القديمة للاستعمال أن يلقى الدواء في الماء المغلى الحارّ ، وينزع بخاره من الفم أو يُسعَط بالأنف ، وقد تمّ اكتشاف بعض طرق حديثة علمية اليوم لتحقيق هذا الهدف ، فهل يصح انتزاع البخار للصائم بمثل هذا الطريق ؟ وما يترتب أثره على الصوم ؟

لا يجوز للصائم شرعاً أن ينزع البخار من الفم أو يسعطه بالأنف ، وإن فعله ، يفسد صومه على مذهب الحنفية والمالكية والحنابلة ، فقال العلامة علاء الدين الحصكفي والمحقق ابن عابدين الشامي : ” لَوْ أَدْخَلَ حَلْقَهُ الدُّخَانَ ، أَيْ بِأَيِّ صُورَةٍ كَانَ الإِدْخَالُ أَفْطَرَ ” . ( الدر المختار ورد المحتار : 3/366 ) .

وقال العلامة المحقق عليش المالكي : ” اعلم أن محل القضاء بوصول البخور وبخار القدر للحلق إذا وصل باسنتنشاق ” . ( حاشية عليش بهامش حاشية الدسوقي : 2/153 ) .

وقال الفقيه الحنبلي العلامة ابن قدامة المقدسي ( المتوفى :   620هـ ) : ” يُفْطِرُ بِكُلِّ مَا أَدْخَلَهُ إلَى جَوْفِهِ ، أَوْ مُجَوَّفٍ فِي جَسَدِهِ كَدِمَاغِهِ وَحَلْقِهِ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يَنْفُذُ إلَى مَعِدَتِهِ ، إذَا وَصَلَ بِاخْتِيَارِهِ ، وَكَانَ مِمَّا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ ، سَوَاءٌ وَصَلَ مِنْ الْفَمِ عَلَى الْعَادَةِ ، أَوْ غَيْرِ الْعَادَةِ كَالْوَجُورِ وَاللَّدُودِ ، أَوْ مِنْ الأَنْفِ كَالسَّعُوطِ ” . ( الشرح الكبير مع المقنع : 7/411 ، المغني : 4/353 ) .

(4) حكم أخذ الحقنة للصائم :

أخذ الحقنة صورة من صور إيصال الدواء إلى داخل الجسم في العصر الراهن ، وتعطى الحقنة في الأعضاء المختلفة للبدن ، ويوصل الدواء إلى أي جزء مخصوص منه وإلى العروق أيضاً حتى يسري في الجسم كله مع دوران الدم ، وبعض الحقن تقضي حاجة الدواء فقط ، وبعضها تقضي الحاجة الغذائية للجسم أيضاً ، فهنا ينشأ سؤال أن استعمال الإبر وإيصال الدواء أو الغذاء بها للجسم يُفسد الصومَ أم لا ؟ أو هناك تفصيل في هذا المضمار ؟

نعم ، فيه تفصيل ، وهو على ما يأتي :

(1)  حكم أخذ الحقنة الدوائية في اللحم للصائم :

والمعلوم أن الحقنة الدوائية تؤخذ في اللحم تحت الجلد عموماً ، فإن أخذها الصائم في حال الصوم ، فلا تُفطر صومَه ؛ لأن دواء الحقنة لا يصل إلى المعدة ؛ بل يتحلل في اللحم ويتلاشى ، وعلى أساس أن كان يصل إلى المعدة ، فيصل إليها شيئاً فشئياً بطريق مسام الجسد ، وذلك لا يفطر الصوم ؛ لأن ما يصل إليها ، هو أثر الدواء لا عينه ، كما نص الفقهاء عن الماء والدهن بعدم الإفطار إذا دخلا في الجسم من غير    المنافذ ، فيقول ملك العلماء العلامة الكأساني : ” لَوْ دَهَنَ رَأْسَهُ أَوْ أَعْضَاءَهُ فَتَشَرَّبَ فِيهِ أَنَّهُ لا يَضُرُّهُ لأَنَّهُ وَصَلَ إلَيْهِ الأَثَرُ لا الْعَيْنُ ” . ( بدائع الصنائع : 2/93 ، انظر أيضاً : البحر الرائق لابن نجيم المصري :   2/273 ) . وقال الفقيه سراج الدين عمر بن إبراهيم بن نجيم الحنفي       ( ت 1005هـ ) معللاً بعدم فساد الصوم : ” لأن الموجود في حلقة أثر داخل من المسام الذي هو خلل البدن والمفطر إنما هو الداخل من المنافذ للاتفاق على أن من اغتسل في ماء فوجد برده في باطنه أنه لا يفطر ” . ( النهر الفائق شرح كنز الدقائق : 2/17 ) .

وقال العلامة الدسوقي المالكي متحدثاً عن عدم فساد الصوم :   ” مَنْ حَكَّ رِجْلَهُ بِحَنْظَلٍ فَوَجَدَ طَعْمَهُ فِي حَلْقِهِ أَوْ قَبَضَ بِيَدِهِ عَلَى ثَلْجٍ فَوَجَدَ الْبُرُودَةَ فِي حَلْقِهِ ” . ( حاشية الدسوقي : 2/53 ) .

وقال الإمام أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي الشافعي ( المتوفى : 676هـ ) : ” وَلَوْ طَلَى رَأْسَهُ أَوْ بَطْنَهُ بِالدُّهْنِ فَوَصَلَ جَوْفَهُ بِشُرْبِ الْمَسَامِّ ، لَمْ يُفْطِرْ ، لأَنَّهُ لَمْ يَصِلْ مِنْ مَنْفَذٍ مَفْتُوحٍ ، كَمَا لا يُفْطِرُ بِالاغْتِسَالِ وَالانْغِمَاسِ فِي الْمَاءِ وَإِنْ وَجَدَ لَهُ أَثَرًا فِي بَاطِنِهِ ” . ( روضة الطالبين : 2/358 ) .

وصول الدواء بمسام الجسد إلى المعدة مشكوك لا متيقن ولا غالب الظن الذي يقوم مقام اليقين في الأحكام ، ومن المعلوم المعروف في أوساط العلماء أن الأحكام لا يكون بناؤها على الشك ، والقاعدة الفقهية الكلية الكبرى أن : ” اليقين لا يزول بالشك ” ( الأشباه والنظائر لابن نجيم المصري : 1/60 ) . وفي القضية المبحوث فيها أن عدم وصول الدواء إلى المعدة ثبتت باليقين ، كذلك يقع الشك في وصول الدواء إلى المعدة باستخدام الحقنة الدوائية ، ونصّ الفقهاء أن الأصل ” بقاء ما كان على ما كان ” ( الأشباء والنظائر لابن نجيم المصري : 1/61 ) ، حتى يعارضه دليل أقوى منه ، أو يساويه في القوة .

(2) أخذ الحقنة في أصل الضرس :

وفي بعض الأحيان تعطى الحقنة في أصل الضرس عند قلع السن ، فذلك لا يفطر الصوم أيضاً إذا لم يدخل ما خرج من الدم في حلق الصائم ؛ لأن دواء الحقنة لا يصل إلى المعدة بالحلق ولا بمسام الجسد ؛ بل يتلاشى في الضرس ، فيصير ذلك الموضع المأخوذ فاقد الشعور بتأثيره ، فمن يقلع ضرسه لا يصيبه الأذى بالقلع ولا يشعر بشيئ من الألم .

(3) حكم أخذ الحقنة الشرجية للصائم :

الحقنة الشرجية التي يحتقن بها المريض وهو صائم ، اختلف في حكمها العلماء ؛ فذهب بعضهم إلى أنها ليست مفطرةً ، وممن قال بذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وجمعٌ من أهل العلم ؛ لعدم مشابهتها للأكل والشرب . وقال بعضهم : إنها مفطرة بناء على كل ما يصل إلى الجوف فهو مفطر . ( تحفة الإخوان بأجوبة مهمة تتعلق بأركان الإسلام للشيخ ابن باز ، ص : 182 ) ، نداء الريان في فقه الصوم وفضل رمضان للدكتور سيد حسين العفّان ، ص : 122 ، 280 ) . هذا هو الصحيح بما يؤيّده حديث عائشة السالف مرفوعاً : ” إِنَّمَا الإِفْطَارُ مِمَّا دَخَلَ وَلَيْسَ مِمَّا خَرَجَ ” .

(4) حكم أخذ الحقنة في العروق والعضلات والوريد واللحم ووجود طعمها في الحلق :

لا يفسد الصوم إذا احتقن الصائم بالإبر في عروقه ، أو في عضلاته أو في وريده ؛ لأن هذا ليس بأكل ولا شرب ، ولا بمعنى الأكل والشرب ، ثم لم يدخل في جوفه شيئ من الدواء ؛ بل يبقى فيها جارياً حتى لا يتلاشى فيها . وعلى هذا : فالإبر في العضلات أو في العروق أو في الوريد لا تفطر الصوم حتى لو أحس الصائم بطعمها في حلقه ؛ لأنه ما أحسّ في حلقه فهو أثر الدواء لا عينه ، ومن المعلوم أن الصوم لا يفسد بدخول أثر الدواء بل يفسد بدخول عينه في حلقه .

هناك حقنة دوائية تؤخذ في لحم اليد ويجد الصائم طعمها المرّ في حلقه ، فإنها لا تفطر الصوم أيضاً ؛ لأن مرارة الدواء تصل إلى الحلق بمسامات الجسم ، وذلك أثر الدواء لا عينه ، وسبق أن الصوم لا يفسد إلا بدخول عين الدواء وغيره في حلق الصائم لا بدخول أثره فيه . ( راجع   أيضاً : حاشية الطحاوي على مراقي الفلاح ، ص : 361 ، والبحر الرائق : 2/273 ، وجامع الرموز للقهستاني : 1/158 ، والفتاوى التاتارخانية : 2/368 ) .

وذلك على مذهب الحنفية ، وأما عند غيرهم من المذاهب الفقهية المتّبعة على وجه الأرض ، فوافق الحنفية الشافعية في عدم فساد الصوم ، كما تفيده عبارة الإمام النووي هذه : ” لا يفطر بالاغتسال والانغماس في الماء وإن وجد له أثراً في بطنه ” . ( روضة الطالبين : 2/358 ) . وخالفهم الحنابلة والمالكية ؛ فيقول صاحب الشرح الكبير الحنبلي : ” فأما الكحل ، فإن وجد طعمه في حلقه أو علم وصوله إليه فطّره وإلا لم يفطّره نص عليه أحمد ” . ( الشرح الكبير مع المقنع : 7/412 ) . ويقول الفقيه المالكي أحمد الدردير والدسوقي : ” إذَا كَانَ الْوَاصِلُ لِلْحَلْقِ مِنْ الْمَائِعِ مِنْ الْفَمِ بَلْ ( وَإِنْ ) وَصَلَ لَهُ ( مِنْ أَنْفٍ وَأُذُنٍ وَعَيْنٍ ) كَالْكُحْلِ نَهَاراً فَإِنْ تَحَقَّقَ عَدَمُ وُصُولِهِ لِلْحَلْقِ مِنْ هَذِهِ الْمَنَافِذِ فَلا شَيْئ عَلَيْهِ . إنْ تَحَقَّقَ وُصُولُهُ لِلْحَلْقِ أَوْ شَكَّ فِيهِ أَفْطَرَ ” . ( الشرح الكبير وحاشية الدسوقي : 2/153 ) .

(5) حكم أخذ الإبر المغذية والتقوية للصائم :

الإبر المغذية التي يستغنى بها عن الطعام والشراب لا تفطر  الصائم ، كما أن إبر التقوية لا تفطره أيضاً ؛ لعدم دخول الدواء في  المعدة ، إلا أنها تكره ؛ لأنها تغاير مقصد الصوم الأساسي وتُفوّته ، وهو كسر القوة البهيمية .

(6) الحقنة الدوائية والأنسولين في البطن أصالة :

إن أخذت الحقنة الدوائية في البطن أصالةً ، كما يُفعل بمن عضّه الكلب بأسنانه ، فيفسد الصوم ؛ لأن الدواء وصل إلى جوفه أصالة . والأصل في فساد الصوم دخول شيئ في بطن الصائم ( راجع : جامع الرموز للقهستاني : 1/158 ، والبحر الرائق : 2/379 ، والهندية : 1/204 ) .

وعلى ذلك يفسد الصوم بالأنسولين ، الذي يؤخذ في البطن أيضاً في مرض السكر الشديد .

(5) هل يفطر الغلوكوز صوم الصائم ؟

وفي الطب المعاصر يصعد الغلوكوز لتوفية قلة الملاحة في البدن ولتوفير الطاقة المنشودة من الغذاء ، وبما أن الغلوكوز بديل متناسب للغذاء إلى حد يقل به إحساس الجوع ، ويسلَم به المرء من الوهن والضعف الناتج من الجوع ، فهل يصح استعمال الغلوكوز ؟ فإنه لا يعطى بطريق المنفذ الفطري العادي ؛ لكن لا يتحقق في الإنسان الكيفيةُ الناتجة من ترك الأكل والشرب .

وفي هذه المناسبة تفصيل يحتاج إلى التأمل العميق والنظر الغائر في أمور عديدة :

الأول : أن الغلوكوز لا يصعد في الجسم من المخارق الأصلية .

الثاني : هل يصل الغلوكوز إلى المعدة أم لا ؟

الثالث : أن الغلوكوز فيه صلاحية التغذية ، وهو بديل متناسب للغذاء يقل به إحساس الجوع والعطش ، ومن المعاينة المشاهَد أن المرضى الذين لا يستطيعون أن يتناولوا الطعام من أفواههم ، فيساعد الغلوكوز في أجسامهم لتوقية قلة الملاحة فيها ، ولتوفير الطاقة المقصودة المطلوبة من الغذاء إلى زمان طويل .

فينبغي أن ينظر الحكم الشرعي : إن كان يصل إلى المعدة في الواقع ، يفطر الصوم ويجب به القضاء دون الكفارة ؛ لأن الأكل لا يتحقق صورةً ؛ بل يوجد معنًى فقط ، وهو صلاحية البدن ؛ لأنه لا يصعد في الجسم من المخارق الخلقية الأصلية ، ومن ضوابط الشرع الإسلامي أن الكفارة لا تجب إلا بالفطر صورةً ومعنىً ؛ ففي الأكل الفطر صورةً هو الابتلاع ، ووصول شيئ من طريق المنفذ الفطري أي الفم إلى المعدة أو الدماغ مما يصلح به البدن من غذاء أو دواء . ( رد المحتار : 2/410 ) .

وإن علم بالتحقيق أن الغلوكوز لا يصل إلى المعدة ؛ بل يتلاشى في العروق مع الدم ويتحلل به ،  فلا يفسد الصوم لما سبق الضابط آنفاً .

وحققتُ وسألتُ الأطباء البارعين في هذا الصدد ، فأفادوني أن الغلوكوز لا يصل إلى المعدة ؛ بل يبقى في العروق جارياً مجرى الدم ؛ فبناءً على ذلك : لا بأس باستخدام الغلوكوز في حال الصوم ، ولا يكره للصائم المريض ؛ لأن الوصول إلى الجوف من المخارق الأصلية متيقن به ، ومن غيرها شكوك فيه ؛ فلا نحكم بالفساد مع الشك ( بدائع الصنائع : 2/293 ) . هذا على مذهب الحنفية ، وأما غيره من المذاهب الفقهية المتّبعة في العالم كله ؛ فلا يكون مفسداً للصوم على مذهب المالكية والشافعية والحنابلة أيضاً كما تفيده عباراتهم ونصوصهم التي جاءت في كتبهم المعتبرة ، فيقول الدسوقي المالكي : ” مَا وَصَلَ لِلْمَعِدَةِ إنْ كَانَ مِنْ مَنْفَذٍ عَالٍ فَهُوَ مُفْسِدٌ لِلصَّوْمِ سَوَاءٌ كَانَ مَائِعاً أَوْ غَيْرَ مَائِعٍ ” . ( حاشية الدسوقي على الشرح الكبير : 2/151 ) .

ويقول الإمام أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي الشافعي ( المتوفى : 676هـ ) : ” وَلَوْ طَلَى رَأْسَهُ أَوْ بَطْنَهُ بِالدُّهْنِ فَوَصَلَ جَوْفَهُ بِشُرْبِ الْمَسَامِّ ، لَمْ يُفْطِرْ ، لِأَنَّهُ لَمْ يَصِلْ مِنْ مَنْفَذٍ مَفْتُوحٍ ” . ( روضة الطالبين : 358 ) .

وقال الفقيه الحنبلي العلامة ابن قدامة المقدسي ( المتوفى :   620هـ ) : ” يُفْطِرُ بِكُلِّ مَا أَدْخَلَهُ إلَى جَوْفِهِ ، أَوْ مُجَوَّفٍ فِي جَسَدِهِ كَدِمَاغِهِ وَحَلْقِهِ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يَنْفُذُ إلَى مَعِدَتِهِ ” . ( المغني : 4/353 ، الشرح الكبير مع المقنع : 7/411 ) .

ومن أراد أن يصعد الغلوكوز في جسمه لنيل الطاقة لا للتداوي ، فيكره له الصوم ؛ لأنه يفوّت روح البهيمية ومقصد مشروعيته ، وهو كسر القوة البهيمية وتقليلها ، ولأن ركن الصوم إمساك النفس عن المفطرات من الأكل والشرب والجماع ، والغلوكوز يوفي حاجة الغذاء ويوفر الطاقة المنشودة منه . فينبغي لمن يريد صعود الغلوكوز للتقوية أن يصعده بعد غروب الشمس للتحرر من الكراهة .

وقد عرض على اللجنة – دار الإفتاء – بدولة الكويت الاستفتاء بصدد الجلوكوز ( نوع من السكر ) في الوريد كعلاج أو كمحلول لإذابة الأدوية التي تعطى في الوريد .

فقررت اللجنة بالنسبة لهذا الاستفتاء الإجابة بما يلي :

” إن إعطاء الحقنة الدوائية أو الغذائية من الجلوكوز أو محلول الملح في الوريد لا يفطر ، ولكن يحسن أن لا يتخذ ذلك حيلة لدفع    الجوع ، وذلك لأن المفطر هو ما وصل إلى الجوف أو الدماغ من فتحة طبيعية أو مباشرة . والله أعلم . ( المنتدى – صحيفة حائطية الإسلامية ، بالكويت ، العدد : 282 ،  رمضان 1427هـ ، وزارة الأوقاف والشؤن .

(6) حكم إيصال الدواء في الداخل عن طريق المنفد الخلفي :

ويوصل بعض الأدوية سيالة أو غير سيالة في الداخل عن طريق المنفذ الخلفي في بعض الأمراض ، فهل يفسد الصوم بذلك ؟

نعم ، يفسد الصوم بذلك على مذهب الحنفية والمالكية والشافعية ، كما تفيد عباراتهم الفقهية في كتبهم ؛ فقال العلامة علاء الدين الحصكفي والعلامة ابن عابدين الشامي : ” أَدْخَلَ عُودًا وَنَحْوَهُ ( فِي مَقْعَدَتِهِ . . وَإِنْ غَيَّبَهُ فَسَدَ ، ( قَوْلُهُ : وَإِنْ غَيَّبَهُ ) أَيْ غَيَّبَ الطَّرَفَ أَوْ الْعُودَ بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ مِنْهُ شَيْئ فِي الْخَارِجِ . . . مَا دَخَلَ فِي الْجَوْفِ ، إنْ غَابَ فِيهِ فَسَدَ ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِالاسْتِقْرَارِ ” . ( الدر المختار ورد المحتار : 3/369 ) . وقال الإمام مالك : ” وَإِنْ احْتَقَنَ بِشَيْئ يَصِلُ إلَى جَوْفِهِ فَأَرَى عَلَيْهِ    الْقَضَاءَ ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : وَلا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ ” . ( المدونة الكبرى :  1/177 ) . وقد فرق المالكية بعده بين المائع والجامد ؛ فيقول الدسوقي :  ” مَا وَصَلَ لِلْمَعِدَةِ إنْ كَانَ مِنْ مَنْفَذٍ عَالٍ فَهُوَ مُفْسِدٌ لِلصَّوْمِ سَوَاءٌ كَانَ مَائِعًا أَوْ غَيْرَ مَائِعٍ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ مَنْفَذٍ سَافِلٍ فَلا يَفْسُدُ إلا إذَا كَانَ  مَائِعًا ” . ( حاشية الدسوقي على الشرح الكبير : 2/151 ) . وقال الإمام أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي الشافعي ( المتوفى :  676هـ ) : ” وَالْحُقْنَةُ تُفْطِرُ عَلَى الصَّحِيحِ ” . ( روضة الطالبن : 2/357 ) .

وفي العصر القديم كانت تستخدم الحقنة لتحقيق هذا الغرض ؛ فنص الفقهاء بهذا الخصوص بقولهم : ” إذا احتقن يفسد صومه ” ( فتاوى التاتارخانية : 2/365 ، راجع أيضاً : كنز الدقائق والبحر الرائق : 2/278 ) . كذلك صرح المالكية والشافعية بفساد الصوم ؛ فقال الإمام مالك : ” وَإِنْ احْتَقَنَ بِشَيْئ يَصِلُ إلَى جَوْفِهِ فَأَرَى عَلَيْهِ الْقَضَاءَ ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : وَلا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ ” . ( المدونة الكبرى : 1/177 ) . وقال الإمام أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي الشافعي ( المتوفى : 676هـ ) : ” وَالْحُقْنَةُ تُفْطِرُ عَلَى الصَّحِيحِ ” . ( روضة الطالبن : 2/357 ) . وقال العلامة ابن قدامة : يُفْطِرُ بِكُلِّ مَا أَدْخَلَهُ إلَى جَوْفِهِ . . . أَوْ مَا يَدْخُلُ إلَى الْجَوْفِ مِنْ الدُّبُرِ بِالْحُقْنَةِ ” . ( المغني : 4/353 ، الشرح الكبير مع المقنع : 7/411 ) .

(7) حكم الصوم بوضع المراهم على الدمامل الداخلة في مرض البواسير :

إن المراهم التي توضع على الدمامل الداخلة في مرض البواسير ، إن تيقن وصولها إلى المعدة أو علم وصولها إليها في غالب الظن على الأقل ، فسد الصوم ، وإذا وقع الشك في وصولها إلى الجوف ، لم يفسد . كذلك لا يفسد بوصول أثر المرهم إليه ؛ فيقول ملك العلماء علاء الدين ، أبو بكر بن مسعود بن أحمد الكاساني الحنفي ( المتوفى : 587هـ ) : ” فَلا نَحْكُمُ بِالْفَسَادِ مَعَ الشَّكِّ  . . . لَوْ دَهَنَ رَأْسَهُ أَوْ أَعْضَاءَهُ فَتَشَرَّبَ فِيهِ أَنَّهُ لا يَضُرُّهُ لأَنَّهُ وَصَلَ إلَيْهِ الأَثَرُ لا الْعَيْنُ ” . ( بدائع الصنائع : 2/93 ، راجع أيضاً : البحر الرائق : 2/279 ) .

والدمامل تكون في داخل المقعد ؛ لذا ينبغي أن لا توضع المراهم عليها في النهار احتياطاً ؛ لأنه لا ينكر من الاحتمال للوصول في داخل الجوف . وقد جاء القرار لعلماء الهند وخارجها من دول العالم في الندوة السابعة عشرة لمجمع الفقه الإسلامي بالهند ( عُقدت في الفترة ما بين 28 – 30 من شهر ربيع الأول عام 1429هـ الموافق ما بين 5 – 7 أبريل    2008م ) : لا يفسد الصوم بوضع المراهم على دمامل البواسير ؛ لكن الاحتياط في الاجتناب استعمالها في حال الصوم بدون حاجة شديدة ملحة .

* عميد كلية البحث والتحقيق والإفتاء ، بجامعة العلوم غرها – غجرات .