فعاليات الشيخ أبي الحسن الندوي مع رابطة العالم الإسلامي

عبد العزيز جاويش الشيخ الذي رفض منصب شيخ الإسلام
جنوری 2, 2022

رجال من التاريخ :

فعاليات الشيخ أبي الحسن الندوي مع رابطة العالم الإسلامي

الأخ منهاج محمد *

الهند منذ قديم الزمان أنجبت علماء كثيرةً وفضلاء عديدةً ، ومن أشهر هؤلاء العلماء الذين عاشوا في القرن الماضي الشيخ أبو الحسن الندوي ، فإنه كان عالماً قديراً وداعياً شهيراً وأديباً ماهراً ، أترع الشيخ الندوي رحمه الله المكتبات الإسلامية والثقافية بتأليفاته القيمة حتى فتح له جناح خاص في بعض معارض الكتب العالمية الشهيرة ، كان يملك أسلوباً آسراً في إعداد المواضيع وأدائها ، فانجذب إليه الناس كما ينجذب الحديد إلى المغناطيس ، المسلمون في شبه القارة الهندية كلها يفتخرون بهذه الشخصية الفذة ، وكانت له نشاطات دعوية بناءة في البلدان الإسلامية عامةً وفي الهند خاصةً ، كثير من تلك الفعاليات كان تحت رابطة العالم الإسلامي ؛ حيث كان بينه وبين الرابطة صلة وطيدة منذ تأسيسها ، وهي استمرت على هذا المنوال إلى أن وافته المنية ، شارك الشيخ الندوي في أكثر مشاريع علمية ودعوية أطلقتها الرابطة في حياته ، وتحدث عنه الشيخ الندوي نفسه في سيرته الذاتية ” في مسيرة الحياة ” بالتفصيل ، وتجاربه كشخصية إسلامية شهيرة مع الرابطة تكون بمثابة وثيقة تاريخية تبين لنا حركات الرابطة الدعوية وتأثيرها في المجتمع ، وكذلك يبين لنا مراحل تطورها إلى أن صارت منظمة عالمية ذات تأثير كبير في الحركات الإسلامية والدعوية على المستوى العالمي ، عبر هذا المقال سنتعرف على بعض جولاته العلمية والدعوية مع رابطة العالم الإسلامي مما ذكر عنها في سيرته الذاتية .

نبذة عن الشيخ أبي الحسن الندوي :

ولد الشيخ أبو الحسن الندوي بقرية تكية برائي بريلي في ولاية أترابراديش الهندية  عام1333هـ 1914م ، وتوفي في 31 ديسمبر 1999م الموافق لـ 23 رمضان 1420هـ ، بدأ تعلُّمَه للقرآن الكريم في البيتِ بتعاوِن أمه ، ثم بدأ تعلُّم اللغتَينِ الأردية والفارسية وتُوُفِّي أبوه عام 1341هـ – 1923م وهو لم يزل دون العاشرة ، فتولَّت أمُّه ، وأخوه الأكبُر الدكتور عبد العلي الحسني الذي كان هو الآخَرُ طالباً في كلية الطب بعد دراسته في دار العلوم ندوة العلماء ودار العلوم ديوبند . بدأ تعلُّم العربية على يد الشيخ خليل بن محمد الأنصاري اليماني عام 1342هـ –1924م ، وتخرَّج عليه ، كما استفاد – في دراسة اللغة العربية وآدابها – من عمَّيْهِ الشيخ عزيز الرحمن والشيخ محمد طلحة ، وتوسع فيها وتخصص على يد الأستاذ الدكتور محمد تقي الدين الهلالي عند مقدمه في ندوة العلماء عام 1930م . حضر احتفالَ ندوة العلماء بكانفور عام 1926م ، وشدَّ انتباه المشاركين في الاحتفال بكلامه العربي ، واستعان به بعضُ الضيوفِ العرب في تنقُّلاته خارجَ مقرِّ الحفل . التحق بجامعة لكهنؤ في القسم العربي عام 1927م – وكان أصغرَ طُلاب الجامعةِ سِنّاً – وحصل على شهادة فاضل أدب في اللغة العربية وآدابها من جامعة لكناؤ .

التحق بدار العلوم لندوة العلماء عام 1929م ، وحضَر دروسَ الحديث الشريف للمحدِّث الشيخ حيدر حسن خان – وكان قد دَرَسَ كتاب الجهاد من صحيح مسلم على شيخه خليل الأنصاري – ولازَمَه سنتَيْنِ كاملَتَيِن فقرأ عليه الصحيحين ، وسنن أبي داوود ، وسنن الترمذي ، وقرأ عليه دروساً في تفسير البيضاوي ، وقرأ على شيخه شبلي الجيراجبوري الأعظمي بعض كتب الفقه .

قرأ على شيخه خليل الأنصاري طرفاً من التفسير ، ثم تلقَّى دروساً في التفسير من الشيخ عبد الحي الفاروقي ، وحضر دروس البيضاوي للمحدث الشيخ حيدر حسن خان ، ودَرَسَ التفسير لكامل القرآن الكريم – حسب المنهج الخاص للمتخرجين من المدارس الإسلامية – على الشيخ أحمد علي اللاهوري في لاهور عام 1351هـ – 1932م . وأقام عند الشيخ حسين أحمد المدني عام 1932م في دار العلوم ديوبند عدة أشهر ، وحضر دروسَه في صحيح البخاري وسنن الترمذي ، واستفاد منه في التفسير وعلوم القرآن الكريم أيضاً ، كما استفاد من الشيخ إعزاز علي في الفقه ، ومن المقرئ أصغر علي في التجويد على رواية حفص .

تَعيَّن مُدَرِّساً في دار العلوم لندوة العلماء عام 1934م ، ودرَّس فيها التفسير والحديث ، والأدب العربي وتاريخه والمنطق عشر سنوات ، استفاد من الصُّحف والمجلات العربية الصادرة في البلاد العربية – والتي كانت تصل إلى أخيه الأكبر ، أو إلى دار العلوم ندوة العلماء – مما عرَّفَه على البلدان العربية وأحوالها ، وعلمائها وأدبائها ومفكِّريها . وبدأ يتوسع في المطالعة والدراسة – خارجاً عن نطاق التفسير والحديث والأدب والتاريخ أيضاً – منذ عام 1937م ، واستفاد من كتب المعاصرين من الدعاة والمفكرين العرب ، وفضلاء الغرب ، والزعماء السياسِيِّينَ .

قام برحلة استطلاعية للمراكز الدينيَّة في الهند عام 1939م تعرَّف فيها على عبد القادر الراي فوري والداعية محمد إلياس الكاندهلوي ، وبقي على صلة بهما ، فتلقَّى التربيةَ الروحيةَ من الأول وتأسَّى بالثاني في القيام بواجبِ الدعوة وإصلاح المجتمع ، فقضى زمناً في رحلات دعوية متتابعة للتربية والإصلاح والتوجيه الديني على منهجه ، واستمرت الرحلات الدعوية – على اختلاف في الشكل والنظام – إلى مرض وفاته في ذي الحجة عام 1420هـ [1] .

نبذة عن رابطة العالم الإسلامي :

رابطة العالم الإسلامي منظمة إسلامية عالمية شهيرة ، مقرها بمكة المكرمة بـالمملكة العربية السعودية ، وهي تقوم بالدعوة للإسلام وشرح مبادئه وتعاليمه ، تأسست عام 1962م ونشأت بموجب قرار صدر عن مؤتمر العالم الإسلامي الذي عقـد بمكة المكرمة في 14 ذو الحجة1381هـ الموافق 18 مايو 1962م ، وقد روعي اختيار أعضاء المجلس التأسيسي للرابطة بأن يمثل مختلف الشعوب الإسلامية بالعلماء الذين يترأسون على القطاعات الإسلامية في بلادهم ، كما وضع المؤتمر صيغةً مبدئيةً تكون نواةً لنظام الرابطة ، والذي تم رسمياً في المؤتمر الإسلامي للعام الثاني الذي عُقد في مكة المكرمة في الخامس عشر من شهر ذي الحجة1384هـ الموافق السابع عشر من أبريل 1965م ، وتستخدم في سبيل تحقيق أهدافها الوسائل التي لا تتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية . وتمثل الرابطة في كل من :

  • هيئة الأمم المتحدة بصفة عضو مراقب بالمجلس الاقتصادي والاجتماعي بين المنظمات الدولية غير الحكومية ذات الوضع الاستشاري .
  • منظمة التعاون الإسلامي بصفة مراقب ؛ تحضر مؤتمرات القمة ، ومؤتمرات وزراء الخارجية ، وجميع مؤتمرات المنظمة .
  • منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة ( اليونسكو ) بصفة عضو .
  • منظمة الطفل العالمية ( اليونيسيف ) بصفة عضو .
  • المجلس الإسلامي العالمي للدعوة والإغاثة IICDR بصفة عضو .
  • المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بصفة عضو .

ومن أهداف الرابطة :

  • تبليغ رسالة الإسلام ونشرها في جميع أنحاء العالم .
  • شرح مبادئ الإسلام وتعاليمه .
  • دحض المفتريات والشبهات عن الإسلام .
  • دعم التضامن الإسلامي .
  • خدمة قضايا العالم الإسلامي [2] .

مسيرة الشيخ أبي الحسن الندوي مع رابطة العالم الإسلامي :

تبدأ رحلة الشيخ الندوي مع الرابطة منذ تأسيسها في سنة ١٩٦٢م ، وكان الشيخ الندوي أتى إلى السعودية ملبياً لدعوة من الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة للمشاركة في جلستها الاستشارية الأولى ، وقبل حضوره في الجلسة ذهب الشيخ الندوي إلى مكة المكرمة لأداء الحج ، بينما هو ينتظر الحج وجهت إليه دعوة من قبل أحد أعيان مكة المكرمة الشيخ محمد صالح القزاز [3] للحضور في مؤتمر إسلامي يعقد بتاريخ ١٤ ذي الحجة في القصر الملكي مع حضور الملك سعود ، وانعقدت الحفلة مع حضور كبار الشخصيات من العلماء والدعاة والملوك والأمراء من مختلف أنحاء العالم ، وقد أسست هناك منظمة إسلامية عالمية باسم رابطة العالم الإسلامي ، واختير الشيخ الندوي كأحد من الأعضاء المؤسسين ، فمن هنا شرعت صفحة جديدة في حياة الشيخ الندوي مع هذه المنظمة المباركة ، وذلك وهو في عمر ٤٨ ، منذ هذا اليوم كان للندوي مكانة طيبة بين أعضاء الرابطة ، اتفق مراراً أن رئيسها الدائم سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم – شيخ الإسلام بالمملكة ورئيس القضاة آنذاك – إذا قام لحاجة من الحاجات أو لم يتشرف بالحضور كان الشيخ الندوي يترأس على الجلسات ، وألقى في جلسة الرابطة الأولى مقالاً حول عنوان ” الأخوة الإسلامية فوق العصبيات ” .

وبعد ثلاث سنوات من تأسيس الرابطة في سنة ١٣٨٤هـ الموافق ١٩٦٥م انعقد مؤتمرها الأول ، دعيت إليه كبار الشخصيات من البلدان الإسلامية وغيرها ، وقد كانت الجلسة الأولى تحت رئاسة الملك فيصل رحمه الله ، والباقي تحت رئاسة الملك فهد رحمه الله ، ألقى الشيخ الندوي في هذا المؤتمر مقالاً بعنوان ” تمثيل الحياة الإسلامية الصحيحة مسؤولية البلد الأمين ” ، ذكر فيه أهمية الحفاظ على خصائصه ومكانته ومميزاته ، عندما تحدث الشيخ الندوي عن هذا المؤتمر ذكر عن خطبة الشيخ أحمد وبلو الداعية المجاهد والقائد المسلم ورئيس وزراء نايجيريا آنذاك ، وكانت خطبةً إيمانيةً مثيرةً باللغة الإنجليزية ، انتقد فيها القومية العربية انتقاداً صريحاً .

الرابطة في إطار أنشطتها الدعوية قررت أن ترسل وفوداً إلى مختلف بلدان في القارات الخمس ، وكان هدفها الرئيسي الاطلاع على أوضاع المسلمين ومؤسساتهم وحاجاتها وأعمالها ، وكذلك لتعريف أهلها بأهداف الرابطة ورسالتها ، فوجهت إلى الشيخ الندوي قائمة البلدان التي تتوجه إليها الوفود ليختار نفسه البلدان التي يريد زيارتها ، فحبب إلى الندوي – لصلاته الثقافية والفكرية وصلاته التعليمية – أن يشارك في الوفد الذي كان يتوجه إلى أفغانستان وإيران ولبنان وشرق الأردن والشام والعراق ، فاختارته الرابطة كرئيس لهذا الوفد ، وكانت تلك الرحلة بين ٤/ حزيران ١٩٧٣ و٢٠ من آب ١٩٧٣م ، يتحدث الشيخ الندوي عن هذه الجولة التي اشتملت على ستة أقطار إسلامية والتي استغرقت أياماً طويلةً بشكل مفصل في سيرته الذاتية مع بيان تجاربه الجميلة والغريبة ، ويسلط الضوء على أهمية تاريخية لهذه البلدان في الصحوة الإسلامية .

وشارك الشيخ الندوي رحمه الله في عدة مشاريع أخرى للرابطة ومؤتمراتها مثل مؤتمرها الآسياوي الأول المنعقد في كراتشي بباكستان وغيره من المؤتمرات ، وهو مع صلته الوطيدة مع رابطة العالم الإسلامي وجد صعيداً رائعاً لتطبيق علمه وفكره في خدمة الأمة المحمدية ، وذلك في جانب ، وأما في جانب آخر فقد فتحت له أبواباً جديدةً لتوسيع حركاته العلمية والدعوية حيث توافرت له فرص غزيرة لإلقاء كثير من الخطب والمحاضرات في الجامعات والمؤتمرات والإذاعات في مختلف بقاع الأرض ، فذلك بالدعوات الموجهة إليه من قبل الشخصيات الذين كوّنوا المعرفة معه عبر الرابطة .

ومما يجدر بالذكر أنه مع كل هذه الشعبية الواسعة والمكانات الرفيعة عاش نقياً تقياً زاهداً في الدنيا ، قال الأستاذ علي الطنطاوي فيما ذكر عن زهد الشيخ الندوي وتواضعه : ” عرفت أبا الحسن من قريب في مكة وفي المدينة وفي دمشق ، وعرفته قبل ذلك في الهند ، فوجدته في الأحوال كلها مستقيماً على الحق ، عاملاً لله ، متواضعاً زاهداً زهداً حقيقياً ، لا زهد المتغفلين الذين يعيشون وراء أسوار الحياة لا يدرون ما الدنيا ولا يعرفون ماذا فيها ، بل زهد العالم العارف بالدنيا وأهلها ، فقد رأى الشرق والغرب ، وزار الحواضر والأمصار ، ولقي الكبار والصغار ، وعاش صدر حياته في قصر الأمير نور الحسن ، أسكنوه فيه بعد موت أبيه ، فذاق حياة الترف والنعيم ، ولكنه زهد فيه ، فزهده ليس زهد الحرمان ، ليس زهد الجائع الذي لم يجد الطعام ، فوطّن نفسه على  فقده ، بل زهد الذي فقد شهوة الأكل والأكل أمامه ، يحضر المؤتمرات ، ولكنه يجتنب الفنادق الكبار التي ينزل فيها الوفود ، وينزل في بيوت تلاميذه ، وما أكثر هؤلاء التلاميذ ” . وكذلك لما حصل على جائزة فيصل لخدماته الدعوية وزع مكافأتها المالية الضخمة كلها بين بعض المؤسسات الإسلامية .

* باحث في  اللغة العربية والدراسات الإسلامية ، أكاديمية الإمام أبي بكر بن سالم ، كيرلا .

[1] أبو_الحسن_الندوي https://ar.wikipedia.org/wiki/ .

[2] رابطة_العالم_الإسلامي_https://ar.wikipedia.org/wiki/

[3] الشيخ محمد صالح القزاز تولى الأمانة العامة للرابطة فيما بعد .