رمزية الليل وصوره الإبداعية في الشعر العربي

حقوق كبار السن في الإسلام
جنوری 1, 2020

رمزية الليل وصوره الإبداعية في الشعر العربي

بقلم : الأستاذ أحمد الشيخاوي/ شاعر وناقد مغربي

بناءً على الأرقام والمعطيات العلمية ، نجد السواد يغطّي معظم الكون ، وكأنّه هو الأصل ، مع أن الوجود بأكمله يعتمد على لغة الأضداد وتجاورها في منظومة محكمة تثبت بالدليل الملموس والحجة الدامغة ، الإعجاز  الرباني والقدرة الإلهية .

يقول عزّ وجل في سورة الإسراء الآية 12 : ( وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِّتَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ ۚ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا ) .

حتّى النور الذي يستغرق ثماني دقائق ليصل إلى الأرض ، من مصدره المعروف والذي هو نجم  مجرّتنا ، الشمس ككرة من الجحيم ، ما هو في الحقيقة إلاّ انعكاس على طبقة رقيقة من مكونات الغشاء الجوي ، وما عداه ظلمات بعضها فوق بعض ، وثقوب سوداء حسب المعجم العلمي .

غير أن ما يعنينا ، ضمن حدود هذه الورقة ، من أمر الزمن ، إذا حصرناه في ماض/ ذاكرة ، وحاضر ومستقبل ، علاوة عن جملة من المفاهيم الأخرى التي تمنحه قدسيةً ورمزيةً خاصةً وقيمةً بالغةً ، مثل الأزلية والسرمدية والأبدية والخلود إلخ . ؛ مقابل الفناء أو العدم ومفرداته .

قلت : إن ما يهمّنا بدرجة أولى ، هو النواحي الفزيائية والإبداعية لليل ، نظراً لحمولته الدينية والثقافية والصوفية ، باعتباره مطية ، مثلما هو وارد في الأحاديث النبوية الشريفة .

ويقول تعالى في سورة يس الآية 37 : ( وَآيَةٌ لَّهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ ) .

من حيث الدلالة قد يتقاطع الليل مع الفراغ ، كونه مرعى لتغذية الروح ، فهو يعطيها استقرارها ويعيد إليها توازنها ويحرّرها لساعات من الجسد وأعبائه .

لذلك يقال : النوم صنو الموت ، فرسولنا الأكرم صلى الله عليه وسلم كان يقول إذا أصبح  : الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا ، وإليه النشور .

وبمعنى قرآني ، الليل لباس ، تمارس من خلالها الروح الآدمية انسلاخها عن الجسد ، وتتنفس أسرار تطهيرها مما قد يعلق بها في الصحو ، وأثناء رحلة النهار المترعة بالكد والعناء والمجهود البدني ، تبعاً لما يمليه ويتطلّبه المعاش .

وفي المقدس دائماً ، وداخل دائرة تجاذب الأضداد وصراعها ، أي ما بين ضفّتي الملائكية والشيطنة ، النور والظلام ، النعيم والجحيم هناك عنصران تستسلم لهما الروح في الليل : إما الرؤى أو الكوابيس ، على اعتبار كل منهما يشكل عالماً تسبح فيه الروح ، إذ يحقق لها الليل انفلاتها من الجسد والمكان ، كي تعيش عروضا برزخية ، فتمرر عليها متتالية من الوصايا ، حسب ما اقترفه الكائن من أوزار وخطايا طيلة يومه ، فإما تبشير من خلال رؤية أو إنذار وتحذير من خلال أضغاث أحلام كما في قصة يوسف عليه السلام .

وإذا ما أتينا على الاستعمالات الأدبية لليل ، وصوره في الشعر العربي على نحو خاص ، نُلفيها وفيرة وغزيرة التوظيف ، مما يدلل على أهمية وقدسية ورمزية هذه الآية الربانية ، كما سمَّاها الخالق عز وجل في كتابه العزيز .

فمحو هذه الآية ، إنما تمّ لحكم وأسرار ، لا حصر لها ، والعقل البشري أقل من أن يحيط بها ، في كليتها اللهم ما تجلّى ، وطفا على سطح فهمنا الإنساني المحدود ، والمتفق مع نظريات العلم ، وهي تجمع على فوائد الليل لثالوث الجسد والعقل والروح ، كون النوم ألصق لحمة به .

نقتطف لبعض الشعراء أبياتاً خالدةً ، تزكي عظم آية المحو    هذه ، أي الليل ، الذي أقسم به الله تعالى في بعض سور القرآن الكريم ، كما جاء ذكره في العديد من الآيات والأحاديث النبوية الشريفة .

يقول ابن الفارض :

ولـــــقـــد خَلَوْتُ مع الحَبيب وبَيْنَنَا      سِـرٌّ أرَقّ منَ الـــنســـيـمِ إذا سرى

وأبــــاحَ طَـــــرْفِــــي نَـــــظْـــرْةً أمّلْتُها فَـغَدَوْتُ مـعروفاً وكُنْتُ مُنَكَّرا

فَــــدُهِــــشْــتُ بـــينَ جمالِهِ وجَلالِهِ     وغــــدا لـسانُ الحال عنّي مُخْبِرا

فـأَدِرْ لِـحَاظَكَ في مــحـاسنِ وجْهه       تَـلْقَى جميـعَ الحُسْنِ فيه مُصَوَّرا

لو أنّ كُلّ الحُسْنِ يكمُلُ صُورةً  ورآهُ كـان مُـهَلِّلاً ومُــــكَـــبِّــراً [1]

ويقول الحلاج :

قالوا تـــداو بــــه مـــنـــه فقلت لــهم                 يــــا قـــــوم هـــل يــتداوى الداء بالـداءِ

حــــبـــي لمولاي أضناني وأسقمـــني               فكيف أشكو إلى مـولاي مولائــــي

إنـــــي لأرمـــــقــــه والـــقلب يعرفـــــه            فـــــمـــــا يــــتــــرجــم عنـه غير إيمائـــي

يا ويح روحيَ من روحي فوا أسفي                  علـــي مـــــنــــي فـإني أصل بلوائــــــــي [2]

وتقول رابعة العدوية :

أحِـــبُـكَ حُـــبَـــيْـــنِ حُبَ الهَـوىٰ        وحُــــبّــــــاً لأنَـــــكَ أهْـــــل ٌ لـــِذَاك

فأمـــــا الــــذي هُوَ حُبُ الهَوىٰ فَــشُــغْلِي بذِكْرِكَ عَمَنْ سـِواكْ

وأمّـــــا الــــذي أنْــــتَ أهـــلٌ لَهُ        فَلَسْتُ أرىٰ الــكَــوْنِ حَتىٰ أراكْ

فلا الحَمْدُ في ذا ولا ذاكَ لي     ولكنْ لكَ الحَمْدُ فِي ذا وذاك [3]

ويقول المتنبي :

الــــخَــــيْـــــلُ وَاللّيْـلُ وَالبَيْـداءُ تَعرِفُنـي   وَالسّيفُ وَالرّمحُ والقرْطاسُ وَالقَلَـمُ

صَحِبْتُ فِي الفَلَواتِ الوَحشَ منفَـرِداً        حـــتـــى تَـعَجّبَ منـي القُـورُ وَالأكَـمُ

يَــــا مَــنْ يَـــعِــــزّ عَــلَـــيْنَـا أنْ نُفَارِقَهُـمْ  وَجدانُنا كُلَّ شـيئ بَعدَكـمْ عَـدَمُ [4]

وتقول نازك الملائكة:

” يا ظلامَ الليــلِ ! يا طــاويَ أحزانِ القلوبِ ! أُنْظُرِ الآنَ ، فهذا شَبَحٌ بادي الشُحـــــوبِ جاء يَسْعَى ، تحتَ أستاركَ ، كالطيفِ الغريبِ حاملاً في كفِّه العــودَ يُغنّــــي للغُيوبِ ليس يَعْنيهِ سُكونُ الليــلِ في الوادي الكئيبِ هو :

يـــــا لـــيــــلُ ، فـتاةٌ شُهد الوادي سُـــرَاها أقـبلَ الليلُ عليهــا فأفاقتْ مُقْلتاهـــــا

ومَضتْ تستقبلُ الواديْ بألحــانِ أساهــا    ليتَ آفاقَكَ تــدري ما تُغنّــي شَفَتاهــا

آهِ يا ليلُ ويا ليتَــكَ تـدري ما مُنَاهـــا ” [5]

ويقول بدر شاكر السياب :

لــــعـــيــنــيــك يــا لــيــل سـر لا تبوح به أغمضت عنه عيون الناس فانكتما

إلا عــــيــــونـــي ما أغـمضت ساهدها    فـــــبــــتـــن يــرقـبن منك النوء والظلما

قــــد اتــــقـــيــــت أذاهــا فاستثرت لها    دمـــــعــــا لهت فـيه عما فيك منسجما

صحبت فيك سرى الأحـلام مفزعها        وعــــذبـــهـــا فــطويت الغور والأكما [6]

وعليه فإن الانشغالات الأدبية التي تعنى بالليل على مختلف صوره ، كآية من منظور ديني ، وحيّز زمني مفتوح على أيقونة من المعاني المفسّرة للتحرر والانعتاق الروحي ، من منطلق فزيلوجي وسيكولوجي ، تطرح العديد من الإحالات التي يمكن اختزالها في بعدين بارزين : الخطاب الصوفي التعبدي ، وقد يوازيه أو يعارضه الخطاب الرومانسي المحمول على إيقاع الشوقيات وتيار الوجدانيات والمحسوسات ، إجمالاً .

[1] من قصيدة ” زدني بفرط الحب ” لابن الفارض .

[2] من أشعار أبو المُغيث الحسين بن منصور بن محمى البيضاوي ، الملقب بالحلاج  ( 244 –    – 309 هـ ) .

[3] من قصيدة ” أحبك حبين ” لرابعة العدوية .

[4] ميمية الشاعر العباسي أحمد بن الحسين بن الحسن بن عبد الصمد الجعفي الكوفي الكندي أبو الطيب المتنبي ، والتي مطلعها :

وَاحَـرّ قَلْبـاهُ مـمّنْ قَلْبُـهُ شَبِـمُ               وَمَنْ بجِسْمـي وَحالي عِنـدَهُ سَقَـمُ .

[5] من قصيدة ” عاشقة الليل ” لنازك الملائكة .

[6] من قصيدة ” يا ليل ” لبدر شاكر السياب .