دور الحديث النبوي صلى الله عليه وسلم في توسعة نطاق الأدب العربي

الفقه الحنفي ومنهجه في الاستنباط
جولائی 25, 2020
تاريخ الصحافة العربية سابقاً ودورها في نشر الأدب العربي
جولائی 25, 2020

دراسات وأبحاث :

دور الحديث النبوي صلى الله عليه وسلم

في توسعة نطاق الأدب العربي

الأستاذ رفيع الدين حنيف القاسمي *

نال النثر العربي في محيط الجزيرة العربية رواجاً عاماً وانتشاراً مدهشاً في كل جانب من جوانب الحياة الفردية والاجتماعية وبلغ قمّة التطور والازدهار إذ أن أعظم وأهم العوامل الباعثة على هذه النهضة الأدبية والنثرية الحاسمة في المجتمع العربي المليئ بإنشاد الشعر وقريض الشعراء كان بزوغ شمس الإسلام الساطعة الوهاجة حاملة رسالة الهداية والسعادة للبشرية جمعاء ونداء رسول الإسلام عليه الصلاة و السلام من قرن جبل فاران بمكة المكرمة يا صباحاه وقولته المدوية المجلجلة ” يا أيها الناس ! قولوا لا إله إلا الله تفلحوا ” ، ونزل القرآن الكريم في ثوب نثري محكم متين من البيان المعجز الرائع .

إن الحديث النبوي الذي يأتي دوره بعد القرآن ، أضاف إلى اللغة العربية ثروة من المعاني ، وثروة من الأساليب ، وهذّبها ، تهذيبا قريبا من تهذيب القرآن ، إذ سهّل لفظها ، ورقّق أساليها ، وذهب بالحوشي منها ، لكل هذا أثر في جميع أنواع الأدب .

ومن هنا نرى أن كلام النبي الكريم صلى الله عليه وسلم قد اشتمل واحتوى على أصناف أدبية عديدة من تمثيلات بارعة وحكم عالية وأمثال رائعة ووصايا نافعة واشتمل على معاني التوجيه والإرشاد والتشريع والتربية فكان مادة غزيرة للغة وأمثلة رفيعة للأدب وثروة قيمة للأخلاق وكانت مصوغة بصبغة أدبية فصيحة مع أسهل التراكيب وأعذب التعبير وآنق الديباجة ، أبرع الدلالة وأفخم العبارة وأسلس البيان وأعذب الاستماع وبالتالي وجد النثر العربي من بينها مناخاً كبيراً ومجالاً واسعاً للازدهار والنمو والتطور حتى بلغ قمة التطور والانتشار وساد العالم كله ، بأسلوب جذاب خلاب وميزة بلاغية نادرة وسمات أدبية بارزة ، واحتل مكانة مرموقة لدى الباحثين والعلماء والكتاب وساد في الأوساط العلمية والأدبية والفنية ، وحظي بالقسط الأوفر والقدح المعلى في استرعاء انتباه العلماء والمثقفين إلى تلقى الأساليب الحكيمة والتلمذة على مأدبة الأدب الإسلامي ولا سيما على مائدة الحديث النبوي الشريف كنموذج أدبي رائع أخاذ ومؤثر بليغ جذاب ، وأصبحت لغة الحكومات الكبيرة والمجتمعات البشرية المثقفة في العالم ، ونذكر أهم العوامل والأسباب لشيوع اللغة العربية بقاع العالم في فترة قصيرة وهي كما يأتي :

إن الذين يدرسون الأحاديث النبوية والعلوم التي تفرعت منها ليجدون حقاً وصدقاً أن السنن المأثورة عنه صلى الله عليه وسلم قد جاءت بين حكمة مرسلة وخطبة مرتجلة ، ومثل مضروب وقصة رمزية ، ونموذج إنساني ومشهد حي وموقف عاطفي وحوار تعليمي ودعوة وإرشاد وترغيب وترهيب .

إن الكلمات التي حيرت أئمة اللغة والتي حملها الحديث النبوي الشريف إلى الميدان اللغوي هي كثيرة كاثرة لا تعد ولا تحصى ، ومن بين هذه اللآلي والدرر كلمة مهرمة جاءت في الحديث النبوي ” ترك العشاء مهرمة ” هذه الكلمة جارية على ألسنة الناس وليس أحد يستطيع أن   يقول ! أرسول الله صلى الله عليه وسلم ابتداءها أم كانت تقال قبله ؟

وبالجملة فكانت الألفاظ النبوية والتعبيرات المصطفوية كنزاً ثميناً استمد المتأدّبون والمباحثون من هذا البحر الفياض المتلاطم في رسائلهم وأشعارهم وخطبهم وكلامهم .

وأخيراً أقدم بعض النماذج القيمة لأفصح وأبلغ كلام عربي صدر من أفصح العرب وأبلغهم محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنها :

الطريقة الإلقائية : من سلك طريقاً يطلب فيه علماً .

الطريقة الاستنتاجية : ألا أنبئكم بأكبر الكبائر .

أسلوب الترغيب : عليكم بالصدق .

أسلوب الترهيب : إياكم والكذب .

أداة لإثارة الانتباه والتشويق : ألا !

تغيير المشهد : وكان متكئاً فجلس .

إبراز المعنويات في صورة المحسوسات : ذاق طعم الإيمان ……

براعة الاستهلال أعني بداية الكلام : إنما الأعمال بالنيات ……

وما إلى ذلك من بدائع التعبيرات ولطائف الحكم والجمل القصار من غرر كلام النبي الكريم عليه الصلاة والسلام :

وحين تعهد الله سبحانه وتعالى بحفظ الذكر فقد تعهد في ذلك بحفظ اللغة العربية ذاتها ، فهي لغة القرآن والحديث والعبادة والطاعة :   ” إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ” .

وقد ذكر ابن دريد تعبيرات عديدةً بليغةً في كتابه المجتبى وعقد باباً باسم . ( باب ما سمع من النبي صلى الله عليه وسلم ولم يسمع من غيره قبله ) شرح فيه مجموعةً نفيسةً من الأحاديث المنوه بها ، ومنها .

يا خيل الله ! اركبي ، الحرب خدعة ، الناس كأشنان المشط ، الآن حمي الوطيس وغيرها ، إن المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى ، اطلبوا الخير من حسان الوجوه . ( أبو عكرمة ، الضبي ، كتاب   الأمثال ، مطبعة دار الكتب دمشق ، 173هـ – 1954هـ ) .

  1. حاجة المسلمين في تفسير الآيات القرآنية وإلى معرفة مناسباتها وسبب نزولها والموضع الذي نزلت فيه والحادثة التي تشير إليها وما إلى ذلك .

كما نرى أن القرآن الكريم قد أكثر من الإشارات إلى شتى الأمم ومختلف القبائل وكثير من الأنبياء في قصصه عن الغابرين ، فرغب علماء المسلمين وأدباؤهم في فهم هذه الآيات وإشاراتها وتوضيحها في جانب وفي جانب آخر نرى أن الإسلام قد أظل كثيراً من اليهود والنصارى فلجأ إليهم المسلمون ليعرفوهم بتلك الإشارات فأخذ هؤلاء يحدثونهم بقصص التوراة والإنجيل وشروحها فربطها المسلمون بالتفسير والتاريخ واشتهرت هذه الأخبار فيما بعد باسم ( الإسرائيليات ) كما نجدها في كعب الأحبار المتوفى عام 34هـ ووهب بن منبة ( المتوفى عام 110هـ ) ولا تزال آثارهما في كتب التاريخ والتفسير التي وصلت إلينا .

  1. كان الحديث النبوي الشريف من أهمّ عوامل ظهور الكتابة العربية التاريخية والنثر المرسل السلسال إذ عني المسلمون بجمع الأحاديث ليفسروا بها القرآن ويستنبطوا منها أحكام الدين ، وكانت من هذه الأحاديث جملة وافرة تتعلق بحياة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم والصحابة الكرام .
  2. أحسّ بعض الخلفاء بأنهم محتاجون إلى نبراس يهتدون بهديه في سلوكهم إذ لم يكن لهم ملجأ يأوون إليه كما أنهم رأوا ممالك أجنبة بهرتهم حضارتها فأحبوا أن يعرفوا كيفية سياستها ونظامها فقد كثرت المشكلات السياسية والاجتماعية والاقتصادية حتى هدمت نظام الخلافة الراشدة وأقامت نظام ” الملوكية ” وواجه العقل العربي الذي كان ساذجاً في جاهليته مشكلات حقيقية منها ما يمس الدين والحضارة ومنها ما يمس الحياة المادية والاجتماعية فرأى أنه لابد من الاستعانة بأخبار من سبقه من العقول ليستنير بها كما روى المسعودي عن معاوية .

” أنه كان بعد أن يفرغ من عمله يستمر إلى ثلث الليل في أخبار العرب وأيامها والعجم وملوكها وسياستها لرعيتها وغير ذلك من أخبار الأمم السابقة ثم يدخل فينام ثم يقوم فيقعد فيحضر الدفاتر فيها سير الملوك وأخبارها والحروب والمكايد فيقرأ ذلك غلمان له مرتبون ، وقد وكلوا بحفظها وقراءتها فتمر بسمعه كل ليلة جمل من الأخبار والسير والآثار وأنواع السياسة ” .

  1. كان الأجانب الذين أظلهم الإسلام يفخرون على العرب بتاريخهم وحضارتهم ويروون لهم أفعالهم المجيدة في ماضيهم فاضطر العرب إلى ابتكار تاريخ لهم يستطيعون به الوقوف بإزاء هذا الفخر الأجنبي ، ويظهر لأبنائهم الأخرى مجداً ومكانةً ، وكان هذا من دواعي ظهور الكتابة التاريخية في الأمة ، وللحديث النبوي دور فعال في توسعة نطاق الأدب العربي .
  2. كان نظام الحكومة الإسلامية وخاصة النظام المالي من العوامل التي أدت إلى قيام الحركة التاريخية للكتابة العربية وانتشارها لأن الضرائب على البلدان المختلفة تتباين حسب فتحها صلحاً أو عنوةً أو بعهد ، وكانت المعاملة السياسية والاجتماعية نفسها تختلف في بعض البلدان تبعاً لما حدث في أثناء فتحها فدعا كل ذلك والنظام المالي خاصة إلى بحث تاريخ الفتوح والاستضاءة من الحديث النبوي الشريف والاستنارة من أحكام القرآن الكريم ( الدكتور نصار حسين ، نشأة الكتابة الفنية في الأدب العربي ، مكتبة الثقافة الدينية ، بالقاهرة ، 1422هـ – 2002م ) .

أنواع من الأحاديث النبوية :

للأحاديث النبوية تأثير بليغ في امتداد دائرة النثر العربي ، لأن لها مساهمات نثراً ونظماً ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : بعثت بجوامع الكلم ( البخاري : كتاب الجهاد ، باب الخطبة ، حديث : 4749 ) .

الشعر : إن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ” الشعر بمنزلة الكلام فحسنه كحسن الكلام ، وقبيحه كقبيح الكلام ( الأدب المفرد ، كتاب الشعر ( باب من الشعر الحكمة ) حديث : 865 ) وكان صلى الله عليه وسلم يشجع الشعراء الذين كانوا يدافعون عن العقيدة الإسلامية ، وكتاب الله ورسوله ، أمثال حسان بن ثابت ، وكعب بن زهير وغيرهم ، فقال لحسان بن ثابت رضى الله عنه : ” أهج المشركين ، فإن جبرئيل معك ” ، وكان يقول له : ” أجب عني ” ، وكان يدعو له :     ” اللهم أيده بروح القدس ” ، ( البخاري ، كتاب بدء الخلق ، باب ذكر الملائكة ، حديث : 3792 ) .

الخطب : فنوع مستقل في الأدب العربي ، وكان شائعاً في العرب ، ولكن لما جاء الإسلام قامت الخطب على قوائم الحديث النبوي ، حيث اشتدت الحاجة إلى الخطابة في الدعوة ، وكانت للخطب النبوية ملامحها الأدبية الخاصة في الاستدلال والعبر .

الأمثال : وكان الحديث النبوي يشتمل على الأمثال ، فملأ الأدب العربي بالأمثال الغربية . مثلاً : يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : ” إنما مثلي ومثلكم كمثل رجل استوقد ناراً فلما أضاءت ما حوله جعل الفراش وهذه الدواب تقع في النار ، يقعن فيها فجعل ينزعهن ويغلبنه فيقتحمن فيها فأنا آخذ بحجزكم عن النار ، وهم يقتحمون فيها ” ( البخاري ، كتاب الرقاق ، باب الانتهاء ، حديث : 6001 ) .

الرسائل : كانت الرسائل أضعف فنون الأدب قبل الإسلام ، وأقواها بعد مجئها ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كتب رسائل إلى الملوك وهو على قمة الأدب واللغة ، مثلاً : ” من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم ، سلام على من اتبع الهدى ، أما بعد ، فإني أدعوك بدعاية الإسلام أسلم تسلم يؤتك الله ( البخاري ، كتاب التفسير ، باب سورة آل عمران : ، حديث : 4278 ) .

والقصة : فن من فنون الأدب ، وكان هذا الفن رائجاً في الأدب العربي قبل الإسلام ، ولكن القصة في الحديث النبوية جاءت بشكل مؤثر وأدبي تستميل القارئي بصورها المتنوعة وأحداثها المتلاحقة ، والقصص الحديثية لها خزينة في الأحاديث النبوية .  كما في الحديث النبوي قصة رجل كان من قبلنا قتل تسعة وتسعين نفساً ، فسأل عن أعلم الأرض ، فدل على راهب ، فأتاه ، فقال : إنه قتل تسعة وتسعين نفساً ، فهل له من توبة ، فقال : لا ، فقتله فكمل به مائة ، ثم سأل أعلم الأرض فدل على رجل ، فقال : هل له من توبة ، فقال نعم ، انطلق إلى أرض كذا . . . .

ثم تزيين الأدباء شعرهم ونثرهم بالأحاديث النبوية ، وإدراج الأحاديث في النص الأدبي والبيت الشعري في محل الاستدال والكمال والجمال معروف في الأدب العربي .

خلاصة القول :

للحديث النبوي دور أساسي مهم في الأدب العربي ، وتطوره وتطويره ، فالشعر وله أهمية عظيمة في الدفاع عن الإسلام ، وكان للخطب أهمية كبيرة في العرب ، والأمثال والقصص في الأحاديث النبوية تزيد أهمية اللغة العربية ، إن الحديث النبوي يأتي دوره بعد القرآن الكريم أضاف إلى اللغة العربية ثروةً من المعاني ، وثروةً من الأساليب ، وهذّبها تهذيباً قريباً من تهذيب القرى .

المصادر والمراجع :

  1. الدكتور نصار حسين ، نشأة الكتابة الفنية في الأدب العربي ، مكتبة الثقافة الدينية ، بالقاهرة ، 1422هـ – 2002م .
  2. أبو عكرمة ، الضبي ، كتاب الأمثال ، مطبعة دار الكتب دمشق ، 173هـ – 1954هـ .
  3. حنا فاخوري ، الموجز في الأدب العربي وتاريخه ، دار الجيل ، بيروت .

* رفيق التصنيف : دار الدعوة والإرشاد يوسف ، غوره ، حيدرآباد ، الهند .