ثورة في التفكير

البلاغة والإعراب والبيان في القرآن الكريم
جنوری 1, 2020

بقلم : سماحة العلامة الإمام السيد أبي الحسن علي الحسني الندوي ( رحمه الله تعالى )

إننا – معشر المسلمين – في حاجة إلى ثورة ، ثورة في التفكير ، منذ قرون طويلة بدأنا ننظر إلى أنفسنا كمجموعة بشرية موزعة في العالم منتشرة في البلاد ، ذات قوميات مختلفة ولغات متنوعة وثقافيات محلية ، محاطة بظروف وأجواء خاصة ، و ” إمكانيات ” محدودة ، تجمع بين فروعها المختلفة وأسرها المتشتتة ” وحدتان ” اثنتان لا ثالثة لهما ،             ” العقيدة ” والخضوع للغرب والانحصار عليه في المعيشة والسياسة .

ومنذ مدة طويلة بدأنا نزن أنفسنا وقيمتنا ومكانتنا في خارطة العالم بهذه الطاقات و ” الإمكانيات ” وبما نملكه من الوسائل ، والمواد الخام ، وحواصل البلاد ومنتجاتها ، وعدد النفوس ، والقوة الحربية ، فنرى كفتنا راجحةً في إقليم ، طائشة في آخر ، راجحة في حين ، طائشة في حين آخر .

ومنذ مدة طويلة آمنا بسيادة الغرب وقيادته ، وأنه أمر مقرر وواقع ليس منه مفر ، وآمنا بأنه وضع لا يقبل التحول ولا التطور ، وتجدد المثل القديم وأصبح عقيدةً شائعةً : ” إذا قيل لك أن التتر انهزموا فلا تصدق ” [1] .

وأصبحنا لا نفكر في معارضة الغرب ومناقشة سيادته وجدارته للسيادة ، وإذا فكرنا في ذلك – على حين غفلة من العلم والدراسة والكياسة – استعرضنا طاقاتنا ووسائلنا والقوة الحربية في بلادنا ، وسهمنا من المخترعات الحربية والطاقات الذرية فاستولى علينا اليأس والتشاؤم ، وآمنا بأننا لم نُخلق إلا للخضوع والخنوع ، ولنعيش على هامش الحياة ، وعيالاً على الغرب مرتبطين معقودي النواصي بأحد المعسكرين المتنافسين .

هكذا يفكر العرب ، وهكذا يفكر المسلمون في باكستان ، وفي إندونيسيا ، وفي تركيا ، وهكذا يفكر الناس في اليابان ، وفي الصين ، وفي الهند ، وفي سيام ، وفي بورما .

هذا هو التفكير ” السليم ” ، وهذا هو المنطق ” السديد ” – كما يسميه الناس – وهذا هو الاستنتاج العلمي المبني على الدراسة والإيمان بقوة الأسباب وطبيعة الأشياء .

ولكن هناك جماعة لا تقبل هذا التفكير ، ولا تؤمن بهذا  المنطق ، بل تثور على هذا المنهج الفكري ، ثورةً قويةً عارمةً ، إن لها منهجاً – في العمل – مختصاً بها ، وإلى هذا المنهج يرجع الفضل في أفضل الثورات وأصلحها وأقواها في التاريخ ، وفي تغير الأوضاع في العالم تغيراً مدهشاً وفي سعادة البشرية بعد الشقاء الطويل وصلاح المجتمع البشري بعد الفساد الشامل .

ولا أمل للأمم الضعيفة إلا في هذا المنهج ، ولا مستقبل للأمم      – التي تؤمن بالمبادئ وتحتضن الدعوات – إلا في هذا المنهج .

ولنفهم هذا المنهج وقوته وفضله ونتائجه الباهرة للعقول نرجع قليلاً إلى الماضي ، ونستوحي ” الصحف الصادقة ” .

يولد موسى عليه السلام في مصر في بيئة قاتمة خانقة قد انطبقت على بني إسرائيل كل الانطباق ، وسدت في وجوههم المنافذ والأبواب ، حاضر شقي ومستقبل مظلم ، قلة عدد ، وفقر وسائل ، وذلة نفوس ، عدو قاهر ، وسخرة ظالمة ، لا قوة تدافع ولا دولة تحمي ، أمة مصيرها معلوم محتوم ، قد خلقت للشقاء والفناء .

ويولد موسى عليه السلام وولادته وحياته كلها تحدٍ لفلسفة الأسباب ومنطق الأشياء ، أراد فرعون أن لا يولد فولد ، وأراد أن لا يعيش فعاش ، يعيش في صندوق خشبي مسدود ، وفي ماء النيل الفائض ، وينشأ في حضانة العدو ورعاية القاتل ، ويجد به الطلب القوي الساهر ، فيفلت وينجو ويأوي إلى ظل شجرة كئيباً غريباً ، فيجد الضيافة الكريمة والزواج الحبيب ويرجع بأهله فيلفه الليل المظلم والطريق الموحش وتتمخض زوجه فيطلب لها ناراً تصطلي بها فيجد نوراً يسعد به بنو إسرائيل ويهتدب به العالم ، يطلب النجدة والمدد لامرأة واحدة فيجد النجدة والمدد للإنسانية كلها ويكرم بالنبوة والرسالة .

ويدخل على فرعون في أبهته وسلطانه ، وفي ملأه وأعوانه ، وهو المطلوب بالأمس قد تحققت عليه الجناية وتوجهت إليه الدعوى ، وفي لسانه حبسة ، وفي موقفه ضعف ، فيقهر فرعون وملأه بدعوته وإيمانه وحجته وبيانه ، ويلجأ فرعون إلى سحرة مصر ليقهر بفنهم معجزة موسى عليه السلام التي ظنها فناً وسحراً ، فإذا بالسحرة خاضعون خاشعون يقولون : ” آمَنَّا بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ . رَبِّ مُوسَىٰ وَهَارُونَ ” .

ويؤمر بالخروج ببني إسرائيل والإسراء في الليل من أرض الظلم إلى أرض النجاة ويتبعه فرعون بجنوده ، ويصبح موسى عليه السلام والبحر أمامه والعدو من ورائه ، ويخوض البحر فينفلق ويكون كل فرق كالطود العظيم ، ويعبر موسى عليه السلام وقومه ويتبعهم فرعون بجنوده فيلتهمهم البحر الهائج .

وهكذا يهلك فرعون وقومه الأقوياء الأغنياء ، ويملك بنو إسرائيل الضعفاء الفقراء : ” وَأَوْرَثْنَا ٱلْقَوْمَ ٱلَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ ٱلأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا ٱلَّتِى بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ ٱلْحُسْنَىٰ عَلَىٰ بَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ بِمَا صَبَرُواْ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ ” [2] .

ما هي القوة التي قهر بها موسى عليه السلام أعظم قوة في عصره ومصره ، وما سرُّ انتصار بني إسرائيل على أعدائهم ، وما سلاحهم الذي واجهوا به العدو القاهر الكاسر وأخضعوا به المحيط الحانق الثائر ؟

اقرأ قصة موسى – في القرآن – من جديد تر أن السلاح الذي واجه به موسى فرعون وقومه وانتصر به بنو إسرائيل وبناء الإمامة والزعامة في مصر وحولها هو ” الإيمان ” و ” الطاعة ” و ” الدعوة إلى الله ” ويتجلى هذا الإيمان وهذه الطاعة والدعوة في ثنايا القصة ومطاويها ، وقد تجلى هذا الإيمان النبوي في دعوة فرعون وقومه ، وبه تغلب موسى على حجاج فرعون ودهائه ، هو يريد أن يشغله عن موضوعه ويثير عليه الملأ وهو ثابت على دعوته ، ثابت في إيمانه لا يتزعزع ولا يتزلزل ، ولا يتحول ولا يتغير ، ” قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ . قَالَ رَبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُمْ مُّوقِنِينَ . قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلاَ تَسْتَمِعُونَ . قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ . قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِيۤ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ . قَالَ رَبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ ” [3] .

ويسأله فرعون عن الأجيال التي مضت ، وهو موضوع شائك وسؤال محرج ، ولكن موسى عليه السلام يتغلب على دقة الموقف بإيمانه الراسخ وحكمته النبوية فيقول : ” عِلْمُهَا عِندَ رَبِّى فِى كِتَابٍ لاَّ يَضِلُّ رَبِّى وَلاَ يَنسَى ” [4] ، ويفيض في الحديث عن الإله الواحد – الذي يفر منه فرعون – فيقول : ” ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ مَهْداً وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّن نَّبَاتٍ شَتَّىٰ ” [5] .

ويتجلى هذا الإيمان في أبرز مظاهره لما رأى موسى أمامه البحر المائج ومن ورائه العدو الهائج فلا متقدم ولا متأخر وهو وقومه بين طبقتي الرحى ، ويناديه بنو إسرائيل في جزع وفي فزع : ” قَالَ أَصْحَابُ مُوسَىٰ إِنَّا   لَمُدْرَكُونَ ” [6] ، ولكنه ثابت الجأش قوي الإيمان يعرف أن الله ناصر عبده ومنجز وعده ، يقول في صراحة وثقة : ” كَلاَّ إِنَّ مَعِىَ رَبِّى سَيَهْدِينِ ” [7] .

ويعيش بنو إسرائيل في مصر حياة ذل وشقاء وبؤس وفقر ، يعانون أفظع أنواع الظلم والاضطهاد وأقسى أساليب الحكم والاستبداد ، فيؤمرون بالإنابة إلى الله وتقوية الإيمان وتحسين الصلة بالله ليستحقوا نصره ويوجدوا في أنفسهم صلاحية الوراثة والخلافة في الأرض ” وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتاً وَٱجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ” [8] .

ولا طاعة أعظم من طاعة موسى ( عليه السلام ) وانقياده واستسلامه للأمر الإلهي ، – بالتوجه إلى أعظم ملوك عصره – وهو الثائر الموتور شديد البطش ، عظيم السلطان فيقال : ” ٱذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ     طَغَىٰ ” [9] ، ويتوجه إلى بلاط جبار يدعي الربوبية فيدعوه إلى الله الواحد القهار ، ويستمر في دعوته وجهاده وفي وعظه وإرشاده حتى يفتح الله بينه وبين قومه بالحق وهو خير الفاتحين .

لقد كان الإيمان والطاعة والدعوة إلى الله القوة التي واجه بها موسى ” مشاكل ” عصره وقهر بها أعظم إمبراطورية على وجه الأرض ، أرقاها مدنية وأوسعها مملكةً وأغناها أسباباً وأعظمها جبروتاً .

لو كان موسى – كزعيم لبني إسرائيل – يفكر تفكير الزعماء السياسيين ويستعرض ” الإمكانيات ” والوسائل التي يملكها قومه ، ويزن كل شيئ في ميزان الواقع والحكمة العملية ، ولو نظر – وهو الذي نشأ في البلاط الملكي – إلى العدد والعدة والعزة والمنعة والجنود والبنود والثروة والذخائر التي كان يملكها فرعون وقارون في ذلك بين قومه وقوم فرعون ، لما جاز له – في شريعة العقل – أن يواجه فرعون بما   يسوءه ، ولتحتم عليه أن يقنع بحظه وحظ قومه ، ويرضى بالوضع   السائد ، فلا إيمان ولا صلاح ، ولا عدل ولا أخلاق ، ولا تقوى ، ولا إنسانية .

ولكنه نبي يرشده الوحي ، ولكنه مؤمن يؤمن بقوة الله ويؤمن بنصر الله ، ولكنه داعية يفكر تفكير الدعاة ، وإن هذا المنهج من التفكير والعمل هو الذي غيّر مجرى التاريخ وأتى بالمعجزات وأدهش العقول ، وحيّر الألباب .

ولو كان الرسول الأعظم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم يفكر تفكير الزعماء ويستعرض الإمكانيات والوسائل التي كان يملكها قريش ، ولو أنه نظر إلى الإمبراطوريتين العظيمتين اللتين توزعتا العالم المتمدن المعمور : الإمبراطورية الرومية ، والإمبراطورية الفارسية ، وما تتمتعان به من حول وطول ، وقد عرف قوتهما وسعة مملكتهما        – وهو الفقيه الواعي – لما جاز له – في شريعة العقل – أن يتوجه بدعوته إلى الإنسانية جميعاً ، ويكتب إلى سيدي العالم المعاصر ورئيسي الإمبراطوريتين الغربية والشرقية يدعوهما إلى الإسلام ، ولبقي الوضع الذي كان يسود من قرون ، فمتى تملك هذه الحفنة البشرية التي آمنت به القوة التي تضارع قوة الإمبراطوريتين بل تفوقهما حتى تهزمها   وتدحرها ؟ وإلى متى كان يجب عليه أن ينتظر ؟ وماذا كان مصير العالم ومصير الإنسانية لو اتجه هذا الاتجاه وفكر هذا التفكير ؟ لقد شقيت الإنسانية إذن شقاءاً طويلاً ، وتأخر أو توقف طلوع الصبح الصادق ، ولكان للإنسانية تاريخ غير هذا التاريخ .

ولكنه صلى الله عليه وسلم نبي يؤمر فيعمل ويتلقى التوجيه والإرشاد من السماء فينفذ ، ولكنه مؤمن يؤمن بقوة الله ويؤمن بنصره ، ويؤمن بأن الضعيف مع نصره قوي ، والقوي بخذلانه ضعيف ، ويؤمن بقوله تعالى : ” إِنْ يَنْصُرْكُمُ ٱللَّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا ٱلَّذِى يَنْصُرُكُمْ مِّنْ بَعْدِهِ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ” [10] ، ويؤمن بقوله : ” كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةٍ كَثِيرَةً بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ ” [11] ، ويؤمن بأن الله قد تكفل بنصر من ينصر دينه وينهض لإعلاء كلمته فقال ” يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ” [12] ، وقال : ” وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ . إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ . وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ ” [13] ، ويؤمن بأن الله قد وعد بالانتصار والغلبة والعلو والسيادة لعباده الذين قد تحققت فيهم صفة الإيمان وتجلت فيهم حقيقته فقال : ” وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ ” [14] ، ولم يعد بشيئ من ذلك – من النصر والفتح والظفر والغلبة والعلو والسيادة – على الأهواء والنزعات ، والطموح والكبرياء وحب المجد – الفردي أو القومي – ، وشرف الدماء والأنساب والبلاد ، والعصبيات والقوميات ، فلم يتقدم بشيئ من ذلك إلى العالم ، ولم يطلب به النصر مع أنه – صلى الله عليه وسلم – من أشرف الأمم وأفضل البيوتات وأقدس البلاد ، إنما تقدم بدعوة دينية ، ومنهج خاص للحياة لا غنى للأمم وطوائف البشر عنه على اختلاف أوطانها وألوانها ولغاتها ، فخضعت له هذه الأمم وهذه الطوائف من البشر ، ولم تعقها عن ذلك عصبية أو قومية ، لأنه لم يكن من دعاة عصبية أو جاهلية ، وإنما كان داعي دين عام للإنسانية ، وداعي عقيدة ومبدأ ومنهج فاضل للحياة ، ونصره الله على قلة وضعف وفقر ، ونصر كل من قام بهذه الدعوة الدينية وبهذا المنهج الخاص للحياة وتكفل بنصرهم إلى آخر الدهر فقال : ” أُوْلَـٰئِكَ حِزْبُ ٱللَّهِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ ” [15] .

إنني لست ممن يدعو إلى رفض الأسباب والتوكل السلبي ، ولست ممن يعيش في عالم الخيال والأحلام ، ولست ممن ينكر الحاجة إلى الاستعداد وممن لم يقرأ قوله تعالى : ” وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ ” ، وقد لمت العالم الإسلامي ومن تزعمه من الشعوب والدول لوماً شديداً في كتابي ” ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين ” على التقصير في الاستعداد الحربي والصناعي والتخلف عن أوربا في ذلك واعتبرت ذلك سبباً من أسباب شقاء الإنسانية واتجاه العالم من الرشاد إلى الضلال ومن البناء والازدهار إلى الهدم والدمار .

ولكني أعارض هذا التفكير الذي تسلط على عقلية العالم الإسلامي في العهد الأخير ، وهو النظر إلى الأمم الإسلامية – في مختلف أنحاء العالم – ككتل بشرية شأنها شأن القطعان البشرية الأخرى التي لا رسالة لها في العالم ولا دعوة لها للأمم ، توزن في ميزان الإمكانيات والوسائل والاستعداد المادي ، وتقوم بما تملكه من ثروة وذخائر ، والتناسي أو الإعراض عن قوتها الكبرى ، الإيمان والطاعة والدعوة إلى الله .

إننا يا قوم فقراء ضعفاء متخلفون في العلم والصناعة وفي الاقتصاد والسياسة ، المسافة بيننا وبين الأمم الأوربية مسافة قرون وعهود ، فليكن ذلك موضع اهتمام الزعماء والقادة ولينل ذلك كل عناية ورعاية .

ولكننا في وقت واحد القوة الكبرى في العالم فعندنا دين هو حاجة البشرية كلها ، وعندنا دعوة تنقذ العالم من نهايته الأليمة التي تنتظره وتدنو إليه ، وعندنا الإيمان الذي يخلق الأمانة والشعور بالمسئولية في النفوس ويخلق الدوافع القوية إلى عمل الخير وخدمة الإنسانية ، وقد حرمتها الأمم الزعيمة للعالم بعد ما ملكت كل الأسباب والوسائل لعمل الخير وخدمة الإنسانية فأصبحت هذه الوسائل ضائعة بل متجهة إلى القضاء على المدنية والإنسانية ، وحاجة أوربا في اقتباس هذا الإيمان منا أشد وأعظم من حاجتنا إلى الاقتباس من صنائعها وعلومها ، لأن هذا الإيمان هو الأساس وهو الموجِّه وهو الضابط ؟ وعندنا شريعة تحل جميع المشاكل والأزمات التي يواجهها المجتمع البشري في القرن العشرين ، وعندنا – أولاً وآخراً – نبي أرسل رحمةً للعالمين ” يَهْدِى بِهِ ٱللَّهُ مَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ ٱلسَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ    مُّسْتَقِيمٍ ” .

ألا فلنتجه بهذه الدعوة إلى أوربا الحائرة التائهة بإخلاص ونزاهة وتوجع وشفقة ، وبقوة وثقة وإيمان ، ولننظر إلى أنفسنا كدعاة   ومنقذين ، مبشرين منذرين ، ونستخدم هذه القوة الجبارة في تغيير مصيرنا ومصير العالم ولنحتل بفضلها مكان الزعامة والقيادة في ركب الإنسانية ومصاف الأمم ، بعد ما عشنا زمناً طويلاً في مؤخر الركب وفي صف التلاميذ والحاشية ، ولنتجه بهذه الدعوة المقدسة المنصورة التي إما تقبل فترفع وتؤمن ، وإما ترفض فتهلك وتقهر ، بهذه الدعوة التي أوجب الله على نفسه نصرها ونصر رجالها .

ولنتجه بهذه الدعوة إلى مجالات مهجورة وكنوز مطمورة في آسيا وفي أفريقية ، إلى الشعوب التي ملكت الوسائل والعلم والصناعة ، والبلاد الواسعة والعقول الخصبة والسواعد القوية ، وجهلت الدين والغايات الصالحة والمبادئ الفاضلة ، وهي مستعدة لقبول هذه الدعوة ، وإذا قبلت هذه الدعوة وفقهتها وأخلصت لها تغير مجرى التاريخ من جديد كما تغير في العهد الأول بإسلام الفرس والترك والديلم ، وفي العهد الأوسط بإسلام التتار والمغول .

ألا إننا في حاجة إلى ثورة ، إلى ثورة في التفكير والمنهج .

[1] كان ذلك الجملة المأثورة الشائعة في المجتمع الإسلامي في القرن السابع عند غزو التتار للعالم الإسلامي وإخضاعه من أقصاه إلى أقصاه .

[2] سورة الأعراف : 137 .

[3] سورة الشعراء : 23 – 28 .

[4] سورة طه : 52 .

[5] سورة طه : 53 .

[6] سورة الشعراء : 61 .

[7] سورة الشعراء : 62 .

[8] سورة يونس : 87 .

[9] سورة النازعات : 17 .

[10] سورة آل عمران : 160 .

[11] سورة البقرة : 249 .

[12] سورة محمد : 7 .

[13] سورة الصافات : 171 – 173 .

[14] سورة آل عمران : 139 .

[15] سورة المجادلة : 22 .